"اجتمع فيها ما ليس في مدينة من بلدان الدنيا. واتتْها التجاراتُ وأهلُ الصناعاتِ من كل صقعٍ حتى تكامل بها كلُّ متجر، وسيقت إليها خيراتُ الأرض وجُمعت فيها ذخائرُ الدنيا، وتكاملت فيها بركاتُ العالم، وذلك ببركة الأمام إدريس رضي الله عنه وبركة دعائه لأهلها"
من "زهرة الآس" لعلي الجزنائي.
كيف يمكن أن تكتب عن مدينة إذا كنت ابنها وترعرعتَ في أحضانها ولعبت في أزقتها، ومعالُمها كلُّها هي أطرافُ جسدك وشرايينُ دمك، وكيف تعلّمت وبدأت تمشي، وفي الليل حلمت وطار عقلك في عيون وحسن الصبايا؟ كيف يمكن لأيّ كائن أن يكتب عن مدينته؟ هذا التحدّي واجهه عديد كتابٍ، إما مباشرة فجعلوه جزءًا من مادةِ ومحكيِّ سِيرهم الذاتية، وهو الغالب، وإما خصّوه بتأليفٍ منفرد مثاله "سيرة مدينة" (1994) كتبها عبد الرحمان منيف (1933ـ2004) عن عمان الأربعينات، صوّر فيها المدينة عمرانًا ومجتمعاً وأوضاع الناس من نواحٍ شتى أعادته إلى بدايات نشأته وتفتّح وعي فكري سياسي شامل. وكُتبت عن القاهرة سيرٌ غنية من مصريين وأجانب آخرها " القاهرة مؤرّخة"(دار العين، 2023). وتُعدُّ باريس أكثر مدينة حظيت بأنطولوجيات وتآليف من أبنائها والوافدين إليها والأجانب.
مراكش، بعد القاهرة وبيروت، من شغف الكتّاب الأجانب بها وتخصيصهم سِيَرًا اندماجية لهم بها، أشهرها "أصوات مراكش" (1968) كتبه إلياس كانيتي (1905ـ1994) وخوان غاوتي سولو (1931ـ2017) في روايته "مقبرة" (1980)، وجميع أعماله بعدها مستوحاة من مراكش حيث عاش. تبقى فاس وحدها تنافس مراكش في التاريخ والمعالم والأعلام والمجد والسياحة، فهي أعرق منها، تأسست سنة 182ه 789م على يد إدريس الثاني ابن ادريس الأول مؤسس الدولة الإدريسية، ومنذ هذا التاريخ وهي عاصمة الدول والأسر التي حكمت المغرب خصوصًا الموحّدية والمرينيين، وصولاً إلى الدولة العلوية الحالية التي تأسست سنة 1649 امتدت عاصمة لها إلى سنة 1912 حين قرّر الفرنسيون مع بداية مدّ سلطة الحماية نقلَ العاصمة إلى مدينة الرباط، لتبقى فاس منفردةً باسم العاصمة العلمية، ولهذه التسمية تاريخٌ وأمجاد.
كيف يمكن الكتابة عن مدينة احتفلت سنة 2008 بـ 1200 سنة على ميلادها وتأسست فيها أقدم جامعة في العالم (جامعة القرويين) سنة 859 وقصدها ودرس فيها وعلّم كبار شيوخ وعلماء العرب والمسلمين والأجانب، أيضاً، ابن خلدون، وابن ميمون، ولسان الدين ابن الخطيب، والحسن الوزان/ ليون الإفريقي، وآخر علاّمة وزعيم قاد الحركة الوطنية المغربية علال الفاسي إليه يُنسب حزب الاستقلال؛ مدينة تزخر بالفنون أشكالاً والصنائع ألوانًا، وهندسة المعمار وأفاويه الطعام وأناقة الحضارة طُرُزًا وطرائفَ؛ يزيدها جمال وملاحة النساء والرجال افتتاناً؟ هذه الأسئلة ـ التحدّيات وأكبر منها واجهها الأديب الصحافي نزار الفراوي، وقد صحّ عزمه على اقتحام قلعة مدينة فاس التي كانت محاطةً بالأسوار وجزء منها باقٍ إلى اليوم. ولد في بلدة قريبة منها، وزارها وهو طفل في فسحات يوم الجمعة برفقة والده، الذي سينتقل إليها وظيفيًّا، فيجد الولدُ نفسه يتحوّل بالتدريج من أبنائها ويُنشئ معها علاقاتٍ وحوارات يُبقيها مكتومةً في داخله، ثم يغادرها ليُكمل دراسته العليا خارجها، ويعيدُه مسارُه المهني إليها قدرًا جميلًا مبتغى. ولأنّ لها دينًا على عاتقه قرّر أن يرُدّه بنُبل وامتنان في كتابه البديع " فاس: ذاكرة الروح وأنفاس المكان" (منشورات سليكي، 2023).

أبواب المدينة
لفاس أربعة عشر بابًا، أشهرها اثنان: باب الفتوح، وباب أبي الجنود، يضيف إليها العفراوي باب الوجدان. ذلك أنّه وضع كتابه في الأصل مُنجّمًا يعزف في كل مرّة على وتر ليؤلّف السمفونية الفاسية ألهمتها إيّاه ذاكرتُه التي جمعت حيث ترعرع وعاش زمنًا فتيًّا صورًا ومشاهدَ وتعلّم وتفاعل وتأثّر وما كمن، فقام باستدعائها ليعيد رسم خريطة مدينة بقدر ما إنّ معالمها بارزة للعيان على مرّ الزمن تشهد على ماضٍ تليد، فلها أعمدة راسخةٌ في الروح، وهي عالم عميق الغور. جاء عنها في القرآن الكريم" يسألونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلاً قليلًا" (الإسراء 85).
لذلك يتلمس الكاتب طريقها بحذر وهو يلمّ بقايا ما تعلّق بها ورسَب في الذاكرة شظايا وانطباعاتٍ ومكاشفاتٍ ومعلوماتٍ يتفاوت التعبير على مستويات حسب ما يخبر به ويرصُد، بقدر ما تتعدّد المدينة، هي ثلاث: فاس العتيقة، هي الأولى الأصل، وفاس الجديدة التي بناها أبو يوسف يعقوب المنصور على عهد الدولة المرينية سنة 1276، والثالثة فاس الحديثة بناها المستعمر الفرنسي وتُسمّى" دار دبيبغ".
لكلّ واحدة من هذه المدن سكانٌ وعملٌ وأسلوبُ عيش، والأعرقُ، الأجدر، بالطبع، هي فاس العتيقة التي كان من أوائل سكانها الأندلسيون الفارّون من الأندلس بعد تفكّك ممالك الطوائف وبداية محاكم التفتيش، جلبوا معهم حسَّ الحضارة ورقةَ الطبع في أرض ذي نهر اسمه وادي الجواهر على سفح جبل زلاغ، ونبتت زهرة يانعة وسط خشونة البداوة فصحّ وصفه لها: "فاس العتيقة رحاب خاصة لفنانين توارثوا السرّ وحاوروا لغاتِ العصور بعبقرية التوازن بين الأثر الخالد واللمسة المجددة"(18).

ذلك أنّ فاس ياقوتة من فسيفساء الأندلس الضائعة، يجمعها نزار العفراوي في سبحة كلّ حبة فيها تكوين لمدينة يعشقها فهي نغمة أندلسية: "تتراقص في فضاءات فاس ويوميات أهلها (...) تمارس نزهتها اليومية بين ورشات الصناع وأفنية البيوت" (24) دُوِّنت نوتاتها في القرن 18 وقعّد أسلوبها الموسيقي الفيلسوف ابن باجة على العهد المرابطي، بإيقاعات وجو متعلّم محافظ. وفاس ملاذ العلماء والخاسرين في لعبة السلطة، أيضًا.
لجأ إليها لسان الدين ابن الخطيب الفقيه العالم هربًا من كيد الكائدين في سُدّة بني الأحمر، فلاحقوه إلى فاس واتهموه بالزندقة وقتلوه وحرقوه ودُفن كما روي في المكان المسمّى اليوم "باب محروق" معلمة.
إلى رحاب بني مرين حضر المؤرخ ابن خلدون قادمًا بدوره من الأندلس، هكذا تجمع فاس المرينية عبقريين، رحل عنها غير راضٍ إلى مصر وفيها مات.
وبما أنّ فاس تتسمّى كذلك (عاصمة روحية) فهي عند الكاتب "لا تكشف سرّها إلاّ لعتاة السائرين في طريقها الوعرة، السالكين شعابها المفخخة باختبارات الحزم الإيماني والمكابدة الوجودية والتورط الكلّي في طلب الحقيقة الإلهية الوصال المتعالي "(42) و"هي فاس القرويين بمنزلتها كحاضنة للعلوم الدينية والزمنية (...) فاس المدارس والجوامع والزوايا (...)" فاس إحداثيات المعمار الأندلسي ومتاهات الدروب حيث يتعايش النور والديجور.
هذه الحاضرة الإدريسية قصدها الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي (1165ـ1240) جاء يقتفي خُطى شيخه أبي مديَن حلّ بالمدينة وهي محفلها الصوفي في القرن الثاني عشر، وهنا كُتب الفصلُ الأجلّ من المغامرة الروحية لابن عربي.

أسواق فاس
...ثم انّ فاس، قبل هذا وذاك، أصواتٌ وألوانٌ وعطور. في أسواق حرفييها يتجلّى بهاؤها. في الصّفّارين، تسمع الطرقَ، أولاً، على الصّواني قبل أن تقف على رأس المعلم وصبيانه وهم ينقشون رسومًا وأشكالًا مبهرةً من وحي صنعة متوارثة من قرون، بالطّرْق على النحاس والفضة. تتركهم وتُطلّ من سطيحة ترى صهاريج الدّباّغين في "دار الدّْبَغ"، فإذا هي وشاح بألوان الأرض وما لم يتخيّله دولاكروا ولا شاغال.
وفي سوق العطّارين تغزوك روائح الدنيا بكل ما عبقت من شذى ونكهات، وستجعلك رفقة العفراوي تسمع الأصوات برنينها ولثغاتها بين عُلوٍّ وخفوت من الباعة والحمّالين يفتحون ممرًّا لدوابهم في دروب ثعبانية، وكذلك هن نسوة يتحاورن فوق السطوح، وحذار يحطّ بصرك على عيني فاسية، فإنّك لا محالة هالك.
أدرك نزار العفرواي أنّ المدينة تولد وتتجدّد بأقلام الكتّاب، وقلمه يغمس في دواة تاريخها ليكتبها هو أيضًا، سبقه إليها كتابٌ أبناؤها وآخرون حلُّوا بها، فيزور نصوصهم كمن يتبرّك بزوايا الصالحين. وإن لفاسَ فعلًا حظوة في الأدب المغربي أنجبت من رواده لأحمد بناني ومحمد الفاسي وعبد الكريم غلاب وعبد المجيد بن جلون ومحمد السرغيني من جيل الرواد، ومن المحدثين والمعاصرين كثير يخصّهم المؤلف بفصل بعنوان: "فاس الرواية" أغوت: "نخبة واسعة من كتّاب السرد في المغرب، بحياكة نصوصهم عن الذات والناس والوجود "(51) يذكر من بينهم الطاهر بن جلون في روايته "حرودة" (1973) ومحمد برادة يستعيد طفولته الفاسية في روايته "لعبة النسيان" (1987) و"زهرة الآس" (2003) لمحمد عز الدين التازي.
وليكتمل الاحتفاء بالمكان يقف المؤلف على معالم حيّة من فاس المدينة الحديثة، مشخصةً في مقاهٍ وأمكنة مُشبَعة بالذكريات، مثل مقهيَي زنزبار والنهضة وسينما بوجلود، وشخصيات بها تعُرف المدينة مثل المسرحي المرحوم محمد الكغاط. وأخيرًا، يصعد إلى أعاليها في الجبل المسمّى "ظهر المهراز" حيث اليوم جامعة محمد بن عبد الله، والذي شهد منذ 1965 نشأة أرض الحبّ والإيديولوجيا، هنا تأسست فاسُ أخرى ورثت الحاضرة البورجوازية والتقليدية وتفجّرت فيها ينابيع الحركات اليسارية وانبثقت الطليعة الأدبية المغربية، وبشائر غد.
كتاب نزار العفراوي هو اليوم قلادةٌ أخرى على صدر فاس الفاتن، كم هلكت من عاشق وستهلك.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض