عام 2015، قدّمت الباحثة الألمانية أرونا دوناث دراسة اجتماعية بعنوان "الندم على الأمومة"، والتي جمعت فيها آراءً لـ23 سيدة عبرن عن ندمهن على الإنجاب رغم حبهن لأطفالهن.
وهذا ما قد يعتبر "تابوهاً" في المجتمعات التي تقدس الأمومة في بعديها الديني والمجتمعي وتنمطها كفطرة وغريزة، وتجعل الأم مركزاً للحياة والوجود معاً. محور "الندم" ذاته كان موضوعاً أساسياً لكتاب تُرجم إلى العربية عن دار "هاشيت أنطوان" سنة 2022، للكاتبة الفرنسية ستيفاني توماس بعنوان "الندم على الأمومة: عشر نساء يروين قصصهن".
.jpg)
الخوف من الأمومة الذي - قد - يرافقه "الندم السابق" نجده لدى النسوة اللواتي يمتهنّ حرفة الكتابة. فالخوف من الإنجاب غالباً ما يتحول هاجساً يسكن معظمهن في صراع بين الذات المبدعة التي تنجب الكلمات، والوظيفة الطبيعية - وفقاً للنظرة الاجتماعية - التي فطرن عليها كنساء ينجبن ويعتنين بأطفالهن.
فإلى أي مدى يحضر لديهن ما يُسمى بـ Maternal ambivalence أو "ازدواجية الأمومة" الذي يقترن لديهن بالندم "وكره الأمومة"؟ وهل تتناقض الأمومة كفطرة إنسانية والكتابة كحالة إبداعية تحمل معها نزق صاحبتها وأنانيتها وحُبها لذاتها وخالقة لشخوصها؟ وإلى أي مدى تتصالح الكاتبات مع أمومتهن أو يرفضنها؟

الكاتبة ستيفاني توماس
كاتباتٌ رفضن الأمومة
في حوار مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في الثالث عشر من أيار/ مايو 2023، تقول الكاتبة البريطانية روبي وارينغتون (47 عاماً)، بمناسبة صدور كتابها الرابع، "نساء بلا أطفال: الصعود الثوري لأخوات مجهولات"، الذي نُشر في آذار/ مارس من العام ذاته، إن النساء اللاتي ليس لديهن أطفال «لم يعدن منبوذات أو غير سويات، بل أصبحن مجرد نساء».
وأنّ هذا الأمر هو اليوم "جزء طبيعي من تطورنا وشفائنا الجماعي، كنساء، كبشر، وكعائلة عالمية".
ويأتي هذا في تماهٍ مع ما قالته أشرس الكاتبات النسويات أليس شفارزر: "أقوى القيود التي تواجهها النساء هي الأطفال.. الأمومة أشبه بالصليب، نحمله حين يجب علينا أن نفعل ذلك، ولكن هل يحمله أحد مختاراً؟".
فلم تكن روبي وارينغتون تريد الأطفال أبداً. ليس أثناء نشأتها في إنكلترا وليس في وقت لاحق من حياتها، وهو الالتزام الذي تم اختباره من خلال حمل نادر وغير مخطط له - كانت تستخدم اللولب في ذلك الوقت - عندما كانت في الثالثة والعشرين من عمرها، بعد وقت قصير من تخرجها من كلية لندن للطب - موضة - كان بالنسبة لها الإجهاض.

الأطفال... والأحلام
الحال نفسها تنطبق على الكاتبة والروائية البريطانية دوريس ليسنغ (2013-1919)، الحائزة جائزة نوبل للآداب سنة 2007.
كانت دوريس تبلغ من العمر (23 عاماً) عندما تركت ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات، وابنتها التي تبلغ سنة واحدة لتبدأ حياة جديدة على بعد شارعين منضمةً إلى الحزب الشيوعي. مقتنعة بأن رحلتها مع الكتابة ستخلق عالماً جديداً لأطفالها. وهو ما لا يمكنها القيام به بوجود زوج صارم وتكاليف الأمومة الباهظة عليها ككاتبة.
رغم نجاحها الأدبي، إلا أن الناس انتقدتها، كما تصف الكاتبة والناقدة الأدبية البريطانية لارا فيجل: "عندما أخبر الناس بأني أكتب عن الحرية في أعمال دوريس ليسنغ، فإن أول رد لهم يكون غالباً نفسه: "أليست هذه التي تخلت عن أطفالها؟".

الولوج في "الخُطاف"
الناقدة الأدبية والروائية الأميركية سيغريد نونيز، تطرح التساؤل ذاته حول مسيرة الروائية الأميركية سوزان سونتاغ (2004-1933)، صاحبة "المرض كاستعارة، وأبعاد الصورة"، السيدة التي عرفت بذكائها الشديد واهتماماتها الأدبية والفنية المتعددة.
نونيز تتساءل: "هل كانت سونتاغ أماً؟"، وتقول: "من حين لآخر، كانت تلاحظ مدى اتساخ نظارات [ابنها] ديفيد، وكانت تنزعها من وجهه وتغسلها في حوض المطبخ. أتذكر أنني كنت أفكر في أن هذا هو الشيء الوحيد الذي رأيتها تفعله على الإطلاق". هل كان على سونتاغ أن تكون أكثر "أماً"؟
تربط نونيز بين إهمال سونتاغ لواجباتها كأم ولمعان نجمها الأدبي. وأفكارها الاستفزازية في النقد والرواية. وهل لو كان أبناءٌ أكثر، هل كانت ستصل لمثل هذا النجاح؟ وهل الحل التوقف عند ولد واحد حلٌ يرضي أنا المبدعة وغرورها وإحساسها بالمقابل بكونها أماً؟ الهاجس المخيف ذاته تطرحه الروائية والكاتبة الكندية شيلا هيتي في روايتها (الأمومة)، متسائلةً عما إذا كان الطفل سيدمر حياتها المهنية كروائية، وإذا كان "الكون يسمح للنساء اللاتي يصنعن الفن ولكنهن لا ينجبن أطفالاً، بالخروج من الخطاف؟".
بدورها الروائية الأميركية الشهيرة فرجينيا وولف في كتابها "غرفة خاصة بالمرء" الذي صدر عام 1929، تقول إن الكاتبات الناجحات، تاريخياً، لم يكنّ أمهات. وتشير إلى أنه من بين جين أوستن، وشارلوت وإميلي برونتي، "لم يكن لدى أي منهن طفل". ولذلك فإن فكرة إنجاب الأطفال يخنق إبداع امرأة كان لها قوة بقاء ثقافية هائلة.

شرخ الأمومة
الخوف، والقلق، والطابع التشاؤمي للسيدتين الكاتبتين، نجده لدى الروائية التركية الشهيرة إليف شافاق في روايتها التي صدرت سنة 2007، بعد ولادتها الأولى بعام تقريباً بعنوان "حليب أسود"، والتي تصف في مقدمتها الفزع والمشاعر المتناقضة التي أصابتها من كونها ستصبح أماً. وإلى إي مدىً سيؤثر ذلك على مسيرتها ككاتبة: "يوم عرفتُ أنني حامل، ارتعبت المرأة الكاتبة بداخلي، فيما اضطربت المرأة المجاورة لها بسعادة. أما داعية السلام فأبقت نفسها غائبة، وراحت المرأة المدنية داخلي تفكر بأسماء عالمية للطفل، والمرأة الصوفية إلى جوارها تهلل للخبر، فيما راود القلق المرأة النباتية في داخلي بشأن احتمال أن أضطر لأكل اللحوم".
تتابع شافاق: "لم تكن تلك المرأة المترحّلة فيَّ تريد شيئاً سوى أن تقف على قدميها وتركض بأسرع ما تستطيعه. لكن هذا ما يحدث عندما تحملين: تستطيعين الهرب من كل شيء ومن أي أحد، سوى التغيرات التي تطرأ على جسدك".
شافاق التي تعرّف نفسها بأكثر من معنىً ومعطى ثقافي لوجودها كامرأة تخاف بوضوح من تنميطها في صورة تقليدية كـ"أم" وحسب.
ومن أثر ذلك وما يرافقه من تغيرات فيزيائية ونفسية على صورتها اللامعة ككاتبة. سرعان ما تتصالح شافاق مع فكرة الأمومة كمدخل جديد لإبداعها الشخصي ومصدر إلهام، واكتشاف مغاير لذاتها المبدعة. كون تلك الأمومة نداءً طبيعياً استجابت له.
المصالحة نفسها التي توصلت إليها شافاق تتحول إلى ما يشبه المناكفة أو المفاضلة لدى الكاتبة المصرية إيمان مرسال في كتابها الشهير "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها"، والتي تحمل في متنه نظرة فلسفية لفكرة الولادة والإنجاب لدى المرأة، مفسرةً رؤية الشاعرة البولندية آنا سوير (1984-1909) في قصيدتها التي تتحدث فيها إلى ابنتها المولودة قائلةً:
" أنتِ لن تهزميني
لن أكون بيضةً لتشرخيها
في هرولتك إلى العالم".
وهي تُفنّد في ذلك تعميم الصراع بين الأم ومولودها على أنه صراع "ملكية أو جندر". بقدر ما هو "تماهٍ بين ذاتين"، وحبٌ غير مشروط. وعملية بيولوجية أنتجها "كائن عاش وتكوّن وقام باختيارات تخص وجوده" وهو الأم. وصغيرها الذي تصفه مرسال بالدمية. لكن بمقابل "أمومة المتن" هذه، هناك شرخٌ يولد أثناء هذه العملية الطبيعية، فالتضحية ونبذ الذات ينطوي على شيء من الشعور بالذنب. شرخٌ يبدأ من الداخل، من الرحم، لا بد له في نهاية الأمر من الانفصال كشرط للنجاة لكليهما الأم وطفلها.
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/2/2026 1:03:00 AM
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان
5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان
5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات
نبض