13-12-2023 | 19:21

غزة... أرض التّاريخ والأبطال والأطفال

ليست لندن ولا باريس ولا نيويورك هي التي تصنع الحدث الآن.. بل منطقة صغيرة تشبه شريطًا على البحر المتوسط في الطريق القديم بين مصر وبلاد الشام. إنها "غزة" التي يتردد اسمها الآن على كل لسان. يتحدث عنها مشاهير "السوشيال ميديا" بكل لغات العالم.. وتكتب بين دمار بيوتها ومساجدها وكنائسها ومشافيها، فصول مؤلمة لأكبر مأساة في القرن الحادي والعشرين. المدينة العزلاء التي خاضت ثلاثة حروب في أقل من عشرين عامًا ضد أحد أقوى الجيوش في العالم. آلاف الحكايات الحزينة وآلاف الشهداء الأطفال ليس آخرهم الطفلة "روح الروح". لكن هل حقًا نعرف "غزة"؟ أحيانًا كثرة الحضور تُعمي عن الرؤية مثلما كثرة الكلام تُخفي الحقيقة. ​
غزة... أرض التّاريخ والأبطال والأطفال
Smaller Bigger
 
ليست لندن ولا باريس ولا نيويورك هي التي تصنع الحدث الآن.. بل منطقة صغيرة تشبه شريطًا على البحر المتوسط في الطريق القديم بين مصر وبلاد الشام. إنها "غزة" التي يتردد اسمها الآن على كل لسان. يتحدث عنها مشاهير "السوشيال ميديا" بكل لغات العالم.. وتكتب بين دمار بيوتها ومساجدها وكنائسها ومشافيها، فصول مؤلمة لأكبر مأساة في القرن الحادي والعشرين. المدينة العزلاء التي خاضت ثلاث حروب في أقل من عشرين عامًا ضد أحد أقوى الجيوش في العالم. آلاف الحكايات الحزينة وآلاف الشهداء الأطفال ليس آخرهم الطفلة "روح الروح". لكن هل حقًا نعرف "غزة"؟ أحيانًا كثرة الحضور تُعمي عن الرؤية مثلما كثرة الكلام تُخفي الحقيقة.
 
 
 
عبر آلاف السّنين 
كانت في بداياتها السحيقة تلًا مرتفعًا مشرفًا على البحر وأحاطها الكنعانيون بسور قبل ثلاثة آلاف عام، وتغير اسمها ما بين "رازا" عند اليونان، و"هازاتو" عند الفرس، و"غازاتو" عند المصريين حيث ذكرت في رسائل تل العمارنة، و"جاردس" عند الصليبيين.
تميزت بتنوع جغرافيتها ما بين البحر والبيئة الصحراوية والسهل الساحلي، مثلما تميز موقعها في الطريق السلطاني بين الشام ومصر وشبه جزيرة العرب. وبسبب فرادة موقعها خضعت دائمًا لكل الإمبراطوريات القديمة من المصريين إلى الفرس والإغريق والرومان، والبيزنطيين.
 
ولأنها تمثل نقطة التقاء مصر وبلاد الشام، كانت في معظم فترات تاريخها جزءًا من الإمبراطوية المصرية، سواء أيام الفراعنة، أو حتى في عصور الأيوبيين والمماليك حيث خرجت جيوشهم لهزيمة التتار منها، وصولًا إلى أسرة محمد علي، وحتى بعد النكبة ظلت مصر تديرها حتى النكسة.
قيل إن الإسكندر الأكبر جرح في كتفه وركبتيه أثناء حصارها عام 332 ق.م. ومما يروى أيضًا أن القافلة التي هاجمها المسلمون في غزوة بدر كانت قادمة من غزة. وقد أسماها العرب "غزة هاشم" تقديرًا لأن الجد الأكبر لنبي الإسلام هاشم بن عبد مناف توفي بها، ومنحها بركته، وقيل إنه تزوج امرأة غزية وأنجب منها ابنه شيبة. ويُقال إن النبي مر بها زائرًا قبر جده، واستحم ببحرها، وهو ابن خمسة وعشرين عامًا، ومما روي عنه "طوبى لمن أسكنه الله إحدى العروسين: عسقلان وغزة".
 
 
مسلمون يدرسون القرآن وبالخلفية غزة، رسمت بواسطة هاري فغزين
 

عائلات ومشاهير وأماكن
وفقًا للسجلات الشرعية والوقفية، فمن أشهر عائلات غزة التي خصصت أوقافًا أو تقلدت مناصب: المشهراوي، الغصين، الضاني، الكويفي، النخال، بدير، عاشور، الجبالي، القدوة، العلمي، الزايغ، المحروقي، الأزعر، أبو سيدو، العشي، فضة، الباز، زمو، قطيفان، بسيسو، القهوجي، الشوا، العجلة، والسبعاوي. وكان هناك مسمى "شيخ مشايخ عربان غزة" وقد تولته عائلة الشيخ الوحيدي الحسيني، وخرج منهم أيضًا نقباء السادة الأشراف.
أما أشهر من ولد بها فهو الإمام الشافعي أحد الأئمة الأربعة الكبار، ومن أعلامها في القرنين التاسع عشر والعشرين: شيخ الطرق الصوفية أحمد بسيسو (ت 1911)، وأحمد محيي الدين الحسيني مفتي غزة (ت 1878)، وناظر الأوقاف حامد السقا (ت 1902)، ورئيس جمعية الهداية الشيخ حسين العلمي (ت 1942)، وخليل الشوا (ت 1884) أحد الأعيان والتجار الأثرياء.
من أهم مدن وقرى غزة التي يتردد ذكرها في نشرات الأخبار: "خان يونس" وهي مدينة بنيت قبل نحو ستمئة عام، على أنقاض مدينة قديمة، وكلمة "خان" بمعنى فندق للتجار والعابرين، أما يونس فهو الأمير يونس النوروزي، وتقع أقصى جنوب فلسطين لا يفصلها عن مصر إلا رفح. وكذلك قرية الفالوجة، ويقال إنها نشأت منذ دفن أحد الأولياء الصالحين بها وكان ينتسب إلى طريقة عبد القادر الجيلاني، واتخذت اسم "الفالوجة" المعروفة في العراق بلد الجيلاني. وتقع شمال شرق غزة وتعد بمثابة القلب لشبكة طرق تربط بين غزة ويافا والخليل.
وفي الشمال الشرقي تقع "بيت حانون" والاسم يعود إلى ملك أو زعيم من زعماء غزة. أما "بيت لاهيا" ففي الشمال وتحيط بها كثبان رملية، واسم لاهيا سرياني بمعنى مقفر أو متعب، أو "تلهى". فيما اختلف المؤرخون في أصل تسمية "جباليا" فقيل إنها تحريف لكلمة سريانية بمعنى الجبال، أو مأخوذة من التسمية الرومانية "أزاليا"، وهي بلدة منبسطة في السهل الساحلي.
وما بين غزة وخان يونس "دير البلح" وكانت تعرف باسم "الداروم" أو "الدارون" وهي كلمة سامية بمعنى "الجنوب"، واشتهرت باسمها الحالي لكثرة النخيل بها.
 
 
 
قلعة خان يونس
 

تاريخ الطمع والدم
بحكم أنها بوابة دخول مصر، أو الخروج منها إلى بلاد الشام، انقلب ذلك إلى نقمة، وأطماع ودماء. فقد وصفها نابليون بأنها "مدخل أفريقيا وبوابة آسيا" واحتلها فعلًا خلال حملته الشهيرة على مصر والشام.
ومنذ أن أخضعها عمرو بن العاص لحكم المسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، سعت كل سلطة حكمت مصر إلى ضم الشام بادئة من غزة أو تأمينها ضد الأخطار.
في زمن الحروب الصليبية، وبعد عامين من سقوط بيت المقدس ثم عسقلان، تم إخضاع غزة كي يؤمن الصليبيون حدودهم الجنوبية في مواجهة مصر الفاطمية. وحرصوا على تحصينها بأبراج وأسوار وقلعة.
وهكذا عرفت غزة الاستعمار الاستيطاني الصليبي لأكثر من ثمانين عامًا، آنذاك كان أهلها يشتغلون بالزراعة استفادة من مياه الأمطار والآبار إضافة إلى صيد السمك. وقد زارها تلك الحقبة الإدريسي ووصفها بأنها مدينة صغيرة "عامرة" ولها سوق ومزارع وديار حسنة.
 
وعندما انطلق صلاح الدين في معارك الاسترداد ضد الصليبيين، بدأ من غزة عام 1170، بأكثر من ألف جندي، قبل أن يثبت سلطته في حكم مصر، لكن تحريرها لم يتم إلا بعد معركة حطين عام 1187، ثم اضطر صلاح الدين مع تهديدات الحملة الصليبية الثالثة إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة وهدم أسوارها. ومع عقد صلح الرملة الشهير رفض نهائيًا أن يبقيها تحت سيادة الصليبيين، كي لا تهدد عرشه في مصر.
في العصر العثماني ظلت غزة تحت نفوذها لأكثر من أربعة قرون، وأعيد تنظيم بلاد الشام فتبعت غزة أيالة دمشق، كما جرى تقسيم فلسطين إلى خمسة سناجق هي: نابلس، غزة، القدس، صفد، واللجون.
أثناء الحرب العالمية الأولى تعرضت لدمار هائل، ودفن بها نحو خمسة آلاف جندي في ما يُعرف بمقبرة الإنكليز. ورغم وقوف العرب آنذاك مع بريطانيا إلا أنها أصدرت وعد بلفور الشهير لليهود. وعقب النكبة نزح آلاف الفلسطينيين في اتجاه غزة، وصدرت اتفاقية رودس العسكرية 1949 التي أطلقت على المساحة المتبقية من الساحل الفلسطيني مسمى "قطاع غزة" ووضع تحت الإدارة المصرية، ثم احتله الصهاينة بمساعدة فرنسا وإنكلترا إبان العدوان الثلاثي عام 1956 قبل أن ينسحبوا بعد ارتكاب مجازر مروعة، وعادوا لاحتلالها عقب النكسة.
 
 
سوق الذهب في غزة القديمة
 
 
الاحتلال الإسرائيلي
تحملت غزة عبئًا كبيرًا في كل مراحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وظهرت في ما يسمى "اتفاق غزة ـ أريحا أولًا" 1994، التابع لاتفاقية أوسلو، وحسب وجهة نظر بعض المحللين، كان خروج مصر من الصراع بعقد اتفاقية سلام، سببًا في إضعاف الموازين العربية، دون حل جذري. وكان من المفترض أن تنسحب إسرائيل جزئيًا من غزة وأريحا تمهيدًا لحكم فلسطيني ذاتي. عمليًا لم يستكمل الاتفاق، ولم يغير الواقع المأساوي على الأرض، وكان كما وصفه الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل "كيس منفوخ فارغ".
 
كان من الواضح أن إسرائيل تسعى للتخلص من قطاع غزة بسبب كثافته السكانية العالية والمهددة، وضمان تصفية القضية كلها، وإجهاض حل الدولتين نهائيًا. 
ويشرح كتاب فيتوريو أريغوني "غزة: حافظوا على إنسانيتكم" كيف بدأت إسرائيل عام 2004 ببناء نموذج مدينة عربية في صحراء النقب بتكلفة 45 مليون دولار، لمحاكاة غزة وتدريب جنودها لمقاتلة حركة حماس. فمنذ عام 2005 تم وضع غزة هدفًا عسكريًا وتكرر قصفها برًا وبحرًا وجوًا، فكانت حرب 2008 ـ  2009 "الرصاص المصبوب"، ثم 2012 "عمود الدفاع"، ثم 2014 "الجرف الصامد"، إضافة إلى اشتباكات عامي 2021 و2022 قبل انفجار الوضع مع طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 وطوال قرابة عشرين عامًا تحمل الغزاويون الذين يعيشون في المنطقة الأكثر كثافة عالميًا، وفي مساحة أقل من 60 كم، عذابات لا تنتهي من الحصار وافتقاد أساسيات المعيشة، وجحيمًا من النيران والقنابل لا مثيل له.
 
 
 
فمنذ انسحاب الاحتلال ظاهريًا، وهو لا يتوقف عن محاولات إبادة السكان العزّل، واختلاق الذرائع، وسحب المستوطنين منها كي يسهل التعامل مع السكان. ويشير إيلان بابيه في تقديمه لكتاب فيتوريو صراحة إلى مصطلح "الإبادة الجماعية" وكيف جرى تغليفها منذ عشرين عامًا بذريعة أن غزة تحولت إلى "قاعدة إرهابية" مصممة على تدمير إسرائيل، وأن قتل النساء والأطفال هو دفاع عن النفس! بالتالي لم يكن أمام أهلها إلا القبول بشروط الاحتلال والعيش في أكبر سجن مفتوح بلا أي حقوق إنسانية، أو دعم المقاومة المسلحة.
يمثل كتاب فيتوريو (1975 ـ 2011) وثيقة شديدة الخطورة لصحافي ومناضل مساند لحقوق الشعب الفلسطيني، وقد دفع الثمن فادحًا باغتياله في غزة على يد مجهولين، وعنوان الكتاب مستوحى من جملة كان يذيل بها مقالاته.
وفي كتابه "جرائم الحرب الإسرائيلي في غزة" 2010، وثق بدر عقيلي لحلقة من حلقات الإبادة وبشهادة جنود الاحتلال أنفسهم، خصوصًا مجموعة أطلقت على نفسها "لنكسر حاجز الصمت"، ومن تلك الجرائم هدم المنازل واستعمال القنابل الفسفورية والاعتقال، خلال عملية "الرصاص المصبوب" التي تزامنت مع وصول باراك أوباما لرئاسة أميركا، والرغبة في إنجاز الرؤية الأميركية للشرق الأوسط، واستعادة الجندي الأسير جلعاد شاليط، وتغيير طبيعة غزة من بؤرة مقاومة إلى حزام آمن لإسرائيل، بحسب ما ذكره مؤلفو كتاب "دراسات في العدوان الصهيوني على غزة".
ثمة إجماع على تعقيدات الصراع الحالي الذي تمتزج فيه شعارات دينية مقدسة، بالمصالح المبتذلة، ففي تلك البقعة من العالم تلتقي طرق التجارة العالمية وبوابة العبور بين ثلاث قارات، وبالقرب منها أغنى مخزون نفطي في الكوكب، إضافة إلى قداسة الأماكن لأتباع الديانات السماوية الثلاث، حسب تحليل ألان غريش في كتابه "علام يطلق اسم فلسطين؟".
ورغم كل ما كتب عن الحروب التي تعرضت لها غزة تباعًا، فهي لا تقارن بحجم الإبادة التي تعيشها الآن عقب عملية "طوفان الأقصى".
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية