من المعروف أن أينشتاين وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة نطق ببضع كلمات باللغة الألمانية، ولسوء حظنا لم تعرف ممرّضته الأميركية مغزى آخر ما نطق به العالم العظيم.
ولحسن حظنا أصبحت "السوشيل ميديا" توثق تلقائيًا آخر ما نفكر فيه، وهكذا انتبه كثيرون إلى أن الناقدة المصرية الراحلة سيزا قاسم (8 كانون الأول/ ديسمبر 1935 ـ 8 كانون الثاني/ يناير 2024) كتبت قبل يومين من وفاتها جملة باللغة الفرنسية ترجمتها: "يا إلهي، أن يموت بلا معاناة!".
كانت جملة غامضة، لدرجة أن الروائية هالة البدري علقت قلقة عليها. على الأرجح شعرت بانتهاء الرحلة قبل أن تكمل التسعين، وأرادتها نهاية هادئة بلا ألم.
كانت سيزا سيدة قوية عاشت حياتها المديدة، كما اختارتها، ووضعت نقطة في سطرها الأخير، مثلما أرادت. وفي مجمل مشوارها فضلت أن تبقى بعيدة من الضوء، وحتى من المناصب، إلى حدٍ كبير، ليس عن قلة اعتداد بالذات، بل لكبريائها واستغنائها، ولأنها لا ترغب بأن تلوث بما تراه متهافتًا وأقرب إلى مهزلة.
وبرغم ما يبدو في ملامحها من هدوء، وابتسامة خجول، وعزوف عن الضجيج، إلا أنها ظلت حتى آخر لحظة قوية في حضورها، وفي دأبها الفكري، وشجاعة التعبير عما تعتقد.
ميراث طه وسهير
بالنظر إلى سنة ميلادها هي أكبر بعام من أمينة رشيد، وعامين من عبد المنعم تليمة، وبضع سنوات قليلة من محمد عناني، وسمير سرحان، ونصر أبو زيد وجابر عصفور، ونهاد صليحة.
يشترك هؤلاء جميعًا في أنهم أبناء كلية الآداب (جامعة القاهرة) التي ارتبط تأسيسها باسم عميد الأدب العربي طه حسين. بعضهم تخرج في قسمه مباشرة (اللغة العربية)، أو في قسمي اللغة الإنكليزية والفرنسية. كما يشتركون في كونهم قامات رفيعة قادت مسيرة الثقافة المصرية والعربية في النصف الثاني من القرن العشرين. والغالب أن طه درس لهم جميعًا، لكنهم عمليًا تلاميذ تلامذته.
جاء إهداء سيزا لكتابها "بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ"، كالتالي: "إلى أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي التي أدين لها أنا وهذه الدراسة بكثير من الفضل. وإذا كانت ساندت أجيالًا من تلاميذها إلى أن ثبتت أقدامهم على الطريق فإنها لم تطمس شخصياتهم بل وآزرتهم لينطلقوا في مختلف الاتجاهات وفقًا لمعاييرهم الخاصة".
على وجازة الإهداء فإنه مفتاح لأكثر من فكرة في فهم مشروع سيزا، أولاها أن ما فعلته سهير كان امتدادًا مباشرًا لفكر ومشروع طه حسين لأنه كان محرضًا عظيمًا فتح أبوابًا للشك وإثارة الأفكار، ثم ترك لكل من يشاء أن يؤسس وعيه بنفسه، ومثلما ساند سهير، بدورها ساندت سهير سيزا، وبحكم علاقة مصاهرة مع أسرتها عندما علمت أن والدها يرغب في أن يتوقف تعليمها عند الثانوية وتستعد للزواج، عنفته وأقنعته بأن يرسلها إلى الجامعة.
ومثلما شجع طه تلميذته سهير على دراسة "ألف ليلة وليلة"، لأنه كان مؤمنًا بألا نقطع علاقتنا بتراثنا الثقافي والحضاري، وفي الوقت نفسه لا نستسلم له فيستعبدنا، سارت سيزا على النهج نفسه واختارت رسالتها للماجستير عن "طوق الحمامة". هذه العلاقة مع التراث لم تنقطع إطلاقًا في مختلف محطات سيزا، انطلاقًا من قناعتها بأننا أصحاب ثقافة عظيمة لا تقل شأنًا عن الثقافة الأوروبية.

معارك لا تُنسى
ربما لم تعرف الثقافة العربية في القرن العشرين رجل معارك كبرى مثل طه حسين، ولم تكن سيزا (تلميذة التلميذة) بعيدة من ذلك، فهي دائمًا شجاعة في آرائها، لا تجمل ولا تداري، منها وصفها ـ قبل ست سنوات ـ لنجيب محفوظ بأنه "كان إنسانًا جبانًا" "وليس له موقف شجاع واحد" وهو التصريح الذي أثار ردود أفعال واسعة ضدها!
وقبل عام جددت معركة قديمة تتعلق برفض الروائي صنع الله إبراهيم لجائزة الرواية العربية من وزارة الثقافة المصرية قبل عشرين عامًا، وتصادف أن سيزا كانت عضو لجنة التحكيم، واعترفت لأول مرة بأنها اختارت منح الجائزة للروائي إدوار الخراط، لكن اللجنة التي ترأسها الروائي السوداني الطيب صالح فضلت صنع الله، وما ضايق سيزا وكشفت عنه بأثر رجعي إعلان اللجنة أن الاختيار كان بإجماع الآراء على خلاف الحقيقة.
أيضًا دفاعها المشهود عن إدوار الخراط ومشروعه ـ وهو روائي مهم ـ انطوى دائمًا على نقدها للعبة التكريس والتهميش، بين الأجيال، وعلى تماهٍ مضمر مع مشروعها هي نفسها، لأن الخراط يشاركها الانفتاح العميق على الثقافتين العربية والغربية، والنزوع إلى النقض والتجديد والتجريب، وليس غارقًا في المحلية مثل معظم الروائيين، إلى درجة أنها وصفته بأنه "ربما يكون أعظم من نجيب محفوظ"!
بين جيلين
برغم أن الفروق العمرية قد لا تكون كبيرة بين أبناء آداب القاهرة الذين تخرجوا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وتأثرهم بطه حسين ومشروعه التنويري، وبرغم أنهم جميعًا كانوا يجيدون لغتين أو أكثر، وانفتحوا على الثقافتين العربية والغربية، لكن ربما الأكبر سنًا ممن استقبلوا ثورة يوليو في بداية شبابهم مثل سيزا وأمينة رشيد وعبد المنعم تلمية، حافظوا على توجه أقرب إلى الليبرالية أو اليسارية، وفضلوا البقاء على مسافة من السلطة، إن لم يتعرض بعضهم للسجن والإقصاء. بينما الأصغر سنًا مثل سمير سرحان وجابر عصفور مثلوا السلطة وتولوا مناصب رفيعة. التفريق هنا ضروري، بين وعي كان أكثر ارتباطًا بالمرحلة الليبرالية والنضالية، وآخر أكثر تماهيًا مع المشروع القومي الناصري. وفي ظني كانت سيزا أقرب إلى التوجه الأول. فابتعادها ـ بإرادتها ـ أو استبعادها من الحضور الإعلامي والثقافي الرسمي، كان أقرب إلى تواطؤ مشترك من الطرفين.

أسرة ثلاثية اللغة
تنتمي سيزا أحمد قاسم دراز إلى أسرة ثرية نوعًا ما، برغم إصرارها أنها "أسرة عادية"، الأب تاجر مثقف جدًا يتحدث الإنكليزية، والأم زينب السيوفي من عائلة غنية وتتقن الفرنسية، مع العربية طبعًا، وبحكم انتمائها ودراستها في مدارس راهبات لم تجد سيزا صعوبة في إتقان اللغات الثلاث والتفكير والكتابة بها.
وحين التحقت بالدارسة في قسم اللغة الفرنسية، في آداب القاهرة، شعرت أنه لا يضيف إليها، ووصفت أساتذته بالفاشلين وعلى رأسهم مؤنس نجل طه حسين نفسه، لذلك غيرت مسارها ومصيرها إلى قسم اللغة العربية، وربما هي المصرية الوحيدة ـ على حد علمي ـ التي تخرجت في قسمين في الكلية ذاتها.
هذه النشئة تفسر تلقائيًا كيف تكوّن وعيها الليبرالي المنفتح على اللغات والثقافات، وتفضيلها أن تبتعد مشاريعها من الانغلاق المحلي. وهو ما دفعها إلى الترجمة أحيانًا، والتعريف بأهم وأحدث المناهج الغربية.
وما كان لسيزا أن تنجز مشروعها الملهم لولا أسرة ميسورة مثقفة، ثم أستاذة كبيرة داعمة هي سهير القلماوي، وأخيرًا شريك عظيم ارتبطت به عاطفيًا لأكثر من نصف قرن هو المهندس وجيه دراز الذي رحل قبلها بعام، وبرغم أنها لم تنجب، ظلت ممتنة لقوة الشراكة بينهما وما عاشته مع زوجها من حب وسعادة.
خمسة كتب
لا تبدو سيزا كاتبة وأكاديمية غزيرة الإنتاج مثل محمد عناني أو جابر عصفور، لكنها أقرب إلى عبد المنعم تليمة في زهدهما في نشر الكتب. فعلى سبيل المثال درست في الماجستير "طوق الحمامة" 1971، بتشجيع وإشراف أستاذها عبد العزيز الأهواني، وهو الكتاب الذي وقعت في فتنته، ومع ذلك تجاهلت نشر الدارسة لأكثر من أربعين عامًا، وعندما نشرتها حرصت على أن تضيف إليها فصلًا خامسًا قارنت فيه كتاب ابن حزم بكتب الحب في تراث الغرب، من القرن الثاني عشر إلى القرن التاسع عشر.
أما رسالة الدكتوراه فكانت عن "أثر الواقعية الفرنسية على الرواية العربية في مصر من عام 1945 حتى 1960" وناقشتها سنة 1978، وتناولت وفق نظريات الأدب المقارن ثلاثية نجيب محفوظ وتأثير الأدب الغربي عليها، واعتبرتها أفضل الأعمال الروائية في الأدب العربي الحديث، ونشرت في كتاب بعنوان "بناء الرواية"، ترك أثرًا واسعًا على مئات الدراسات النقدية العربية.
ثالث كتاب مهم "مدخل إلى السيموطيقا" وبرغم أنه تأليف وترجمة جماعية، لكنه فكرتها وإشرافها، وكان غير مسبوق عربيًا في بابه، وتأسيسيًا لا غنى لأي باحث في الأدب العربي.
في معظم أبحاثها وكتبها انشغلت سيزا بأربعة تيارات فكرية غربية هي: نظريات الأدب المقارن، والبنيوية، والسيميائية، والتأويلية، لكنها لم تدر ظهرها في أي مرحلة للتراث العربي. وهذا يأخذنا إلى رابع كتبها "القارئ والنص" الذي يستلهم تلك المناهج.
لنصل إلى آخر كتاب أصدرته قبل شهور قليلة "شذور الذهب" وتناولت فيه الخطاب التاريخي عند مؤرخين مثل الطبري والمسعودي وابن خلدون وإسباغ القداسة على النصوص، وعلاقة الرواية بالتاريخ.
خمسة كتب منشورة ليست بنتاج ضخم لناقدة ناهزت التسعين، باتت بمثابة علامات مؤسسة في مسيرة النقد العربي، ولا يقدر أي باحث في الأدب المعاصر أو التراثي، أن يتجاهلها.
لم تبعد وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني من الحقيقة في رثاء سيزا حين وصفتها بأنها "أحد أبرز المتخصصين في الأدب المقارن" و"أكاديمية متفردة أخلصت لعلمها فكانت نموذجًا يحتذى طوال سنوات من العطاء". لكن في ظني أن عبقرية سيزا قاسم لم تكن في كونها كاتبة ـ وهي مقلة عمومًا ـ بل في أنها عاشت قارئة عظيمة، هضمت ووعت آلاف الكتب وأمهاتها بالعربية والفرنسية والإنكليزية، وأتقنت الأدوات والمناهج التي تحلل بها تلك الكتب وتعرض لنا خلاصاتها.
بمعنى آخر، ما وعته سيزا كان هائلًا وفريدًا، لكن ما تركته مطبوعًا، كان "قليلًا". لكنه القليل المؤثر عظيم الأثر.
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض