اختارت الباحثة وعضو هيئة تدريس الأدب الإنكليزي في كلية الآداب (جامعة المنصورة) سارة حامد حوَّاس، أن تبدأ مشوارها مع الترجمة من الإنكليزية إلى العربية، بالأدب، وتحديداً ترجمة الشعر.
وهذا يعني أنها ذهبت طواعية إلى الأصعب، وقد قررت أن تزيد الأمر صعوبة عندما تعاملت مع الترجمة على أنها فن، لا مجرد نقل حرفي لمفردات من لغة إلى أخرى.
الترجمة من وجهة نظرها "إحساسٌ وذوقٌ وحدْسٌ وفن، خصوصًا ترجمة الشِّعر، لأنه يحتاج إلى قدرات خاصة". وهي لا تقصد هنا القدرات العقلية والعلمية والفكرية، بل – بحسب تعبيرها أيضًا - "القدرات الروحية التي تستطيعُ أن تستشفَّ وتشعر وتحدسَ ما وراء الكلمات من معنى ومغزى وشعور".
وهذا ما يعكسه كتابها "ثُقْب المفتاح لا يَرى"، الصادر حديثًا عن "بيت الحكمة" في القاهرة ضمن سلسلة "بيت الحكمة بالعربي"، وشعارها "كتبٌ تبقى".
الكتاب يتضمن قصائد لـ20 شاعرة، من أصول ثقافية متباينة، وإن كن يحملن جميعًا الجنسية الأميركية، اختارتهن حوّاس ممن سبق لهن الفوز بجائزة "بوليتزر"، باستثناء شاعرة واحدة، توجت بجائزة نوبل، عام 2020 وهي الراحلة لويز غلوك، المولودة في عام 1943 والمتوفاة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
ترى حوَّاس أنّ هؤلاء الشاعرات ظُلِمن رغم تتويجهن بأرفع جائزتين أدبيتين، لكونهن نساءً، فالأضواء تسلط دائمًا على الأدباء الرجال أكثر بكثير مما يمكن أن تحظى به المرأة الأديبة، مهما حظيت بتقدير المؤسسات المانحة للجوائز الأدبية، بحسب ملاحظتها.
فالشاعرات الفائزات بجائزة بوليتزر واللائي تضمَّن الكتاب قصائدهنّ مترجمةً من الإنكليزية إلى العربية، عددهن 19 شاعرة؛ علمًا أن القائمة الكاملة لمن فزن بالجائزة ذاتها لا تتجاوز 25 شاعرة حتى عام 2023، فيما الشعراء الرجال عددهم يصل إلى 56 شاعرًا منذ تأسيس الجائزة عام 1917 وحتى الآن.
أما جائزة نوبل فلم تفز بها سوى شاعرة أميركية واحدة منذ عام 1901 وحتى الآن، وقد فازت بها قبل وفاتها بنحو ثلاثة أعوام.
وهو ما ينطبق كذلك على مجال القصة والرواية، ففي قائمة الفائزين بجائزة نوبل كاتبة أميركية واحدة هي توني موريسون، وقد فازت بها عام 1993؛ أي قبل رحيلها بنحو 16 عامًا، وهي أيضًا متوَّجة بجائزة بوليتزر عن روايتها "محبوبة". ودائمًا ما يقال إن الفوز بجائزة بوليتزر يمهد للفوز بجائزة نوبل، لكن يبدو أن هذا لا ينطبق على المرأة الأديبة، بقدر ما يمكن أن يتحقق مع الأديب الرجل.

20 شاعرة
وتضم قائمة الشاعرات اللاتي ترجمت سارة حواس قصائد لهن في كتابها كلًا من: إيمي لويل، ولويز غلوك، وتريسي ك سميث، وشارون أولدز، وماريان مور، وإليزابيث بيشوب، وإدنا سانت ڤينسنت ميلاي، وناتاشا تريثيوي، وماري أوليڤر، وكارولين فورشيه، وريتا دوڤ، وماريا زاتورينسكا، وليسيل مولر، وكارولين كايزر، وسيلڤيا بلاث، وآن سيكستون، وسارة تيسيديل، وفيليس ماكجينلي، وجويندلون بروكس، وكلوديا إمرسون. وقدَّم للكتاب الشاعر المصري أحمد الشهاوي الذي تقول المترجمة إنه واكب مشروعها هذا من بدايته وحتى اكتمل، مشيرة إلى أنها استفادت من ملاحظاته التي تكتسب أهميتها من تجربته المهمة في كتابة الشعر والتي بدأها بديوان "ركعتان للعشق" الصادر عام 1988، علمًا أن الكثير من دواوينه ترجم إلى لغات عدة، منها الإنكليزية والإسبانية والتركية والفرنسية. ولاحظ الشهاوي أن سارة حامد حواس "تترجم الجملة بجملة تطابقها في اللغة العربية، ولا تترجم كل مفردة على حدة، إذ تهتم بدقّة الترجمة، والمُراجعة المستمرة للنص الواحد؛ كي يخرج في صورة مُثلى ودقيقة في الوقت نفسه، بحيث يشعر متلقيها كأنَّ النصَّ مكتوب في الأصل باللغة العربية". ورأي كذلك أن لغتها "بعيدة من التقعر والمعاظلة، حيث تعتمد على الإبداع والحسّ اللغوي اللذين تتسم بهما، في وقت ازدادت الحاجةُ فيه إلى ترجمة شعر المرأة، الذي أراهُ مثالًا مهِمًّا للكتابة الشعرية التي تتسم بالجدة والجدية".
ولاحظتْ حواس أن الشَّاعرات اللاتي انتحرن، من بين من ترجمت لهن قصائد، ومنهن سيلفيا بلاث، كتبن شعر الاعتراف على نحو خاص، وكن يُعانين فشلًا في علاقاتهن العاطفية. أما الشاعرات من أصول أفريقية، فوجدَت أن معاناتهن كانت تكمن في التفرقة العنصرية والمضايقات التي يتعرضن لها بسبب أصولهن، ومن ثم كانت قصائدهن "تنبض بإحساسهن بعدم الانتماء إلى وطن". أما الشاعرات من أصول ألمانية أو روسية كالشاعرة الأميركية الألمانية ليسيل مولر والشاعرة الأميركية الروسية ماريا زاتورينسكا، فوجدت حوّاس أن هناك اختلافات بينهما وبين الشاعرات الأميركيات الأخريات؛ سواء البيض أو اللاتي من أصول أفريقية، فليسيل مولر على سبيل المثال، مختلفة في أسلوبها واختيارها موضوعات وشكل قصائدها، فكانت تهتم كثيرًا بالأساطير، فأصبحت قادرة على تطويع اللغة والثقافة الواسعة لخدمة قصائدها وبالتالي أنتجت شعرًا مختلفًا كليًا عن بقية قريناتها من الشاعرات الأميركيات. أما ماريا زاتورينسكا، فوجدتْها تقليدية كلاسيكية متأثرة بالثقافة الإنكليزية، فجاءت قصائدها رومانسية كلاسيكية، وبهذا فإنها لم تتأثر بالحركة الشعرية الحداثية التي انتشرت حينها في المجتمع الثقافي الأميركي.
![]()
الشاعرة لويز غلوك
مقدمة نقدية
لم تكتف سارة حوَّاس بالترجمة، فقد تصدَّرت كتابها مقدمة اشتملت على دراسة وافية للنصوص التي ترجمتها ولمنجز كل شاعرة، وما يميز كل واحدة منهن عن الأخريات، وصلة شعرهن بحيواتهن، وبأصولهن الثقافية والعرقية، التي لم يتمكن المجتمع الأميركي الذي ينشد التجانس من محوها، بحسب قناعتها.
وفي المجمل وجدت سارة حوَّاس نفسها تميل إلى اعتبار ذلك المجتمع ذكوريًا بامتياز، بما أنه لا يولي إبداع المرأة الاهتمام نفسه الذي يحظى به إبداع الرجل. ووجدت حواس في القصائد التي ترجمتها؛ "عوالم وثقافات مختلفة وخلفيات اجتماعية متنوعة؛ جعلتني أتعلم وأعرف".
وهي باتت متأكدة، بعدما أنجزت عملها هذا، أن "الألم هو وقود النجاح والتميُّز والاختلاف"، وأن "الحزن يُشعل فتيل الإرادة في قلب الإنسان وروحه، ويجعل منه نهرًا يُعطي ويفيض".
تخرَّجت سارة حوّاس في قسم اللغة الإنكليزية وآدابها في كلية الآداب في جامعة المنصورة (شمال القاهرة) وتخصّصت في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في اللغويات الإنكليزية. ويرى الشهاوي أن هذا التخصص "جعلها أكثر معرفة بأسرارِ الكلام ودلالات المُفردة، والعلاقات في بناء النص، وتشكيله، وتكوين الصور، وقد قدَّمت ذلك بسهولة وسلاسة نفتقدها في كثيرٍ من الترجمات الحرفية metaphrase والأمينة والحُرَّة (الدلالة بالدلالة) paraphrase، والتي تعتمدُ الوزن، أو الإيقاع، أو الوزن والتقفية، بحيث يصير النص مسخًا مُشوَّهًا في الأخير".
وتقول حوَّاس لـ"النهار العربي" إن عنوان كتابها هو سطر من قصيدة للشاعرة الأميركية ريتا دوڤ، اسمها "من القلب للقلب" From Heart to Heart واختارته لأنها وجدته أكثر تعبيرًا ودلالة على محتوى الكتاب. وتضيف: "كنت قد وضعت في البداية عناوين عدة، لكنني في النهاية وقفت على اختياري الأول، وأظن أنني وفقتُ في هذا الاختيار. أما عن دلالته، فهو أن النجاح لن يصل إليك من دون سعي واجتهاد، وأن الحب لن يأتي إليك من دون أن تستعد له روحيًّا ونفسيًّا، فثقب المفتاح لا يَرى، أنتَ مَن ترى من خلاله".
معرض القاهرة
منذ التحاقها بكلية الآداب (قسم اللغة الإنكليزية) في جامعة المنصورة (شمال القاهرة) وهي تُحب الشعر كثيرًا، وتمنّت أن يكون تخصصها الدقيق منذ تعيينها معيدة في الكلية نفسها، ولكن لم يشأ القدر أن يعطي لي تلك الفرصة، هذا ما تقوله الحوّاس. وذلك لأنها تخصصت في اللغويات التطبيقية مثل والدها البروفسور حامد حوَّاس. وتضيف: "تأثرتُ كثيرًا في مجال دراسته إلى حدّ حتى أصبحت أتحدث مثله، وبهذا الكتاب، أنا أعود إلى مساري الأول وهو الشعر رغم أنني لغوية".
ومن المقرر أن تقام ندوة يوم 28 كانون الثاني (يناير) الجاري، لتوقيع كتاب "ثقب الباب لا يَرى"، ضمن الأنشطة الثقافية المصاحبة للدورة الـ55 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب. وتولت حواس ترجمة قصائد لعدد من ضيوف هذه الدورة من الشعراء الأجانب، وستتولى تقديمهم في ندوات مخصّصة لجمهور المعرض الذي يستمر حتى 6 شباط (فبراير) المقبل، على أن تضم قصائد هؤلاء الشعراء وغيرهم في كتاب بدأتْ العمل عليه بالفعل. كما ترغب حوّاس في تسليط الضوء على شعر النرويجي يون فوسه الفائز بجائزة نوبل في الآداب العام الماضي عن أعماله الروائية، بعدما ترجمت له قصيدة طويلة ونشرتْها من خلال موقع إلكتروني.
نبض