27-11-2023 | 22:31

20 عاماً على رحيل ذكرى... اكتمال الأسطورة بطلقات الرصاص!

من يصدّق أنّ عشرين عامًا مضت على رحيل الفنانة التونسية ذكرى (تشرين الثاني/ نوفمبر 2003)؟ ومن يصدّق أنّها صنعت كل هذا المجد ورحلت في السابعة والثلاثين من عمرها فقط؟
20 عاماً على رحيل ذكرى... اكتمال الأسطورة بطلقات الرصاص!
Smaller Bigger
 
من يصدّق أنّ عشرين عامًا مضت على رحيل الفنانة التونسية ذكرى (تشرين الثاني/ نوفمبر 2003)؟ ومن يصدّق أنّها صنعت كل هذا المجد ورحلت في السابعة والثلاثين من عمرها فقط؟
 
ولدت ذكرى بنت محمد الدالي في الخريف (ايلول/ سبتمبر 1966) ورحلت رحيلًا مأساويًا في الخريف أيضًا، رغم أنّها امتلكت كل المقومات لتصبح مطربة العرب الأولى.
تشرّبت تقاليد المدرسة التونسية العريقة في الغناء، وتدرّبت على الأدوار الصعبة، وغنّت كل الأنواع الطربية، وبلهجات عربية مختلفة، كما أدّت أغاني كبار المطربين مثل أم كلثوم بشخصيتها الخاصة، فمن ينسى أداءها الرائع مثلًا لأغنية "على بلد المحبوب وديني" و "الرضا والنور".
 
ساعدتها البداية المبكرة وهي في الرابعة عشرة من عمرها على حرق المراحل، وتحقيق شهرة واسعة سريعًا، وربما كانت تدرك لاشعورياً بأنّ عمرها قصير، والأحلام كبيرة، لذلك انهمكت في مشروعها وحفلاتها على امتداد العالم العربي كله، تغني باللهجة التونسية والمصرية والخليجية، وتُصدر أكثر من عشرة ألبومات في سنوات قليلة.
 
كانت ملكة السهرات والحفلات والجلسات الطربية، وحتى بعد رحيلها الفاجع ظلّ محبوها يعيدون إحياء سيرتها بإصدار ألبومات منها مثل ألبوم "وتبقى ذكرى" من إنتاج شركة "فنون الجزيرة للإنتاج".
 
الطريف أنّ اسمها ذكرى أطلقه عليها والدها، لأنّه كان يعمل في الحرس الوطني، وصادف شهر ميلادها الذكرى 11 لتأسيس الحرس الوطني، واحتفظ الاسم بغموضه وسحره مع مقتلها.
كان الأب نفسه الذي اختار اسمها هو من آمن بموهبتها، وشجعها على المشاركة في مسابقات الغناء رغم أنّها ولدت في أسرة كبيرة العدد تضمّ ثمانية أخوة. 
 
برزت موهبتها في تلك المسابقات وتحدّت ذاتها بأداء أغنيات صعبة لمطربين كبار مثل ليلى مراد، إلى أن انتبه لقدراتها الملحن التونسي عز الدين العياش فلحن لها "يا هوايا"، ومن بعده عبد الرحمن العيادي الذي لحّن معظم أغانيها آنذاك، وارتبط معها بعلاقة عاطفية وخطوبة قبل أن يحدث الشقاق والانفصال.
استمرت مرحلتها التونسية نحو عشر سنوات، اشتهرت خلالها بميزتين مهمّتين: قوة الصوت، وبراعتها في أداء كل الألوان من الطقاطيق والقصائد والموشحات.
كما استفادت استفادة كبيرة من رحلة فنية إلى دمشق وهي في العشرين من عمرها، صقلت موهبتها، فتعلّمت أصول الغناء والموسيقى، وقدّمت مجموعة من الأغاني هناك.
 
هكذا اكتمل مبكرًا صوت ذكرى بكل مزاياه: القوة، التدريب الجيد، الشخصية التي تجعله صوت بصمة لا يتشابه مع أحد، الإحساس العالي وليس مهارة الأداء فقط، البحة الغامضة التي توحي بضعف يتناقض مع قوة الصوت.
 
 
 
 
 
محطة القاهرة
على خطى كبار المطربين الذين رأوا في القاهرة عاصمة الطرب، ومثلما فعلت صباح ونجاح سلام ووردة وفايزة أحمد، انضمّت ذكرى إلى هذا العنقود من المطربات الكبيرات اللواتي تمصرن بدرجة كبيرة، وإن لم يفقدن الصلة بالبلد الأم.
 
كانت القاهرة محطتها الرئيسة وسرّ انتشارها عربيًا، والذي تزامن لحسن حظها مع انتشار الفضائيات وقنوات الأغاني، وعصر الفيديو كليب في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين.
 
قبل استقرارها في القاهرة، ظلّت ذكرى منفتحة بذكاء مهني لافت على مختلف الشعوب العربية، فغنّت العديد من الأغاني المغاربية، ومكثت في ليبيا فترة. كأنّها كانت تجرّب حظوظها وتبحث عن مدينة يزهر صوتها فيها.
وكان من الطبيعي أن تلفت قوة صوتها كبار الملحنين المصريين مثل صلاح الشرنوبي وحلمي بكر، ومن أشهر أعمالها باللهجة المصرية التي حقّقت لها شهرة عربية: "مش كل حب، الأسامي، الله غالب، يا عزيز عيني، كل اللي لاموني، يوم عليك، بحلم بلقاك، ما بنتكلمش، تبعد عني، وفرصة أخيرة".
 
ثم كان لها تعاون مهمّ مع الفنان هاني مهنا الذي أنتج لها ألبومين هما "وحياتي عندك" 1995 ثم "أسهر مع سيرتك" 1996، لكن الأخير لم يحقّق النجاح المطلوب، مع ذلك لم تتراجع ذكرى بل عادت أكثر قوة مع ألبوم "الأسامي" 1997. 
 
واللافت أنّ آخر ألبوم مصري لها كان "يوم ليك ويوم عليك" 2003، بالتزامن مع نهايتها المأساوية، كأنّ العنوان نفسه يلخّص رحلتها كلها في يومين: يوم للشهرة والنجاح، ويوم للرعب والقتل.
 
بعد دمشق والمغرب العربي ومصر، تطلّعت ذكرى للتربّع على قمّة الغناء العربي متجاوزةً أسماءً سبقتها مثل سميرة سعيد، وأسماءً صعدت معها مثل لطيفة وأصالة، لذلك اتجهت للغناء الخليجي، وكانت بشهادة الكثيرين من أفضل من غنى تلك اللهجة، ومن ألبوماتها الخليجية ذكرى 1 و2و3.
 
كما حرص كبار مطربي الخليج على تقديم دويتوهات معها وفي مقدمّهم طلال مداح وأبو بكر سالم ومحمد عبده وعبد الله الرويشد. ومن أشهر أغانيها الخليجية: "يا مشغل التفكير، ياللي ملكت الروح، إلين اليوم لحن طلال مداح، وما فيني شي".
 
لم يتطلّب الأمر منها سوى عشر سنوات فقط، كي تغني بكل اللهجات العربية، وتقدّم كل ألوان الغناء، وتقف ندًا لجميع مطربي عصرها، وتتربّع على عرش أشهر وأفضل الأصوات النسائية في النصف الثاني من التسعينات.
 
كان كل شيء يضمن لها مستقبلًا زاهرًا، ولو ظلّت حيّة لكانت الآن في السابعة والخمسين من عمرها، ورمزًا من رموز الطرب.
 
 
 
 
لحظة النهاية الحزينة
كانت لحظة النجاح الهائل هي نفسها لحظة النهاية الحزينة، حين قُتلت صباح يوم الجمعة 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 بعدما أطلق زوجها رجل الأعمال المصري أيمن السويدي النار عليها في منزلهما في الزمالك ثم انتحر بعد ذلك.
 
لا أحد يعلم بدقّة كم رصاصة طلقتها ذكرى... هل 21 أم 26؟ من المؤكّد أنّ السويدي كان سخيًا جدًا في إطلاق الرصاص على جميع من حضروا بمن فيهم سكرتيرة ذكرى ومدير أعمالها. وقيل إنّه استعمل أكثر من بندقية. وحسب تقرير الطب الشرعي حاولت ذكرى الصمود ما لا يقلّ عن 15 دقيقة بعد غربلتها بالرصاص، كأنّها لا تصدّق تلك النهاية الأكثر رعبًا من أفلام المافيا.
 
كانت لحظات دامية شهدها حي الزمالك الراقي، ولم يسلم منها أحد إلاّ صديقتها الممثلة كوثر رمزي، لأنّ السويدي الغاضب طردها قبل أن ينفّذ مذبحته، لحسن حظها.
 
 
 
 
بالقتل العنيف جدًا استكملت ذكرى أسطورتها وعمّدتها بالدم، وفتحت الباب للقيل والقال حول دوافع الزوج المنتحر، فقيل إنّ السبب رفضها لتسلّطه عليها وإصراره أن تعتزل الغناء وتتفرّغ له. مع أنّه كان بإمكانه أن يطلّقها بهدوء. وقيل، بل السبب غيرته العمياء وارتيابه في سلوكها. لكن هذا لا يكفي مبرّرًا لوحشية الجريمة وقتل كل الحضور معها.
 
تردّد كلام عن معاناة زوجها من أزمة نفسية حادة (وهو ما يبدو أقرب للمنطق)، كما ظهر اسم جمال مبارك نجل الرئيس المصري المعزول. فمن قبل وبعد ثورة يناير، تردّد اسم جمال مرات كثيرة في مآسٍ أكثر من فنانة، حتى وإن لم يكن هناك أي دليل حاسم. وربط البعض مقتلها بفتوى الشيخ إبراهيم الخضيري الذي أهدر دمها آنذاك. وترهات عن دور مخابرات دول عربية في التخلّص منها. 
وهو ما يتعارض مع الاحتفاء الشديد بها في كل الدول العربية ومشاركتها في العديد من الأوبريتات والحفلات الرسمية مثل أوبريت "الحلم العربي" الشهير، ورغم أنّها كانت أجمل الأصوات المشاركة في الأوبريت لكنها كانت الأسوأ حظًا بينهم.
 
كان ثمة حاجة عاطفية عميقة لدى جمهورها، إلى إنكار مقتلها، والبحث في كل الاحتمالات لتلك النهاية المأساوية الصادمة والمباغتة. وحدث شيء من هذا القبيل في حادث غرق فنانة عظيمة تتشابه معها في نواحٍ كثيرة، هي أسمهان.
 
فإلى اليوم لا يتقبّل معظم جمهورها أنّها غرقت قضاءً وقدر وهي في طريقها إلى رأس البر، فتوالت الاتهامات لمنافسيها وعلى رأسهم أم كلثوم، ولأجهزة استخباراتية، ولعشاق مجهولين أيضًا. لذلك سيظلّ مقتل ذكرى غامضًا ومفتوحًا لإعادة بناء أسطورتها والإبقاء عليها حيّة.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية