حراك ثقافي دؤوب في المشهد السعودي خلال عام 2023، بات ملحوظاً من خلال المهرجانات الثقافية والفعاليات التي ازدادت وتيرتها خلال الأشهر الأخيرة، تحقيقاً للأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة السعودية، التي وضعت الثقافة نمط حياة، وهدفاً من أجل النمو الاقتصادي وتعزيز مكانة المملكة الدولية.
ففي عام الشعر العربي، كما سمته وزارة الثقافة، شهد الوسط الثقافي السعودي تنافساً بين الهيئات الثقافية الـ 11 التابعة للوزارة لتقديم فعاليات ومهرجانات ومعارض للكتاب طوال العام، إلى جانب ما يقدمه المثقفون من أعمال وإصدارات وجهود، جعلت هذا العام استثنائياً بكل المقاييس.
4 معارض وخامس متنقل
المتتبع لفعاليات الوسط الثقافي السعودي، يلحظ تواجد عدد كبير من معارض الكتاب في المملكة، مقارنة بغيرها من الدول العربية، التي تقيم معرضاً دولياً واحداً للكتاب، باستثناء دولة الإمارات، التي تحمل الفكرة السعودية ذاتها، من خلال نشر الثقافة والارتقاء بجودة الحياة، وإقامة عدد من المعارض في المدن الرئيسة.
خلال العام 2023، نظمت هيئة الأدب والنشر والترجمة 4 معارض للكتاب، بدءاً من المدينة المنورة، المنطقة الشرقية، وصولاً إلى الرياض وجدة، فيما صرّح الرئيس التنفيذي للهيئة في معرض الرياض الدولي للكتاب أن معرضاً خامساً متنقلاً سيقام خلال العام المقبل، فيما سيكون معرض الشرقية للكتاب أولى معارض الكتاب للعام 2024.
وتحمل هذه المعارض تنوعاً في برامجها الثقافية، فهي لا تقدم الكتب وآخر الإصدارات فحسب؛ وإنما يحتضن كل معرض برنامجاً ثقافياً، يضم ندوات وجلسات جوارية، وأمسيات شعرية، وعروضاً مسرحية، وورش عمل في شتى ميادين المعرفة، وفنوناً أدائية، وحفلات موسيقية وغنائية، وعرضاً مخطوطات ومقتنيات تراثية وأثرية نادرة.
وكان معرض الرياض الدولي الكتاب، الأبرز بين هذه المعارض، قد شهد مشاركة أكثر من 1800 دار نشر، وذلك في حرم جامعة الملك سعود، المهد الذي انطلق منه المعرض للمرة الأولى قبل نحو خمسة عقود، وحلت فيه سلطنة عُمان ضيف شرف، في إطار الروابط التاريخية والعلاقات الأخوية المتينة التي تربط بين الشعبين الشقيقين، وتعكس التبادل والتعاون الثقافي بين المملكة وسلطنة عُمان، حيث تتضمن مشاركتها بجناح في قلب المعرض يحتضن كُتباً ومخطوطات، وتمثيلاً لمكنونات ثقافتها الوطنية، إضافة إلى حضور عدد من رموز الثقافة العمانية، ومشاركة المواهب والمبدعين العُمانيين، وحضور دُوْرِ نشرٍ عُمانية تستعرض آخر الإصدارات والعناوين لأكثر من مليون زائر للمعرض.
وفي المعرض ذاته، نظمت الهيئة "مؤتمر الناشرين الدولي، الذي بحث مستقبل نمو صناعة الكتاب، والتحديات التي تواجه سوق النشر، بالتعاون مع جمعية النشر السعودية وسط مشاركة نخبة من المتحدثين المحليين والدوليين، من قادة صناعة النشر، والناشرين الأفراد، والمؤلفين، وصنَاع المحتوى، والمتخصصين.
عام مسرحي
هيئة المسرح والفنون الأدائية كانت إحدى أهم الهيئات التي شهدت عدداً من الفعاليات المسرحية والأدائية، مثل مهرجان قمم الدولي للفنون الأدائية الجبلية بداية العام، وكذلك العروض الأرجنتينية، وختاماً بمهرجان الرياض للمسرح، فيما يبدأ ها العام بمهرجان أندية الهواة المسرحي.
ففي مهرجان "قمم"، حضرت الفنون الأدائية في سبعة مواقع بمنطقة عسير، وشارك فيه 16 فرقة سعودية و 14 فرقة دولية تقدم حوالي 32 لوناً ادائياً جبلياً من داخل المملكة وعدد من دول العالم، كما صدحت فيه الفنانة نجوى كرم والفنان خالد عبدالرحمن، في أول مهرجان عالمي متخصص في الفنون الأدائية الجبلية، أما العروض الأرجنتينية فكانت تسعة، استعرضت الفنون الأدائية المتنوعة القادمة من أميركا اللاتينية، ورفع مستوى الوعي الثقافي بالمسارح والفنون الأدائية، وإثراء المحتوى الثقافي عبر استقطاب العروض الأدائية من مختلف دول العالم.
فيما شهد مهرجان الرياض للمسرح في نسخته الأولى مشاركة مسرحيين سعوديين وعرب، وعمل المهرجان الذي اختتم قبل نحو أسبوعين في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، على تنشيط وتفعيل الحراك المسرحي السعودي عبر حزمة من العروض المسرحية السعودية لدعم الإنتاج المحلي للمسرح، حيث كانت دولة تونس ضيف الشرف.
واحتفى المهرجان بعد انطلاقته برائد المسرح السعودي محمد العثيم نظير إسهاماته المسرحية الرائدة، من خلال عرض مسرحية من تأليفه وأغانٍ قدمتها أروى السعودية، وإقامة معرض فني خاص بمسيرته الفنية، مكون من مجموعة من مؤلفات وأشعار صوتية ومكتوبة إلى جانب الدروع والشهادات التكريمية التي حصل عليها أثناء مسيرته وفيلم وثائقي يحكي سيرته الخالدة في المسرح.
الثقافة السعودية خارج الحدود
لم تكن الثقافة السعودية حصراً على المواطن والمقيم على أرض المملكة، وإنما طرقت أبواباً جديدة خارج الحدود، لتعريف شعوب العالم على الثقافة والفنون والتراث السعودي.
وشهد العام مشاركة المملكة ضيف شرف في معرض الدوحة الدولي للكتاب، وكذلك تواجداً واسعاً في مهرجان "جرش" بالأردن، إلى جانب الليلة الأهم، الحفل الذي نظمته هيئة الموسيقى "روائع الأوركسترا السعودية في نيويورك".
الحفل الذي أحياه 80 موسيقياً من فرقة الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، جاء لنثر الإبداع السعودي في الخارج، في ثالث وجهة دولية، بعد باريس، ومكسيكو سيتي بالمكسيك، لتعريف المجتمع العالمي بروائع الموسيقى والفنون الأدائية السعودية، تعزيزاً للتبادل الثقافي الدولي الذي يعد أحد الأهداف الاستراتيجية التي تسعى وزارة الثقافة لتحقيقها تحت مظلة رؤية السعودية 2030.
كما حضرت الموسيقى في الداخل، من خلال حفلات موسيقية وغنائية، ومهرجانات متخصصة، منها مهرجان الغناء بالفصحى بمشاركة نخبة الفنانين السعوديين والعرب، من نجوم الصف الأول، وكذلك مهرجان الأوبرا الدولي، الحدث السنوي الدولي الذي يحتفي بالأوبرا كشكل فني مهم، لإثراء الثقافة المحلية والتعرف على الثقافات العالمية.
الطهي بنكهة ثقافية
الطهي مكون رئيسي في الثقافة، خصصت له هيئة فنون الطهي مهرجاناً، حمل اسم مهرجان "الوليمة" للطعام السعودي، امتد لـ 17 يوماً في حرم جامعة الملك سعود بالرياض، وسط حضور أكثر من 140 ألف زائر من مختلف الجنسيات؛ للتعرف على تراث المملكة الغني بالوصفات الغذائية المختلفة والأصيلة، وذلك في فعاليةٍ تعد الأضخمَ من نوعها على مستوى الشرق الأوسط، حيث سعت من خلالها الهيئة إلى التعريف بالطعام السعودي محلياً، وإقليمياً، ودولياً، وتقديم المملكة بوصفِها وجهةً عالميةً لعشاق الطهي وتذوق الأطعمة.
وخصصت هيئة فنون الطهي 13 منطقة تحتضن تراثَ الطهي وتنوُّعاتِه الثرية، إلى جانب عشرات المطاعم، والأركان، وعربات الطعام، مع إتاحة الفرصة لعرض مشروعات ريادة الأعمال، والمنشآت الصغيرة، والمتوسطة، وشهد المهرجان إقامة أكثر من 130 فعالية متنوعة، تتضمن 30 ورشة طهي عبر ثلاث محطات مختلفة تشمل: المخبوزات، والطهي العام، وتحضير المشروبات، التي جُهزت جميعُها بكافة أدوات الطهي والمواد اللازمة، بالإضافة إلى 26 عرضاً أدائياً وحِرفياً تُمثّل مناطق المملكة الـ 13، وتُعبّر عن التنوع الثقافي الهائل الذي يميز الطابع الثقافي للمملكة.
وحَظِيَ المطبخ الوطني والطهاة السعوديون باهتمامات زوار المهرجان؛ حيث عرّفوا الزوار بالأكلات والأطباق التراثية بوصفِها منتجاتٍ ثقافيةً متميزة وضاربة في جذور التاريخ، وما زالت محافظةً على أصالتها، فضلًا عن تجهيز منطقة الدولة المشارِكة اليونان، التي تستعرض من خلالها ثقافتَها في مجال الطهي، وأطباقَها التقليدية، وعروضَها الأدائية التي تمثل التراث والثقافة اليونانية.
دعم قوي للأفلام
تحتل الأفلام جانباً مهماً من الفعاليات الثقافية السعودية، وأقيمت العام الماضي مجموعة مهمة من الفعاليات، مثل ملتقى النقد السينمائي، ومنتدى الأفلام السعودي، ومهرجان أفلام السعودية، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي.
وكان نائب وزير الثقافة حامد بن محمد فايز قد أكد في فعاليات النسخة الأولى من منتدى الأفلام السعودي أن وزارة الثقافة وهيئة الأفلام تسعيان 2030 إلى بِناء مستقبل مشرق لصناعة الأفلام والفنون.
ووسط حضور نخبة من صانعي الأفلام العرب والعالميين، وعدد من المخرجين والممثلين الوطنيين والإقليميين والعالميين وخبراء الصناعة في المملكة، ناقش المنتدى أحدث الموضوعات والتقنيات التي تدعم صناعة الأفلام وعملياتها، إلى جانب تنظيم ورش العمل، وجلسات التدريب، والعروض المكثفة للمنتجات السينمائية، والمشاريع، والابتكارات المتعلقة بصناعة الأفلام في المملكة والعالم.
وفي مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي حاز على شهرة عربية واسعة، منحت جائزة اليُسر الفخرية الذهبية لممثل هوليود الأيقوني الحائز على جائزة الأوسكار نيكولاس كيج، وذلك تقديراً لمواهبه الاستثنائية ومساهمته في صناعة السينما؛ حيث تَسلّم الجائزة أيضاً في حفل افتتاح المهرجان كل من الفنان الكبير عبد الله السدحان، والممثلة الرائعة ديان كروغر وممثل بوليوود الموهوب رانفير سينغ.
وتعد جوائز اليُسر من أكبر الجوائز في المنطقة التي تُمنح للأصوات الصاعدة والراسخة في فروع الأفلام الروائية والوثائقية وأفلام التحريك. وتُقدم لأصحاب المواهب من السعودية والعالم العربي وآسيا وأفريقيا، على مرأى مجتمع السينما الدولي الذي يضم أفضل المواهب العالمية في مجال الأفلام، مما يضعهم على خريطة السينما العالمية، وحدد المهرجان 14 فئة للفائزين، حيث تضمنت المنافسة 17 فيلماً طويلاً، و23 فيلماً قصيراً.
نخبة الفلاسفة في الرياض
ونظمت هيئة الأدب والنشر والترجمة "مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة"، في الفترة من 7 إلى 9 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، تحت عنوان "القيم العابرة للثقافات والتحديات الأخلاقية في العصر التواصلي"، بمشاركة واسعة من المختصين في الفلسفة ونظرياتها، والمهتمين بتطبيقاتها الحديثة من جميع أنحاء العالم.
واجتمع في الرياض على مدى 3 أيام نخبة من الفلاسفة والعلماء؛ لخوض تجربة تساؤلية جديدة حول القيم الإنسانية التي تتعرض لأكثر فترات الاختبار والتحدي لثباتها وتحولاتها، والانخراط في جولة فلسفية وفكرية ومعرفية هي الثالثة منذ انطلاق منصة الرياض الدولية للفلسفة، التي تشهد أروقتها وجلساتها في كل دورة إطلاق أفق جديد وغير نهائي لاستكشاف المحاور والموضوعات التي يتناولها المؤتمر، واستكمال المصائر البشرية والقيم الأخلاقية والمعايير العلمية في إطارها.
افتتاح القناة الثقافية
لمواكبة ما تعيشه المملكة من نهضة ثقافية، دشن الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة، القناة الثقافية، التي تشغلها مجموعة MBC، وتستهدف النخب المثقفة والجمهور العام بأسلوب عصري وحيوي، من حيث المضمون والمحتوى والرسائل الثقافية التي ستعكس نظرة المتلقي السعودي وفخره بعراقة تراثه وتاريخه الحضاري والثقافي، وترسخ من تواجد المحتوى السعودي في منظومة الإبداع العالمية.
وكان الأمير بدر قد علق على تدشين القناة بأنها "منصة لثقافتنا، وتراثنا، وأدبنا، تعرض فنونا بصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وأفلاما، وكتبا، ومسرحًا، وفنونًا أدائية، وموسيقى، وعمارة وتصميماً".
زخم للشعر العربي
عام الشعر العربي شهد حضوراً وزخماً واسعاً للشعر والشعراء، ومن هذه الفعاليات المعنية بالشعر مهرجان امرؤ القيس الذي أقيم في محافظة الدرعية بالرياض، واستلهم الروح الأدبية للشاعر، وقدم فعاليات مستوحاةً من حياته وترمز إلى عصره، مع تقديم عروض بصرية مخصصة للتوثيق البصري، تركز على الشعراء وأشعارهم والمحيط الذي عاشوا فيه عبر مواد مرئية وتفاعلية، وأعمال فنية مرتبطة بالمعلقات السبع، وأشكال مختلفة للتعبير والإبداع.
وفي الأحساء، أقامت وزارة الثقافة مهرجان "طَرْفَة بن العبد"، في شهر نوفمبر الماضي، مستوحياً حياة الشاعر في عصره، ومعرفاً بحياته، وشخصيته، وسيرته الشعرية، وأعماله التي خلدتها ذاكرة الشعر العربي. وشهد إقامة 4 ندوات علمية حول حياة الشاعر، و5 أمسيات شعرية، ومسرحية تتناول سيرة الشاعر وشعره، وتراعي الجو العام لطبيعة الحياة في عصر ما قبل الإسلام، والأزياء، وعنصري اللغة والدراما، وآليات الاستثمار الثقافي والإبداعي في الشعر العربي القديم وشعراء جزيرة العرب.
ويبدو أن وزارة الثقافة وهيئاتها التابعة ستتابع هذا الزخم الكبير الذي تبثه في المشهد الثقافي السعودي، حيث ينطلق خلال أيام مهرجان الكتاب والقراء في منطقة عسير خلال الفترة من 4 – 10 كانون الثاني (يناير)، إلى جانب إقامة نسخة جديدة من مهرجان قمم الدولي للفنون الأدائية الجبلية، بمشاركة فرق جديدة من دول العالم، لتؤكد على حضور المكون الثقافي السعودي في كافة المحافل وفي مختلف المجالات.