27-01-2024 | 12:15

عبد الحميد جودة السحار... مكتشف نجيب محفوظ وضحيته!

مرّت في صمت تام الذكرى الخمسين لرحيل الروائي المصري عبد الحميد جودة السحار (1913 ـ 1974) الذي ينتمي إلى جيل ضمّ أسماء أدبية بارزة.
عبد الحميد جودة السحار... مكتشف نجيب محفوظ وضحيته!
Smaller Bigger
 
مرّت في صمت تام الذكرى الخمسين لرحيل الروائي المصري عبد الحميد جودة السحار (1913 ـ 1974) الذي ينتمي إلى جيل ضمّ أسماء أدبية بارزة. شهد هذا الجيل ولادة فن السينما، وكان الأكثر مشاركة في الكتابة لها أو تحويل الروايات إلى أفلام، فما لا يقلّ عن 70 في المئة من الأفلام المأخوذة عن نصوص أدبية تعود إلى نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، وبدرجة أقل يوسف السباعي والسحار، بينما أصبح زميلهم يوسف جوهر أحد كبار كتّاب السينما أكثر من منجزه الأدبي. وما يهمّنا هنا صداقة السحار ومحفوظ... المشترك بينهما، وكيف رأى كل منهما الآخر.
 
يحكي السحار في سيرته "هذه حياتي" عن ولعه منذ الطفولة بمشاهدة الأفلام الأجنبية في صالة سينما قريبة من بيتهم، ثم تحوّل الأمر إلى احتراف، حيث بدأ في كتابة القصص أو السيناريو والحوار للأفلام، ومن أشهر الأعمال التي شارك في كتابتها: "غرام في السيرك" لإسماعيل يس، و"ألمظ وعبده الحامولي" بطولة وردة، و"مراتي مدير عام" لشادية وصلاح ذو الفقار، لكن يظل أشهر فيلمين من كتابته هما "أم العروسة" إخراج عاطف سالم، والذي استلهمه من أجواء زواج شقيقه الأكبر، وفيلم "الحفيد" للمخرج نفسه.
 
يشترك السحار مع محفوظ في الكتابة للسينما في الفترة ذاتها، وتقريبًا لا يكتب الاثنان الفيلم كاملًا منفردين، بل بالمشاركة مع سيناريست محترف أو المخرج. لكن الفارق بينهما أنّ السحار شارك في كتابة أفلام عن قصص له، وهو ما لم يفعله محفوظ، وجمعت بينهما تجارب سينمائية قليلة أبرزها "درب المهابيل" سيناريو وحوار السحار عن قصة محفوظ.
 
 

اثنان من حي الجمالية
ينتمي الاثنان بالولادة والنشأة إلى الحي نفسه "الجمالية"، ثم الانتقال إلى ناحية حي العباسية. أي أنّهما عاشا مؤثرات البيئة ذاتها، وانعكس ذلك على أعمالهما. وإن كان محفوظ أقرب إلى الروحانية الصوفية، بينما السحار تأثّر بالتدين المحافظ لوالده التاجر.
 
وبحكم انتمائهما إلى الطبقة المتوسطة المدينية، شغلت المدينة وتحولاتها الاجتماعية جانبًا مهمًّا في إبداعهما، كما حرص كلاهما على الوظيفة الحكومية، برغم أنّ السحار كانت لديه فرصة العمل الحرّ في التجارة مع أشقائه.
 
وبينما كان محفوظ ـ وظلّ ـ محبًا ومعجبًا بالوفد وقيمه الليبرالية، نظر السحار بارتياب إلى أحزاب تلك الفترة متضايقًا من صراعاتها، وربما تأثّر بوالده الذي كان منزعجًا لسقوط الخلافة العثمانية، ومرتابًا في الأفكار القومية التي ستؤدي إلى تشرذم العرب والمسلمين.
 
هذا الحسّ المحافظ دفعه للاهتمام بالإسلاميات. ففي السينما شارك في كتابة ثلاثة أفلام مهمّة هي: "فجر الإسلام" إخراج صلاح أبو سيف، و"الرسالة" 1976 لمصطفى العقاد، و"القادسية" 1981 لصلاح أبو سيف، والأخيران عُرضا بعد رحيله.
كما انشغل بكتابة سلسلة من القصص التاريخية والدينية، أشهرها "محمد رسول الله والذين معه" في 20 جزءًا، وتحولت أجزاء من العمل لمسلسل ديني شهير بعنوان "محمد رسول الله".
 
 
 
تأييد وارتياب
بسبب وفديته نظر محفوظ بارتياب وتوجس تجاه ثورة يوليو، بل مرّر في رواياته انتقادات غير مباشرة لها، بينما كان معظم رفاق جيله أكثر تهليلًا لها، خصوصًا يوسف السباعي الروائي الضابط الذي أصبح وزيرًا للثقافة، والسحار الذي كتب في بداياته فيلم "شياطين الجو" مع الضابط وجيه أباظة، كما خاض معركة فكرة ضدّ "الشيوعيين" من منطلق أنّهم أعداء للثورة، وللتدين المحافظ الذي يلتزم به.
 
فالسحار محارب الشيوعية، هو نفسه من أحبّ في مراهقته جارته اليهودية المتحرّرة التي تكبره سنًا، ثم سرعان ما هرب من هذا الحب المحموم، وامتثل لرغبة الأسرة في الزواج مبكرًا من ابنة عمه، قبل أن ينهي دراسته في كلية التجارة، على عكس محفوظ الذي عاش حياة متحرّرة ولم يتحمس للزواج إلاّ بعدما تجاوز الأربعين.
 
لكي نفهم أكثر الطبيعة المحافظة في خياراته الاجتماعية ورؤاه الأدبية والفكرية، يكفي أن نشير مثلًا إلى امتعاضه من غلاف أول مجموعة قصصية ليوسف السباعي، والتي حملت عنوان "أطياف"، حيث علّق قائلًا: "كانت صورة الغلاف امرأة عارية ناهدة الصدر، ثقيلة الأرداف، لا يربطها بأطياف سبب واحد، ولا أدري ماذا كان يصور يوسف على الغلاف لو كان عنوان المجموعة "أجساد؟".
 
مع "الإخوان" وضدّهم
إذا كان محفوظ اتخذ موقفًا نقديًا صارمًا من "الإخوان" وصورهم تصويرًا سلبيًا في نصوصه؛ فإنّ السحار يلتقي معهم فكريًا في تمجيد الماضي والاقتداء بنماذج المسلمين الأوائل وأهمية الخلافة، لذلك لم يتردّد عندما نشر قصة "بلال مؤذن الرسول" من الذهاب إلى الحلمية والالتقاء بمؤسس الجماعة حسن البنا كي يهديه نسخة، فتودد إليه الرجل وعرض عليه أن يشرف على سلسلة إسلامية معهم! لكن السحار لم يشعر بالارتياح لهذا الاستقطاب، فطلب مهلة للتفكير، ثم انصرف. كما التقى به مرّة ثانية أثناء جمعه لمصادر عن أبي ذر الغفاري، رغبة منه في إثبات وجود أفكار اشتراكية تبنّاها بعض المسلمين الأوائل، وطلب البنا رؤية الكتاب قبل طبعه، وبالفعل قرأه وكتب له مقدمة!
 
هنا يُطرح السؤال نفسه إذا كان السحار ارتاب في "الإخوان" ورفض الإشراف على سلسلة من خلالهم، لماذا التقى البنا أكثر من مرّة؟ ولماذا طلب منه قراءة كتابه عن أبي ذر وتقديمه؟
 
الإجابة نجدها على لسان محفوظ نفسه في كتاب "نجيب محفوظ يتذكر"، حيث يعترف أنّه كره "الإخوان" منذ البداية، وأضاف نصًا: "لم يكن لي أصدقاء من الاتجاهات الأخرى إلاّ استثناءات محدودة جدًا مثل عبد الحميد جودة السحار، الذي كان يميل إلى "الإخوان"، كان يقول لي تعال قابل الشيخ البنا وبعدين احكم. لكنني لم أكن أطيق هذه السيرة أبدًا". ما يعني أنّ السحار أخذ مسافة من الجماعة بأثر رجعي في مذكراته، على عكس حماسه لها في شبابه!
 
 
 
لجنة النشر للجامعيين
توفي السحار عن 60 عامًا قضى نصفها أديبًا مرموقًا، وحظيت أعماله السينمائية والتلفزيونية بحضور جيد، مع ذلك طواه النسيان للأسف، وقلما يُعاد طبع أعماله، لأنّه مثل معظم أبناء جيله، سقطوا ضحايا نجيب محفوظ الذي بدا كأنّه جيل لوحده، وهيمن على المشهد الأدبي، فمن الذي سيهتم برفاق دربه؟
 
برغم أنّ السحار لم يكن مجرد رفيق درب، بل يمكننا أن نعتبره مكتشف محفوظ وصاحب فضل لا يُنكر في شهرته وتعريف القراء به.
 
آنذاك تعوّد السحار اللقاء مع أصدقائه في كازينو بديعة ومناقشة قضايا الأدب، ونشر أوائل قصصه في مجلة "الرسالة" وفي التوقيت نفسه لفت نظره قصص شاب آخر هو نجيب محفوظ.
 
وقرأ في الصحف عن فوز رواية "سلامة القس" لعلي أحمد باكثير، و"رادوبيس" لمحفوظ، بجائزة قوت القلوب الدمرادشية، ثم قرأ أنّ روايات "ملك من شعاع" لعادل كامل، و"كفاح طيبة" لمحفوظ، و"إسلاماه" لباكثير،  و"عودة القافلة" ليوسف جوهر، و"زينات" لحسين عفيف، قد فازت بجوائز وزارة المعارف، لكن لم يُنشر منها إلاّ الرواية الأخيرة فقط.
 
وتذكّر السحار أنّ محفوظ كان زميله في مدرسة فؤاد الأول الثانوية، وكان مثله من سكان حي العباسية، والتقاه في إحدى الجنازات، من ثم توطدت الصداقة واللقاءات بينهما في مقهى الفيشاوي ومقهى عرابي. وقتها كانت فكرة تأسيس "لجنة النشر للجامعيين" تستحوذ عليه، فعرض الفكرة على شقيقه الأكبر سعيد، الذي اشترى مكتبة مصر في الفجالة، وكانت مختصة بالكتب المدرسية، فأحبطه سعيد وأخبره أنّ سوق الأدب نافقة، لكن عبد الحميد صمّم وباع ذهب زوجته، وطبع بالفعل قصته "أحمس بطل الاستقلال". بينما محفوظ لم يكن قد نشر سوى "عبث الأقدار" مسلسلة في المجلة الجديدة لسلامة موسى، فقرّر عبد الحميد أن يطبع له أول رواية "رادوبيس" عن أول غانية في التاريخ، وأول قصة ينال عنها محفوظ جائزة، وساعده شقيقه سعيد في تدبير الورق.
 
 
لم تكن القصة عن غانية فحسب، بل أيضًا عن ملك يقع في حبها وثورة الشعب ضدّه، لذلك توجس السحار من ردّ فعل الرقابة في عصر الملك فاروق، وبالفعل طلب الرقيب تغيير "النهاية" كي لا ينتصر الشعب، لكن السحار أقنعه أنّ القصة تاريخية ولا يمكن "تغيير التاريخ". وهكذا طبع محفوظ روايته الأولى بفضل السحار.
 
وبعيدًا عمّا رواه السحار في كتابه "صور وذكريات"، يشير محفوظ نفسه إلى أنّ السحار شجعه على نشر مجموعته الأولى "همس الجنون". وربما تصريحه في كتاب "نجيب محفوظ يتذكّر" للغيطاني يحلّ لغزًا مهمًّا. لأنّه كان نشر بالفعل خمس روايات هي ثلاثيته الفرعونية ثم "زقاق المدق" و"القاهرة الجديدة"، ولم يتحمس لنشر القصص لكن السحار أصرّ وجمع المجلات التي نُشرت فيها، وحين اعترض محفوظ لأنّ أوان نشرها قد فات، أقنعه السحار أن يعتمد التاريخ الأصلي للنشر وكان عام 1938، وهكذا أصبحت "همس الجنون" تُرتب تاريخيًا باعتبارها أول ما نشر محفوظ، لكن الحقيقة أنّها أول ما كتب، وليس أول ما نشر.
 
عن طريق عبد الحميد تعرّف محفوظ إلى شقيقه سعيد وبدأ النشر لديه، وحدث أن انتهى من الثلاثية في مخطوط واحد بعنوان "بين القصرين" في نيسان (أبريل) عام 1952، وعرضها على سعيد السحار، فنظر إلى الصفحات الألف وقال له: "إيه الداهية دي؟!" ورفض طبعها. أصيب محفوظ بإحباط وانهيار لعدم تقدير جهد سنوات. وفي نادي القصة تحدث مع يوسف السباعي فعرض نشرها مسلسلةً في مجلة "الرسالة الجديدة" فأعطاه النسخة الوحيدة التي بحوزته، ولو ضاعت لفقُدت الثلاثية إلى الأبد. وبعد نجاحها اتصل به سعيد ورحّب بنشرها بشرط تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء: بين القصرين، السكرية، وقصر الشوق. فمن تسبّب في تقسيم الرواية إلى ثلاثية هو سعيد السحار وليس شقيقه عبد الحميد.
 
كما يشير محفوظ إلى أنّه تعرف إلى المازني ـ أحد كتّابه المفضلين ـ عن طريق عبد الحميد، لكنه في "صفحات من مذكراته" التي حرّرها رجاء النقاش، لا يشير إلى السحار ضمن شلة العباسية ولا شلة الحرافيش، ولا في فصل أدباء عرفهم، واكتفى فحسب بتكرار السطر نفسه عن تأسيس السحار للجنة النشر للجامعيين، سعيًا للاستفادة من نشر إبداعات الشباب التي حازت جوائز.
 
فخلاصة إحالات محفوظ للسحار لا تخلو من ضيق بسبب ميل الأخير للإخوان، واختزال شديد في ذكر دوره المهمّ في نشر أول رواية لمحفوظ "رادوبيس" وأول مجموعة قصصية "همس الجنون"... إضافة إلى كونه همزة الوصل بينه وبين شقيقه سعيد، الذي ظل ناشره الأدبي في مصر لأكثر من نصف قرن، حتى بعد نيل نوبل.
 
ولا يُستبعد أن يكون في النفوس شيء ما، بين الرجلين، أبناء الجيل الواحد، والحي الواحد، والناشر الواحد. ربما لاختلاف النزوع الفكري... وربما لأنّ إبداع السحار الواقعي والاجتماعي لم يحقق الانتشار الذي ناله محفوظ.
 
المؤكّد أنّ السحار (مع شقيقه سعيد) كان له فضل مهمّ جدًا في نشر وانتشار أعمال محفوظ لعقود، وفي تدشين شهرته، لكن هذه الشهرة نفسها حجبت مكانة السحار الأدبية.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية