23-11-2023 | 11:34

المغربي عبد الإله بَلّقزيز يكتبُ سيرةً ذاتيّةً استثنائيّة

السيرة الذاتية فنٌّ فرعيٌّ من شجرة السرد الكبرى، وغصنٌ يانع من كينونتها الباسقة. فنٌّ قديمٌ وحديث.
المغربي عبد الإله بَلّقزيز يكتبُ سيرةً ذاتيّةً استثنائيّة
Smaller Bigger
السيرة الذاتية فنٌّ فرعيٌّ من شجرة السرد الكبرى، وغصنٌ يانع من كينونتها الباسقة. فنٌّ قديمٌ وحديث. قديمٌ إذا قارنّاه بالتراجم والسِّير التي وضعها كتّابٌ ودوّنها أهلُ المعرفة بأصنافها عن حياتهم وأعمالهم، نسوق مثالًا عنه في العربية كتاب "التعريف" لابن خلدون (1332ـ1406). هذا النوع عند القدماء كان يُعنى بتقييد نَسبهم وشيوخهم ممن درسوا عليهم وأخبار من اتصلوا بهم ووصلوهم مع إحاطة بأحوال زمنهم.

إن موضوع هذه الكتابة الشخصُ في هويته وتكوينه لا الذاتُ بوصفها (أنا) مستقلةً ومميزةً بصفات وطباع وتُجلي لنا صاحبها بأسلوب البوح والاعتراف في أطوار مختلفة من حياته، لذلك سُمِّيت سيرة ذاتية، لا غيْرية ولا هي موضوعية. هذا التعبير إذا كان قد ظهر له إرهاص في القديم الغربي في "اعترافات القديس أوغسطين" (354ـ430)، فإن نواته الصلبة توجد في "اعترافات جان جاك روسو" (1782) المصدر الأم لمعظم الدارسين لما سيصبح منذ القرن الثامن والتاسع عشر تعبيرًا عن الفرد صريحًا صِيغ بضمير المتكلم في سياق تحول الأنوار وتغيّرات اقتصادية اجتماعية حاسمة.

ليس هنا مجال الخوض في التفاصيل، لكن لا بأس من التذكير بأن السيرةَ الذاتيةَ التي كتبها بعض العرب حديثًا اقتدت برائدتها الغربية، الفرنسية خاصة، وبكثير من الاحتشام والحذر، في المادة المروية، والبنية الصرفية النحوية (الضمير الراوي).

أكتفي بمثال كلاسيكي عليه الإجماع، كتاب "الأيام" (1927) لطه حسين (1889ـ1973) استعمل فيه عميد الأدب العربي ضميرَ الغائب لأسباب ترحيل نفسه إلى آخرَ والتحايل على المعلوم والمجهول بالنسبة لكفيف، وخصوصًا تحاشي البوح الذي يسوق إليه ضمير المتكلم وهو لسانُ السيرة الذاتية وصيغتُها المُثلى في نماذجها المقننّة، إضافةً إلى قواعدها المقرّرة في "الميثاق الأوتوبيرغرافي" (1975) عند فيليب لوجون، تجمع جملةَ طرائقِ وأنساقِ كتابة هذا النوع الذي ما انفكّ يتبدّل ويتجدّد. نصيبُ العرب فيه قليل، ومتأخر، لأنه جزء من فن الرواية التي كتبوا متأخرين (مطالع القرن العشرين) ولأنه يحتاج لزومًا إلى أكبر قدر من الحرية والتسامح والاعتراف بخصوصيات وأمزجة وحيوات الأفراد وسط طغيان السلطة الجماعية عقيدية وحاكمة واجتماعية عرفية.
 
 
المغرب والسّيرة
للأدب المغربي الحديث نصيبٌ مهم جدًا في هذا الفن وإن محدودًا، يسمح بالقول بأن أهم سيرة ذاتية كُتبت بعد أيام طه حسين، رغم إغفال النقد في المشرق لوزنها الحاسم، هي التي دبّجها "في الطفولة" سيرة للمغربي عبد المجيد بن جلون (1919ـ1981)، وعندي أنها تعدل بل تفوق "الكلمات" (1964) لجان بول سارتر (1905ـ1980) في القدَح المعلّى عند الدارسين والنقاد.

بعد ابن جلون انقطع نسل هذه الكتابة، إلى أن بدأنا نشهد في السنوات الأخيرة استئنافًا لها، وذلك بولوج بيت السيرة الذاتية من باب خلفي لها يُسمى "التخييل الذاتي" حذلقة بين الرواية والسيرة، أو بعرض شبه تاريخي ونظري لمقاطع يعُدّونها هامةً من حياتهم وتعليمهم وتكوينهم الثقافي وتأملات عامة، أذكر بالذات عبد الكبير الخطيبي (1938ـ2009) في "الذاكرة الموشومة" بالفرنسية (1971).

ثم انتقلنا في "أوراق" (1989) إلى ما سمّاه مؤلفها عبد الله العروي (1933ـ) بـ"السيرة الذهنية". أبعدَ عنها الوقائعَ الشخصيةَ وركّز على مساره العلمي بين المغرب وباريس. قريب منه فعل سعيد بنكراد في "حيرتي وظنوني" (2021) ينبه قارئها بأنها "تحمل من الأفكار أكثر مما تجمع من الأحداث والوقائع". هذه النماذج من السيرة الذاتية مختلفةً يلمّ شعثها قاسم هو عرضها بالسرد على لسان راوٍ هو المؤلف ثم تتفرع نُوَيْعات.
 
 
أول التّكوين
عند عبد الإله بلقزيز، وهو أكاديمي أولًا، أستاذ الفكر العربي والإسلامي في جامعة الحسن الثاني، وله أعمالٌ روائيةٌ ونصوص من عيون النثر الفني، نقف عند نصّ هو بيت القصيد من مقالتنا، أراه جديدًا ومختلفًا في نهج السيرة الذاتية: "أول التكوين" (المركز الثقافي للكتاب، 2023).

وبسبب هذا الاختلاف، ولإبداعيتها المائزة تجتهد في تصّور ونسج آخر للسيرة الذاتية عامةً لا في أدبنا العربي وحده. لا بد سيلفت نظرَ القارئ نوعُ التجنيس الذي وضعه الكاتب لعمله على الغلاف، وما هو اعتباط بل تعيينٌ بقصد ومثارُ لبس وسؤال؛ سمّاه (نص)، ومعلوم أن كلّ كتابة شعرية أو نثرية لسانيًا هي مجموع التعابير والجُمل المشكّلة لعمل مكتوب، ويتخصص بالتعريف نصًّا حسب وظيفته (جان مشيل آدم، 2005) ليقدم لنا بعض إجابة عن مقصد الأديب بلقزيز نزيهة لا مخاتلة، وإن يوقع القارئ مثلي في ورطة، بالأحرى يحرِّضُه على التأمل.

يتكون كتاب "أول التكوين" من قسمين موزعين على فصول صغيرة بأرقام رومانية. يهدينا المؤلف في المدخل إلى معنى عنوانه (أول) يفيد البدايات، و(التكوين) هو تكوين الشخص (7). نفهم، إذًا، أننا سنكون بصدد سيرة ذاتية، ما يفتح أفق انتظار القارئ على تلقٍّ حكائي بصيغة سرد حياة كما يرويها صاحبُها، وبالمواد البانية لها، وكما يبغي أن تُعلم وتُرى وتُفهم وتُفيد وتعظ. وإذا كان الناس جميعًا بدون تمييز يملكون سيرة شخصية، فإن الكاتب يحتاج إلى مسوِّغ لينتقل إلى وضعها، ولا بد سيفكر في طريقة نسجها قبل أن يرويها ومن أي زاوية، لأنه يعي ضمنًا أنه سيُقرأ كاتبًا ويُقوَّمَ نصه أدبيًا بخلاف السياسي والرياضي ومثلهما تُنتظر تجربته، أولًا.

بلقزيز أعدّ لهذا عدته بإثارة مسبقة للسؤال: "لماذا السّيرة؟ ماذا تريد من إيقاظ ماضيك(...) أهي سيرة ما تكتب أم حيلة لخروج النرجسية من شرانقها ورؤية محاسنها في مرآة صقيل؟" (8). يأخذ بيدنا يرشدنا في مَهْمه طريقه كأنه يخفف علينا من وعثاء ما سنلقاه ونحن نخطو في درب ما لم نتوقع".

1ـ إنه يتلقى وسيروي أول التكوين بـ(عين الذاكرة).

2ـ بعبارة أوضح، سيركب صهوة العودة إلى البدايات، بمعنى العود من حاضر إلى الماضي.

3ـ إنه ليس كاتب سيرة "لكنك تتلصص على بعض ما جاد به الزمان عليك واستنقذته من آفة النسيان".

4ـ سيروي من جود الزمان مجتزئاً ومتخيِّراً "اقتنص لك منه ما تقرأ فيه صورتك الآن"(10). وإذًا، فقد حدد وضعه (STATUT) وأعلن ميثاقه (PACTE) وأفصح عن هويته (متلصص VOYEUR) يُطل من ثقب باب الزمن الحاضر على دار الماضي.

5ـ وهذا هدفٌ جوهريٌّ من وراء القنص، اتخاذه إبدالًا PARADIGME" تصحح به ما فعلتْ فيكَ الأيام من ألوان التبديل"(10).

لقد قيل كلّ شيء، على غرار ما قاله مارسيل بروست في "ضد سانت بوف" (1954) هذا الولد الذي يلعب هكذا فوق الخرائب يتغذّى فقط من متعة ما تعطيه الفكرة التي يكتشف، يخلقُها وتخلقه، وجريًا على نهج دشنه أ.ر. غريي الذي كسّر مرآة استندال المتجوّلة العاكسة، ناقلًا رواية القرن التاسع عشر إلى رؤية منتصف القرن العشرين بعين بطله ماتياس: "المتلصص" (1955).

فعلامَ يتلصص عبد الإله بلقزيز، وبأي أداة؟ في الظاهر قال إنه سيذهب إلى بداياته، تعني الصِّبا واليفاعة، ولا بأس ببداية الشباب، ليروي ما تحفل به عادة واللهم استثناء. حددها عينًا في ما يُكوِّن الشخصية. أداته (استرجاع الماضي) من ضروع الذاكرة.

ماذا يسترجع؟ وعلى أي منوال؟ سؤالان أساسان يتوقف عليهما موضوع ومعنى ونوع هذه السيرة التي أصنّفها بلا تردد بالاستثنائية، بانتسابها إلى النوع واختراقها له من داخله لتتخلّق نصًّا أدبيًا مفردًا بذاتها وبه.
 
 
حكايات متفرّقة
لا تروي "أول التكوين" سيرةً تقليدية. لا زمن ولا مكان محددًالهما بصرامة، وتنتفي الكرونولوجية، معلوماتُ ومشاهدُ مبعثرةٌ عن الطفولة متراوحةٌبين الكتّاب القرآني وحضن الجدة والخال الذي ناب عن أب مات وهو في عامه الأول، وطقسالحمّام وحلقة الحكواتي في ساحة جامع الفِنا الشهيرة بمراكش مسرح وفضاء التكوينالأول ومعاينات الطريق، هي مٍزقٌ متفرقة، وأوائلُ خفق غرامي وغُلمة جنسية، عبورًابإشارات خاطفة إلى سنوات التعلم بين الثانوي والجامعي وجوّهما مع وصف مزاج التلميذونفسيته وغلو طبعه أحيانًا ونهمه للقراءة وذكره كتابه المفضلين وموهبة أدبية ناشئةثم ملكة فكرية مشحوذة.
 
بيد أن الأهم عند بلقزيز هو شرح الخاطر وأجواء النفس، ما يؤهل لوصف كتابهبسيرة الطباع والوجدان (الخجل، العزلة، الوحدة، الخيال، الولع بالحكاية، الصمت،) يسائلهاويقلّبها على وجوه محلقًا بالمجاز وأجنحة المحسّنات البديعية لا بالوصف المادي،فهو طيف لا إنسان، ما إن تقبض على خبر وفعل إلا وهجرهما إلى مجهول البيان وعليك أنتلاحقه ولن تصل في قاموس وأساليب الرّبائد القديمة يؤسس بها نصًّا عربيًّا بنيةالجملة فيه مسجوعة، والمفردات بلون وصورة وإيقاع.
 
 
لذلك، وبناءً على عرضي وما حددته من خصائص وسمات لهذا الكتاب، بوسعي أن أخلص إلى القول بأن بلقزيز الأديب فيه يبُزّ ُالأكاديمي والباحث المبرّز، يفتح لقرائه وطلابه بيته الداخلي لكن بأوشام ورموز، بسيرةٍ المطلوب منك فيها أن تخشع كأنك في محراب، وأن تتقرّى الكناية والاستعارة عبر مدارج تكوينين: الشخصية والنص، بينهما برزخ وجدان وبيان لا يبغيان. وهذا علِمنا منه عند شاتوبريان ومونتيني، وقليلاً عند مصطفى صادق الرافعي، وفيضاً لدى جبران خليل جبران، و"عنقود ندى" قطفناه في كروم المغربي مصطفى الصباغ، واليوم ثماره دانية القطاف فوّاحًا في بستان عبد الإله بلقزيز اختار أن يكتب السيرة الذاتية على غير شاكلة، من فمه أستعير سؤاليّ الأخيرين: "ولم تسأل نفسك لِمَ تسلُك في الكتابة الإغراب، فتنتقي من الألفاظ ما ربَد في المعاجم من ربائد اللفظ ممّا دالت دولتُها مذ ذوَى سلطانُ اللسان في الأعراب" (139) وزاد يسأل: "فلِم، إذًا، تكتب وراء حجاب الوضوح، وتُرسل القلم في خُيلائه سادرًا في غريبه يقول ما يقول، لكنه في القول لا يبوح، ولا يركب لمنطوقه العبارة الدقيقة؟" (ن)؟


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.