14-12-2023 | 00:04

ذاكرة المكان في الرواية الفلسطينية... الملاذ الأخير

تعرّض الفلسطينيون إلى أنواع مختلفة من الظلم منذ النكبة الأليمة باغتصاب أرضهم لإقامة دولة لليهود، أدّت إلى تشريد شعب بأكمله وإخراجه من دياره وبداية تغريبة جديدة مروّعة في التاريخ العربي والبشري، عامة. ​
ذاكرة المكان في الرواية الفلسطينية... الملاذ الأخير
Smaller Bigger
                                                                                      
تعرّض الفلسطينيون إلى أنواع مختلفة من الظلم منذ النكبة الأليمة باغتصاب أرضهم لإقامة دولة لليهود، أدّت إلى تشريد شعب بأكمله وإخراجه من دياره وبداية تغريبة جديدة مروّعة في التاريخ العربي والبشري، عامة. 
 
كان من الطبيعي أن تصدر عن هذا الشعب ردود فعل على هذا العدوان والمصير المأساوي، اتخذت في كل مرحلة الشكل والطريقة المناسبتين الممكنتين، ومنها ما هو متأصّل فيه باعتباره شعبًا متعلّمًا وتربة خصبة للمواهب والإبداع، كما يشهد على ذلك تاريخ عريق شوّهته الحركة الصهيونية ومنذ الاحتلال وهي تمحو معالمه. 
 
لا جرم مثل الأدب أنصع التعبيرات وأقوى الأدوات التي تصدّى بها الفلسطينيون للمحتل، وذلك على ثلاثة مستويات: نقض سرديته الزائفة؛ الحفاظ على الذاكرة الوطنية بتجميع مكوناتها وإعادة تشخيص علاماتها ورموزها مادية ورمزية وروحية. 
ثالثاً، التعبير الأدبي الصِّرف للكاتب، هنا حيث للذات بوحُها وقولُها نثرًا وشعرًا للجرح الشخصي، فالأدب لسان ذات، أولاً. 
 
هي مستوياتٌ متقاطعةٌ ومتفاعلةٌ بينها بحسب قدرة الفهم ودرجة الإحساس وموهبة كل مبدع. بحكم المصير المأساوي، لم يكن لهذا الأدب حريةُ تعدّدٍ في اختيار مواضيعه وترفُ القول المفتوح باختيارات، كما هي الآداب التي تبدعها الأقلام في الأوطان القائمة. والوطن مكان قارٌّ تنهض فوقه بنايات القول والوصف وتتنفس شحنات العواطف وتصنع الأساليب على هواها. لا عجب أن تكون التيمة الأساس للأدب الفلسطيني وتستمر منذ النكبة (1948) إلى الزمن الحاضر الكالح، هي الانشدادُ إلى جاذبية استعادة الأرض المغتصبة والتشبّث بهوية من داخلها.
من حيث إنّه تعبير منسجم مع مصدره وظرفه وسياقه وتيمته ودواعيه، ابن واقع حقيقي، فالأدب دائمًا بنسب هو تعبير عن الواقع وإن تذوَّت وتَخيّل، بحكم أنّه قول صادق بقدر ما تستطيع اللغة والصور والأساليب نقلَ الصدق والحفاوة بمشاعره، وهي هنا جريحةٌ، غالبًا؛ من هنا ظُلِم هذا الأدب حين أُلصقت به صفاتٌ وخضع لمعاييرَ وتصنيفٍ لا ـ أدبي بناءً على مقاييس من خارج بيئته وظرفه، على غرار الإنتاجات في البيئات المستقرّة ذات الدولة الوطنية القائمة.
 
حصل إجماع نقديّ عربي أنّه أدب مقاومة وترسّم التصنيفُ مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وبروز تراكم كمّي وتميُّز نوعي لما يكتبه الفلسطينيون نساءً ورجالًا، في داخل الأرض المحتلة والمنافي منبتُه ورائحتُه وألوانهُ، مضمونه وأغراضه وطنُهم المغتصب. إن نحن فرزنا الزوج (أدب/ مقاومة) وفكّكنا طرفيه نجده يُحيل إلى نوعين، إلى الأدب وهو فن، وإلى المقاومة وهي فعل، غرض، قضية. لا شك أنّ الأدب يُبنى على أغراض ويتضمّن قضايا لكنه لا يُعرّف بها ولكن أولًا بأبنيته وطرائقه الفنية، ثم يتبَع المضمون، وإن بتفاوت، حسب المدارس والتيارات. 
أمّا أن يقترن مباشرة بالغرض والقضية فإنّه يُحبس في إطار ويُنظر إليه في حدوده، كقولنا (أدب السّجون) و(أدب الحرب)، بمعنى أنّه يوضع على الهامش، وأسوأ من تصنيفه هامشيًّا بتلقّيه ودرسه بتعاطفٍ وبنوعٍ من الشفقة، انتفض ضدّها محمود درويش فأطلق صرخته الجارحة: "أنقذونا من هذا الحب القاسي!"، ودفعته يجدّد في شعره أقوى وأسمى.
 
والآن، أقول إنّ الأدب الذي كتبه أبناء فلسطين في الداخل والخارج منذ النكبة هو أدب استثنائي، أعني أنّه حاز على خصلتين أساسيتين كبيرتين للآداب المعترف بها الممثلة لوجدان وواقع الإنسان، هما: أولهما، أنّه وبالرغم من الأوضاع المعوِّقة التي ولد فيها واستمر ينتج بينها يندرج ضمن أنضج وأبدع التجارب والمشاريع الأدبية العربية شعرًا ورواية وقصة قصيرة. 
 
إنني لا أحب أحكام القيمة ولا أقوّم مدفوعًا بالحماس، لي في خريطة هذه التجارب، ما يسند رأيي بأكثر من مثال وبرهان. ثاني الخصلتين امتلاكه للخصوصية وامتلاؤه بها مادةً ووعيًا وشعورًا. أعني بالخصوصية، ما يستطيع أدب ما أن يتشبع به ويعبّر عنه بروح أمته وينابيعها وثقافتها ومخيالها، ويكون بذا مقنعًا بها، وفي الوقت مميّزًا قياسًا بغيره وتميّزه. هذا إضافة بحدّ ذاته.
 
هنا أستعير من الناقد فيصل دراج توصيفًا وجيهًا للأدب الفلسطيني بأنّه أدب ملتزم بمعنيين: بالقضية، وبأدبية الأدب، أي تجديده من داخله. خير مثال اقرأه في روايات إلياس فركوح (1948ـ2020) "أرض اليمبوس"(2008) القدس فيها مكان ورمز، ثم أقرأه نصًا حرًا في قصص زياد خداش "أسباب رائعة للبكاء" (2015) وشيخة حليوي في "سيدات العتمة" (2015).
 
الخاصية بالأحرى المكوّن الثاني الأساس ما يهتم به هذا المقال، وأراه ممثلًّا في الزوج "ذاكرة المكان"، يمكن تفكيك هذا الزوج واللعب به ليخضع لأكثر من فهم ومقاربة ومنهج تحليل، ليس مجالُه. 
 
 
 
لذا، أقتصر في طرحه على مستويَيْ الوصف والشرح يكفيان لتجسيد الخصوصية، أعتمد لهذا متن الرواية وحدها وهو كبير، غنيٌّ ومتنوع حسب الأجيال وفيه عديد رؤى واختياراتٍ أشكالاً ومضامين، لكنها كلها على وجه الإجمال تنبني على محورَي: الذاكرة والمكان. 
 
نعم، نعرف أنّ الرواية سجلٌ مهمٌ للتاريخ الفردي والاجتماعي والإنساني ،عامة، هذا ضرورة جنسها الأدبي. أما الروائي الفلسطيني، ذكرًا وأنثى، فقد جعل الرواية بأكملها أماكنَ وفضاءاتٍ وأحداثًا ومشاعرَ وأخيلة وبشرًا قبل كل شيء توجد وتعمل وتؤثر وتتوالد وتتناسخ وتحيا وتموت في أوضاعها المختلفة وبأفعالها وعلاقاتها ومعظم ما يشكّل كينونتها الموضوعية وكيانها الفردي، هذا موظفٌ كله لخدمة بناء الذاكرة الوطنية بإعادة تأسيسها وتجذيرها ونفخ الروح فيها في السرد الروائي. قلت، سابقًا، لنقض سردية المحو والتزوير الإسرائيلية للتاريخ الفلسطيني بدءًا من أكذوبة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وامتدادًا لمسلسلات المسخ والسرقة والاجتثاث، وأضيف لتجذير جسد ووجدان الفلسطيني بتراثه وثقافته وهويته الأصلية، فلا يذهب بها هذا العصف وقد طُردت من التراب ولم يبق لها عنوان، إذا اجتُثّت منهما فهي لا تنقطع عن تاريخها. تبدو هذه مفارقة، لكن مادة الكاتب الفلسطيني وهي خامّ تصبح حيةً باشتغال الذاكرة، بنكبة وطنه واستمرارها، وهو يعي أن لا تاريخ بلا ذاكرة، فيسرد ما يؤكّد الأطروحة.
 
في روايته "نهرٌ يستحمّ في البحيرة"(1997) يركّز يحي يخلف على وصف معاناة المنكوبين وحياتهم في المخيمات في وضع مأساوي، هي صورة من بانوراما صيرورة تاريخ النكبة. كذلك عند ليانة بدر في روايتها" أرض السلحفاة" (2019) تجمع بين مسارين للفلسطيني بين المنفى والعودة (بعد اتفاقية أوسلو) أحاسيسه وبصره الحنينيّ لما فات والرّاصد لما وجد فوق أرضه.
 
 
 
 
إنّ الذاكرة محفلٌ والمكان جليسُها وعمرانُها ولسانُها؛ إنّه تاريخها وأيقونتها، باختصار اسمُها الآخر. ذاكرة الروائي الفلسطيني وسروده وحبكاته تشتغل بأداة ودينامية المكان ذهابًا وإيّابًا إلى الإنسان. مكان يتعدّد ويتنوع. هو حيِّزٌ له شخصية مستقلة.
 
أن يتجزّأ من خلال البيت الداخلي، في قطع الأثاث والمطبخ وطقوس الزوجية، هو بؤرة للحكي ويا ما للفلسطيني من حكايات صنيع رشاد أبو شاور في " سأرى بعينيك يا حبيبي" (2012) تحفل بأسماء العائلات والعشائر بدقّة، وتعدّد العادات والتقاليد هي روح وثقافة الأمكنة تُلحقها بشجرة أنساب، بتاريخ، تحسب أنك أمام رواية إتنوغرافية لشدّة حرص الكاتب على نحت البيئة والمعلومة الخَلْقية. 
 
قبلها عند أبو شاور"العشاق" (1977) هي أريحا المسمّاة في الرواية (مدينة القمر) يؤرّخ لها من الألف الثالث ق م وصولاً إلى النكبة فإلى عشية حرب 67 ثم يقدّمها شخصية كاملة: "بوّابة فلسطين، منها دخل الغزاة، ومنها خرجوا (...) إنّها مدينة الأساطير والواقع الشرس كشمسها". مدينة نابلس هي المكان الأثير لسحر خليفة النابلسية المولد، يكفي "باب الساحة" (1990) رمزها باب نابلس التاريخية إطارًا لأحداثٍ ومعيشٍ فلسطينيٍّ عقب الانتفاضة الأولى 1987. من المكان الحيّز والأثر النفسي إلى المكان الفضاء، وأفضل تمثيل له الرواية الرائدة لغسان كنفاني" رجال في الشمس" (1963) إدانة للاستسلام ودعوة للثورة بطرق خزان الجمود. 
 
 
هي عشرات الروايات إن لم أقل المتن الروائي الفلسطيني برُمّته خزانة للخريطة الجغرافية لفلسطين الوطن والمدن والأحياء والبيوت والأسماء، مدينة القدس وحدها مدونة سردية كبيرة منذ جبرا إبراهيم جبرا (1919ـ1994) إلى محمود شقير ونسب أديب حسين في " أسرار أبقتها القدس معي"(2017). 
 
فنخلص إلى أنّ الأديب الفلسطيني قاوم حقًّا وهو يصون ذاكرة الوطن من الزوال، ويخلّد أمكنته في الرواية، هي البدء عنده والملاذ الأخير في الحلّ والترحال، الوطن المحتل والشتات. كم من زائر يذهب إلى القاهرة فيبحث عن أماكن نجيب محفوظ حتى وقد زالت وتغيّرت أسماؤها (السّكرية، قصر الشوق، بين القصرين) قبل أن يزور الأهرام. 
 
اليوم، مثل أمس، حين يعتبر العدو الاحتلال الإسرائيلي أو يظن أنّه محا غزة من الوجود بعد ما ألحقه بها من دمار، وبعد أن بدّل أسماء المدن والحارات، صيّر عسقلان أشكلون، وتل الربيع تل أبيب، وحيفا جافا؛ ستطلع له كالجن ناتئةً متوهجةً تصرخ من كلمات شواهد القبور والدفن الجماعي موصوفة ومعلنة في الروايات القادمة أسماء: جباليا، بيت لاهيا، الشجاعية، تلّ الهوى، حيّ الرمال، خان يونس، عدا ما سرق من فرح دموع الأمهات وحلوى الأطفال وهنّ يحضنن فلذات الأكباد العائدين من سنوات الزنزانة الإسرائيلية، حبسُ فلسطين الأكبر. 
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.