15-01-2024 | 16:52

100 يوم على حرب غزّة... واهتزازُ العلاقة الثقافية بالغرب

عصف طوفان الأقصى. أسرَج مقاومو "حماس" خيلهم. لم نعرف كيف، ولكنهم أسرَجوها. وكانت الأحداث التي نعلم وتتواصل، بمسلسل غزو تدميري صاعقٍ لغزة وقتل عمْدٍ لسكانها تجاوز اليوم عشرين ألف ضحية، نصفهم أطفال ونساء. منذ ساعاته الأولى وجد الفلسطينيون، ومعهم العرب أغلبهم، في مواجهة حملة شاملة من الهجاء والاستبشاع والسِّباب البذيء من خلال ما أدينت به الحركة الفلسطينية للهجوم الذي قامت به على مستوطنات غزة بما أسفر عنه من ضحايا واقتياد أسرى.
100 يوم على حرب غزّة... واهتزازُ العلاقة الثقافية بالغرب
Smaller Bigger

عصف طوفان الأقصى. أسرَج مقاومو "حماس" خيلهم. لم نعرف كيف، ولكنهم أسرَجوها. وكانت الأحداث التي نعلم وتتواصل، بمسلسل غزو تدميري صاعقٍ لغزة وقتل عمْدٍ لسكانها تجاوز اليوم عشرين ألف ضحية، نصفهم أطفال ونساء. منذ ساعاته الأولى وجد الفلسطينيون، ومعهم العرب أغلبهم، في مواجهة حملة شاملة من الهجاء والاستبشاع والسِّباب البذيء من خلال ما أدينت به الحركة الفلسطينية للهجوم الذي قامت به على مستوطنات غزة بما أسفر عنه من ضحايا واقتياد أسرى.

 

نحتت إسرائيل المفردات الأولى لقاموس الهجاء مختصرًا في (الوحشية، الهمجية والبربرية) "رقّاها" وزير حربية الاحتلال إلى مسخ الحماسيين إلى حيوانات في صفة بشر.

 

في الدقائق والساعات والأيام والأسابيع الموالية ذاتها تشكلت مباشرة آلةٌ إعلاميةٌ غربيةٌ من جميع وسائل الاتصال المعروفة اليوم في عالمنا كلّها طار صوابُها ـ وأنا لا أبالغ في أي كلمة، لأني عشت ورأيت وتابعت هذا من الداخل ـ وتحدثت جميعُها بلسانٍ واحدٍ تُسمّي وتصف وتصنّف إسرائيل ضحيةً ودولةً مهددة الكيان وشعبها عرضة لعصابات قتلة. لو أن جنرالاً يحكُم هذه الدول وقبائلها الإعلامية ومفكريها وكتابها وفنانيها، ولو بيد من حديد ما استطاع أن يجعلها كلها كتيبة واحدة منسقة، تحول المحتل إلى ضحية مطلقة وتدعو للقصاص.

 

نعم، التاريخ لا يعود إلى الوراء أبداً، لكن عملية "طوفان الأقصى" تعيدنا من بين إحالات أخرى إلى موقع الغرب وعلاقته المباشرة منذ وعد بلفور (تشرين الثاني/ نوفمبر 1917) بتوفير دولة لليهود في أرض فلسطين، واستمرارًا بعد ذلك إلى إنشاء الدولة في عام 1948.

 

منذ هذا التاريخ وهذا الكيان الذي بُني على الاحتلال وطرد شعباً كاملاً من دياره وشرده في الآفاق وهو يرسُخ ويقوى بشرياً ومالياً وتسلّحاً وهجرةً، خاصة من الغرب الذي كان مختصراً يومئذ في قوتين كبريين هما بريطانيا وفرنسا، وتوسّع اليوم ليتعدى رقعته الجغرافية نحو أستراليا واليابان وكندا والولايات المتحدة الأميركية القوة العظمى التي تحتويه وغدت رمزَه، ونعرف أنها الحامي الأول للكيان الصهيوني، تسلّحه بعتُوٍّ وتُبيح له مواصلة إبادةِ أهل غزة.

 

أكاد أقول إنّ هذا تحصيل حاصل، فمقابل الالتفاف الرسمي والإعلامي الغربي المطلق لنُصرة إسرائيل والتباكي على مصيرها وتدافع قادتهم لتقديم العزاء والدعم في عاصمتها، نقيضٌ مفارقٌ من قِبلنا نحن العرب في صورة فُجاءتنا واستغرابنا حدّ الذهول من موقف نُصرة الغرب، لدرجة بلوغها نعرةً عرقية من لندن وباريس وبون وأوتاوا وواشنطن، على المستويات كافة.

 

هل نحن أمة الغفلة، أم ضعف الذاكرة والنسيان، أم الذين لا يتعلمون من دروس التاريخ القاسية؟ لنستحضر أولاً البدَهيات في معطى الماضي الاستعماري التليد لأوروبا الغربية المؤرَّخ له على الأقل مع حملة نابليون (1798ـ1801) انتقالاً إلى الزمن الحديث مع الموجة الاستعمارية الشاملة لبلدان المغرب العربي (فرنسا) والمشرق العربي (بريطانيا، خاصة) فضلاً عن بلدان أفريقية وآسيوية أخرى ذات تاريخ عريق. لنفرك أدمغتنا ونخرج من غياهب النسيان العدوان الثلاثي على مصر، وهزيمة حزيران 1967 واستيلاء إسرائيل على الأراضي العربية في سيناء والضفة الغربية والجولان على مرأى ومسمع ومساندة علنية وضمنية للقوى التي نندهش حالياً من مواقفها وخطاباتها المتعصّبة الكاذبة والموالية بلا قيد ولا شرط للحليفة الإسرائيلية. وللاختصار، فقط، ننتهي إلى الغزو الذي تعرّض له العراق من التحالف الدولي باسم كذبة كبرى اعترف نفسه ببطلانها ومطيةً لإسقاط نظام اسمها القضاء على "أسلحة الدمار الشامل".

 
 

 

بتنا نحتاج إلى صدمات كهرو استراتيجية عدوانية علينا لنستفيق من الغيبوبة ونتساءل عن هوية الغرب ونسائل كذلك أنفسنا من نحن إزاءه. نعم، تقع القضية الفلسطينية في قلب الصدام ولكن ثمة قضايا أخرى لا تقلّ عنها صراعاً، والدليل أن العلاقات معه لا تستقر على حال. المسألة السياسية، أي قضايا الهيمنة واستغلال الثروة وفرض التبعية، جوهر في هذه العلاقات، لكن لنضعها في الطرّة، لننتقل من الماكرو إلى الميكرو في المعالجة ونركز على المسألة الثقافية، وهذه خصت في الأصل قضايا البحث عن النهضة وتجديد الهوية للخروج من الجمود والالتحاق بالمدنيّة ـ وهي غربية ـ بأدواتها وهياكلها وأشكالها. السؤال هو: كيف يجوز أن نفاجأ بمن هو ساكن فينا وعيًا وأنا أعلى لحد أن أصبح جزءاً منا؟

 

سيكون من باب التكرار، لكن الضروري، التذكير في كل مرة أنه بعد الحملة النابليونية الشهيرة استفاق المشرق على هول تخلفه، وتحركت العقول والهمم مستنفرة داعية لالتحاق بركب التقدم مشرقاً ومغرباً، لنا أن نقدم أسماء علامات هي أيقونات السعي العربي للنهضة المنشودة وللاقتباس من المدنية الغربية الحديثة: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، رفاعة الطهطاوي، فارس الشدياق، شكيب أرسلان، شبلي شميل، علال الفاسي، الطاهر بن عاشور، ثم المحدثون وهم كُثر توزعوا بين تيارات ليبرالية علمانية واشتراكية وإصلاحية مناهلُها جميعُها من الفكر الأوروبي والأيديولوجيات والحركات السياسية المولودة في بيئاته وحسب حاجاته لا طموح وأوهام الآخرين، جمعها مع أطروحاتها الكتاب العلامة "الأيديولوجية العربية المعاصرة" (1967) للمفكر المغربي عبد الله العروي، الذي يبقى المرجع الأساس رغم بعده الزمني نسبياً، ويدعو صاحبه إلى منهجية تاريخانية تعتمد استئناف العرب للمراحل الأوروبية لبلوغ صحيح للنهضة.

 

هل هذا ممكن؟ وأي نهضة هذه التي أراد العرب أن يلتحقوا بها؟ وماذا حققوا في مسعاهم؟ ولماذا كل هذه الخيبة والتأسّي تجاه الغرب إذا كان بعضُهم من النخب خاصة ظنوا أنهم انتقلوا إلى أفق الحداثة؟

 
طبيعة العلاقة

يتعذّر بحث هذه الأسئلة هنا، نطرحها للتنبيه إلى أنها جزء من سوء فهمنا لطبيعة العلاقة مع الغرب تاريخياً وإيديولوجيّاً وثقافيّاً، وذلك بوضعه في أنماط تفكير وسلوك ثابتة تقفز عمداً أو غفلةً عن خلفيات ووتائر التحول الزمنية، والعمَى عن النظر إليه في سياقه وبأنساقه الداخلية ومصالحه بالدرجة الأولى، التي تتحكم في الأفكار والأيديولوجية والسلوك. إن مفكرينا ومحللينا وإعلامنا وإجمالاً المستنيرين منا الذين تباكوا على انهيار القيم الغربية ورأوا عالمهم ينهار جرّاء سقوط منظومة المبادئ الغربية لحقوق الإنسان والشعوب، هم ونحن الحداثيين جميعًا عقولُنا وقلوبُنا مشدودةٌ إلى أولمب عهد الأنوار وفولتير ومونتسكيو وروسو وماركس وصولًا إلى هابرماس الذي صفعنا ببيان مبادئ التضامن أطاح فيه كل قيم الحداثة. يشعرون اليوم بأنهم أيتام وخدعوا، والحال أن ثقافة وقيم عهد الأنوار تراث إنساني إذا كان قد انطفأ أو شحب في زمن فليس معنى هذا أنه زال إلى الأبد.

 

ثم إنّ السبب أن المثقفين العرب يعمّمون وكثرةٌ منهم لا تميز ما المقصود من النهضة، وتعي ما تأخذ وتختار، فالغرب نفسه عرف ثلاث نهضات، المتصلة بالتراث الإغريقي واستتبت في إيطاليا وأنجبت الأنوار منهيةً العصر الوسيط؛ والنهضة المبنية على الإصلاح الديني التي سادت في ألمانيا؛ ونهضة القرن 19 الصناعية الاقتصادية والفلسفية أيضاً التي أثمرت تيار الحداثة، وأخيراً تيار ما بعد الحداثة القائم على نقد هذه الأخيرة من داخل مفاهيمها.

 

منذ نهاية القرن التاسع عشر ونحن نقتفي هذه الآثار، في جميع مناحي المعرفة والآداب، كذلك، فالأدب العربي الحديث كله بُنيَ وتطور الكلاسيكي منه بتقليد الأجناس الأدبية في الغرب، الرواية أخصّها، والشعر الموسوم بديوان العرب عرف تحولاتٍ جذرية في أبنيته النظمية، وأنماط عيشنا وسلوكنا ازدوجت بين ثقافتين وهويتين، لدرجة أن الغرب كفّ أن يكون (آخر) كما وصفه المفكر العربي، بل أنا ثانية، وكاد قومٌ منا ينسون، والنسيان خطيئتنا الكبرى، أن هذا الغرب رسم لنا الصورة التي أراد بإعادة استكشافنا وقراءة تراثنا وفحصه، وهذا ما فعله المستشرقون الألمان والفرنسيون خاصة، أجل قدموا خدمة جليلة، فيما مهّدوا للحملات الاستعمارية، بعبارة أخرى فالاستشراق قديمًا وحديثاً بنى لنا كياناً وعنّا تصوّراً أخضعنا له وأصبح جزءًا منا وحكّمنا مقاييسَه وأنساقه في القراءة والتفكير.

 

وعلى هذا البناء أعلن إدوار سعيد (1935ـ2003) انتفاضته الفكرية الكبرى في كتابة ذائع الصيت "الاستشراق" (1978) يعرفه بقوله إنه: "نمط من الإسقاط الغربي على الشرق وإرادة السيطرة عليه".

 

 كان الغرض من هذه الانتفاضة تبديد سوء التفاهم بين ثقافتين وعالمين، وذلك لم يتيسّر، فمن جهة، استمرت الخديعة استمرأ المخدوعون كل ما تقدمه المدنية الغربية، حتى ظهر عندنا من يتفلسفون في فكر ما بعد الحداثة وهم يعيشون في مجتمعات عشائرية وبلدان في أسفل درجة للفقر، ومن جهة ثانية، وهذا الأقوى، فإنه لا يمكن حدوث تفاهم وحوار حقيقي بين طرفين غير متكافئين، ما لا يمنع من الاستمرار من الدوران في فلك غرب مستقرّ فينا، وهذه إشكالية أخرى. من باب الاختصار، نقول إن مشكلتنا وخيبتنا الراهنة تجاه مواقف الغرب بمناسبة حدث "طوفان الأقصى" وتوابعه هو أننا تعاطينا دائماً مع الصورة التي صنعنا له لا هو في جوهره وصيروراته، وتعاملنا معه أيضاً بانتقائية، ناسين ومتغافلين عن وجهه القبيح، ومعتنقين لما نحب منه، فيا لها من مازوخية عجيبة، واليوم ليس الغرب من سقط بل المثال، وينبغي أن تعي النخب العربية وكل المخدوعين والخائبين أن قيم الاستنارة والمبادئ الإنسانية هي إرث البشرية جمعاء مسؤولة عن الحفاظ عليه، وفي الوقت هذا موعد جديد مع التاريخ لإعادة بناء الذات.  

 

 

 

 

     

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.