انشغل رواد "السوشيال ميديا" بحادث مصرع الفنان القدير أشرف عبد الغفور (حزيران/ يونيو 1942 ـ كانون الأول/ ديسمبر 2023) بينما كان في طريقه إلى منزل ابنته الفنانة ريهام عبد الغفور.
بحسب تصريحات أمنية، اصطدمت بسيارة الفنان الراحل من الخلف سيارة مسرعة يقودها فنان تشكيلي شاب، وسرعان ما لفظ أنفاسه، بينما أصيبت زوجته.
حرص فنانون وجهات كثيرة على نعيه وفي مقدمتها نقابة المهن التمثيلية، خصوصًا أن الراحل كان نقيبها الأسبق بين عامي 2012 ـ 2015.
وبرحيله انطوت مسيرة فنية تزيد عن ستين عامًا، ترك خلالها نحو ثلاثمئة عمل فني، وهو رقم ليس بالبسيط. بدأ مع جيل نور الشريف ومحمود يس، وتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية، وامتلك مثلهما تلك الطلاقة في الأداء باللغة العربية الفصحى، كأحد أبناء المسرح القومي العريق.
ورغم أنه حافظ على اسم فني جيد، لكنه لم يصل إلى النجومية المطلقة ولا أن يصبح مطلوبًا في شباك التذاكر، فاكتفى بالدور الثاني أو ضيف الشرف، وبحضور الممثل لا النجم.

ربما لم تفتح السينما أبوابها له كثيرًا باستثناء مشاركات شرفية نسبيًا كما في "صوت الحب" مع حلمي رفلة، "الشوارع الخلفية" إخراج كمال عطية، و"لا شيء يهم" إخراج حسين كمال.
فرغم عمره الفني المديد ظلت تجربته السينمائية محدودة جدًا، ويرجع ذلك إلى طبيعة شخصيته المحافظة وشعوره أن أخلاقه لا تتناسب مع نوعية أفلام السبعينات ولا ظاهرة "أفلام المقاولات".
بينما كان للمسرح مساحة كبيرة بدءًا من مسرحية "جلفدان هانم" وحتى "الملك لير" مع الفخراني. فظل حاضرًا وأساسيًا في أكثر من 35 مسرحية من العروض الكبيرة للمسرح القومي مثل: سليمان الحلبي، وطني عكا، موتى بلا قبور، مصرع جيفارا، النار والزيتون، والخديوي. وعلى خشبة المسرح العريقة راكم خبرات مهمة في الانضباط والإتقان والأداء باللغة العربية الفصحى.
لكنّ رضاه بالصف الثاني أبقاه على مسافة من نجومية المسرح مقارنة بقامات مثل رفيق دربه نور الشريف، أو نجوم أكبر سنًا مثل عبد الله غيث. فهو جزء من دراما مهمة لكنها لا تقوم على كتفيه غالبًا.
وما اختاره لنفسه مسرحيًا، كرره تلفزيونيًا، فهو رغم حضوره المبكر ربما منذ مسلسل "القاهرة والناس" 1967 وهو من أوائل نتاجات التلفزيون المصري، قدم عبد الغفور شخصية الشاب الوسيم الهادئ المحافظ نسبيًا، ثم جرى استغلاله روتينيًا في الأعمال الصوتية، كالتعليق، أو في الدراما الإذاعية، وحتى في المسلسلات التاريخية لاستثمار براعته في الأداء بالفصحى.

وسطية وسماحة
لا يوجد أوبريت أو مسلسل ديني قدم خلال نصف القرن الماضي لا يكون حاضرًا فيه، مثل: محمد رسول الله، الإمام مالك، هارون الرشيد، عمر بن العزيز، القضاء في الإسلام، وداعًا قرطبة، الليث بن سعد، أئمة الهدى، أنبياء الله، الأزهر، برنامج أسماء الله الحسنى، عجائب القصص في القرآن، الإمام الغزالي، أوبريت الليالي المحمدية، الإمام الشافعي، صدق وعده، الإمام المراغي، المرأة في الإسلام، ابن تيمية، البخاري، ومسلم.
فأكثر من نصف أعماله هي دراما دينية بامتياز، وأحيانًا تاريخية، لقناعته بأن الفن رسالة تثقف الناس وتحسن وعيهم بدينهم وتاريخهم، وهو هنا عكس رفيق دربه نور الشريف الذي قد يكون أكثر ممثل تعاون معه. لأن نور يؤمن أيضًا برسالية الفن، لكنه كان شديد التنوع في خياراته وينطلق من أفق قومي متأثرًا بالحقبة الناصرية. بينما عبد الغفور كان أكثر تأثرًا بازدياد التوجه نحو الأعمال الدينية منذ سبعينات القرن الماضي، ويعبر عن وسطية الإسلام وسماحته، والأفكار المعتمدة من المؤسسة الأزهرية الرسمية، فلن نجده مثلًا شريكًا في عمل ديني لشخصية إشكالية نوعًا ما من شخصيات المعتزلة أو الخوارج، بل انحاز لاشتراطات السوق في تقديم سير الأئمة المتعارف عليهم.
كما حافظ على حظوظ جيدة في الدراما الاجتماعية وتكرر كثيرًا تعاونه مع يحيى الفخراني ـ أحد أبناء جيله ـ كما في مسلسلات: زيزنيا، شيخ العرب همام، يتربى في عزو. لكن حضوره ـ بمرور الزمن ـ كان يتراجع إلى ضيف شرف كما في مسلسلات: فارس بلا جواد، مصر الجديدة، بنت من شبرا، حضرة المتهم أبي، جبال الحلال، بيت القبايل، وآخرها مسلسل "رشيد" في رمضان الماضي حيث لعب دور سجين كبير السن يتميز بالهدوء والذكاء، شغل منصبًا كبيرًا واختلس ثروة طائلة آلت في نهاية الأمر إلى البطل. واستثمر في مقومات الشخصية ليقدم حالة إجرام تثير التعاطف، لا الكراهية، محافظًا على هدوئه واتزانه.
وهنا يكمن مأزق أشرف عبد الغفور أنه رغم امتلاك الخبرة الطويلة ظل محافظًا على مسافة آمنة بلا مغامرات فنية، وضيق تصوره الفني أخلاقيًا في نمط معين من الأدوار نادرًا ما تمرد عليه، فهو بطريقة أو بأخرى، الرجل الطيب الخلوق، أو رجل الدين الحكيم.

الوسامة والقبول
يضاف إلى ذلك أن وسامته، وإتقانه للفصحى، وخبراته، وقناعاته الرسالية، لم تكن تغنيه عن القبول، وتلك هبة ربانية لا دخل لأحد فيها، لذلك ظل حضوره شاحبًا بدرجة ما، لا تفتقده إن غاب، ولا يلفت الأنظار كثيرًا إذا حضر. إنه يؤدي جيدًا، لكنه لا يشع ولا يترك تلك البصمة التي لا تُنسى.
يبدو الفن بالنسبة إليه مهنة يمارسها بأقصى درجات الاحترام وضبط النفس، وليس حالة مغامرة وجنون، يريد أن يظل في أعين الصغار والكبار "الفنان الخلوق المحترم" أو "المحترم جدًا". لا يتفوه ببذاءة ولا سكر.. ولا يتورط في مشهد عري. يعمل ويكسب على ألا يخسر آخرته.
وبذلك يعبر مبكرًا جدًا عن مزاج عام تصاعد في الوسط الفني، ربط الدراما بتصورات الحلال والحرام، ويتفوق في ذلك على حسن يوسف ـ مثلًا ـ الذي تحول من البدايات المرحة اللاهية، إلى الالتزام. بينما أشرف حافظ منذ البداية تقريبًا على تصوره الملتزم أخلاقيًا، وإن لم يصل إلى النبرة المتشددة التي تحرم الفن، وتدفعه للاعتزال، فظل حاضرًا بطريقته تلك على الشاشة حتى اللحظة الأخيرة من حياته، ولعل الأكثر شبهًا به هي زميلته في المسرح القومي وبنت جيله الفنانة مديحة حمدي.

زوج وأب تقليدي
في حياته الشخصية والاجتماعية، لم يختلف كثيرًا، فهو أب تقليدي، تزوج ابنة عمه، وأنجب ثلاثة أولاد، ولم يمانع في أن تدخل ابنته الصغرى "ريهام" عالم التمثيل، بقدر لا بأس به من "ضوابط الأب".
لم يتردد اسمه في أي قيل وقال. بل مع تقدمه في السن بات يظهر مطلقًا لحيته البيضاء المتلائمة مع بياض شعره ووسامته.
لذلك كان أشرف عبد الغفور أقرب إلى النجومية "الصوتية"، بصوته الأخلاقي المدرب السليم، الذي يشارك في الدبلجة ورواية القصص، والإذاعة، والتعليق، فصوته أكثر حضورًا من ملامح وجهه. كأنه أقرب إلى اسمه الحقيقي "عبد الغفور" منه إلى اسمه الفني "أشرف".

صحيح قد لا يُفتقد حضوره الفني، لكن المؤكد أننا سوف نفتقد حضوره الإنساني الطيب، بكل وداعته، وابتسامته الهادئة، والحكمة في سلوكه وكلماته وذلك الوقار الأبوي الأبيض. وليس في ذلك انتقاص من مشواره، لأننا لا نملك إلا احترام خياراته واتساقه معها منذ البداية حتى النهاية. ورغم أن حياته المديدة ـ في الواقع والتمثيل ـ اتسمت بالهدوء والرضا والتصالح مع الذات، فقد جاءت النهاية مأساوية مثيرة، لا يتوقعها أحد.
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض