24-11-2023 | 10:33

150 عاماً على رحيل رفاعة الطهطاوي... بشير التنوير العربي

قبل مئة وخمسين عاماً رحل الرائد الطليعي رفاعة الطهطاوي 1801-1873، الذي يشكّل معلماً بارزاً في فكرنا النهضوي.
150 عاماً على رحيل رفاعة الطهطاوي... بشير التنوير العربي
Smaller Bigger
قبل مئة وخمسين عاماً رحل الرائد الطليعي رفاعة الطهطاوي 1801-1873، الذي يشكّل معلماً بارزاً في فكرنا النهضوي. فهذا الشيخ الأزهري، كما وصفه محمد عمارة في "الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي"، لم يكن مجرد ناقل لفكر الغرب وحضارته إلى اللغة العربية، وإنما كان مناضلاً في سبيل أن يوقظ أمّته ووطنه، بل والشرق وأهل الإسلام قاطبة.
فمن هو هذا الرائد الذي نرى في استحضاره بعد مئة وخمسين عاماً على رحيله أكثر من مغزى ودلالة، إذ هو صاحب رؤية تنويرية غير مسبوقة في الفكر العربي الحديث، رؤية واءمت بين الحداثة وقيمها، وبين التراث العربي والإسلامي على نحو مميز، لا نزال نسترجعه إزاء الخطابات التكفيرية الرافضة للآخر والمختلف؟
 
الطهطاوي من أسرة مصرية قديمة توارثت العلوم الدينية، درس أسوة بأجداده في الأزهر، وسُمّي إماماً لأول بعثة أرسلها محمد علي للدراسة في باريس من عام 1826 إلى عام 1831، فاكتسب معرفة دقيقة باللغة الفرنسية وتعرّف على الفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر باطلاعه على أفكار فولتير وروسو ومونتسكيو.
 
في باريس استطاع الطهطاوي أن يقوم بمشاهدات دقيقة للعالم الحديث والعادات السائدة في المجتمع الأكثر ازدهاراً في زمانه، وألّف بعد عودته إلى مصر كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" 1834، الذي ضمّنه رؤيته للمجتمع الفرنسي وعاداته وتقاليده وملاحظاته التي تراوحت بين الاعجاب والنقد. 
 
ترأس تحرير الجريدة الرسمية "الوقائع "، وأشرف على ترجمة كتب لفولتير ومونتسكيو وكتب أخرى في التاريخ والجغرافيا والعلوم العسكرية.
 
أبدى الطهطاوي إعجابه بتقدّم الفرنسيين العلمي والسياسي، وإذ أثنى على كثير من عاداتهم وأخلاقهم داعياً إلى الإقتداء بهم، حذّر في الوقت نفسه من بعض معتقداتهم وأفكارهم التي لا تتلاءم مع معتقداتنا وأفكارنا وتقاليدنا. فقد لفت الطهطاوي في الفرنسيين اهتمامهم بالنظافة وحب العمل وحب المعرفة والوفاء بالوعد وعدم الغدر و"بشاشتهم في وجوه الغرباء ومراعاة خواطرهم، ولو اختلف الدين وإباحة التعبّد بسائر الأديان". 
 
كما لفته فيهم إحسانهم تدبير المصاريف وبراعتهم في الكسب، وحبهم للوطن حتى التضحية بالنفس من أجله. لكنه في المقابل لاحظ أنّ الفرنسيين "أقرب للبخل من الكرم... وأنّ الرجال عندهم عبيد للنساء"، وهم لا يعتقدون بالمعجزات ولا يؤمنون إلاّ بالعقل وأحكامه.
 

 
 
دور الطهطاوي التنويري
طرح الطهطاوي مبادئ وأفكاراً تنويرية أساسية بينما كان العالم العربي يجهد للخروج من ظلام القرون الوسطى، وهنا أهميته، وإن لم يذهب بعيداً، وهو الشيخ الأزهري، في طروحه التي قاربت العلمانية أحياناً. ففكرته عن الدولة، لم تكن فكرة ليبراليي القرن التاسع عشر، كما يرى ألبرت حوراني، بل كانت الفكرة الإسلامية المأثورة، أي أنّه للحاكم السلطة التنفيذية المطلقة، لا يحدّ منها سوى احترام الشريعة.
 
أما فكرة أنّ الحكم يجب أن يكون في يد "الشعب" فلم تكن غائبة عن ذهنه، إلاّ أنّها في نظره لم تكن تتلاءم مع مشاكل مصر، والحل لديه أن يستخدم الحاكم سلطته كما يجب، فالشعب السعيد هو الشعب الذي يقوده ملك حكيم يحترم مبادئ الاعتدال والعدل ويشجّع الزراعة والتجارة ويُعنى بالتربية.
وما شاهده في فرنسا عزّز لديه فكرة فرض القيود على سلطة العاهل المطلقة، حتى أنّه ذهب إلى أن "لا فرق بين مبادئ الشرع الإسلامي ومبادئ "القانون الطبيعي" الذي ترتكز عليه قوانين أوروبا الحديثة"، وأنّه من واجب العلماء التصالح مع العلوم الجديدة وتفسير الشريعة في ضوئها.
 
وللطهطاوي دور تنويري في تشديده على "حب الوطن" وحقوق المواطنين في الحرّية التي "من شأنها وحدها أن تخلق مجتمعاً حقيقياً وحباً للوطن قوياً. لكن الوطن كما يفهمه هو الوطن المصري لا الوطن العربي بمفهومه الإيديولوجي المعاصر. ويتميز كذلك بدعوته التنويرية المبكرة لتعليم البنات أسوة بالصبيان، وتمكين المرأة من تعاطي العمل أسوة بالرجل في نطاق مؤهّلاتها، وحقّها في الزواج بمن تحب.
 
والطهطاوي تنويري في دأبه لوصل العرب بالثقافة الغربية من خلال ترجمة فكر الغرب التنويري، وفي تشديده على الاكتشاف والعلوم العقلية وعلى العدل والإنصاف والمساواة أمام القانون، فهذه القيم عنده هي سبب تقدّم الغرب، وإهمالها كان علّة تخلّف البلاد الإسلامية، فقد لاحظ في باريس أنّ العلوم تتقدّم كل يوم "فإنّه لا تمضي سنة إلاّ ويكتشفون شيئاً جديداً".
 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية