وصف كثيرون ما يجري في غزة الآن بأنه حرب إبادة ضد أطفال ونساء، حرب هدمت فيها مساجد وكنائس ومستشفيات ومدارس في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني. وأظهرت بجلاء ازدواجية معايير الغرب وعدم مساواته بين الأرواح في حق الحياة.
أعادت الحرب الإعلام التقليدي إلى الواجهة من صحف وقنوات تلفزيونية إخبارية ومراسلين يتابعون المأساة على مدار الساعة. وعادت المقاهي تجذب زبائنها لمتابعة المحللين السياسيين والعسكريين والبيانات والمؤتمرات التي لا تنقطع.
وانعكس ذلك كله على "السوشيال ميديا" لإعادة إنتاج ما يقال والتعليق عليه ونقده ونفيه ونقضه، ودعوات المقاطعة و"الشير" وبث الصور المأساوية، ومقاطع الفيديو، والتحايل على تحيزات تلك الوسائط وحذف المنشورات وتقييد الحسابات، باستعمال شفرات خاصة وتقطيع كلمات معينة. ولم يهدأ الكلام ليل نهار عن التلاعب بخوارزميات الفايسبوك!
تعبيرات فنية
بطبيعة الحال لا يتوقف الانشغال بالحرب عند التعبيرات السريعة والمباشرة أو تحليل ما قاله المشاهير مثل باسم يوسف، بل ثمة تعبيرات فنية موازية تخلق نفسها بنفسها، أهمها التلاعب بالصور و"الكوميكس" لإيصال رسائل محجوبة، أو السخرية من أمر ما، أو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لإعادة رسم المشهد كله وفق رؤية الباث. فمثلًا يتحول مشهد امرأة وأطفالها وسط الدمار إلى رسمة ضخمة تعبر عن الثبات والشجاعة.
الفن لا يغيب داخل تفاصيل المأساة، مثل التقاط صورة لشباب من أهل غزة يغنون وسط حطام البيت، أو رجل يحمل عوده، مثلما استغل مطربو المهرجانات والأفراح الشعبية في مصر الحدث فقدموا بطريقتهم أغنية للمتحدث العسكري لحماس "أبو عبيدة".
ورسم مئات الآلاف من أصحاب السيارات وسائقي التكاتك في مصر خريطة وعلم فلسطين على الزجاج، بأحجام مختلفة، كأن هذا الفن الشعبي العفوي يعيد خلق مليون فلسطين بدل تلك التي تُباد في الواقع.
كما عاد إلى الواجهة الكثير من الشعراء بنصوص إيقاعية كلاسيكية تتغني بفلسطين، وتستعيد رموزها التقليدية مثل شجر الزيتون والقدس والمسجد الأقصى والسيد المسيح عليه السلام. وهو تراث حاضر في الشعر والغناء العربي طوال القرن العشرين وتجلى في قصائد محمود درويش وفدوى طوقان مثلما في أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز.
تأخّر السّرد
إذا كانت فنون الشعر والأغنية والرسم تمتلك القدرة على رد الفعل الإبداعي اللحظي، وسهولة التأثير في الناس مثل "أوبريت الحلم العربي" الذي واكب الانتفاضة الثانية قبل أكثر من عشرين عامًا، فإن الفنون السردية مثل القصة والرواية، ليست حاضرة بتلك العفوية، ولا باتساع التأثير ذاته.
هناك روائيون أنجزوا سرديات مهمة عن القضية الفلسطينية مثل غسان كنفاني ورضوى عاشور وإلياس خوري وإبراهيم نصر الله، لكن تطلب السرد وقتًا خاصًا به، وخصوصية لا تجعله فنًا جماهيريًا آنيًا.
في ظل هذا السياق الصاخب بردود الأفعال، ارتأى الكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة، أن يفعله ما لا يفعله الساردون عادة، ويواكب الحدث ـ بطريقة الشعراء الفورية ـ لكن بنصوص سردية، أقرب إلى الشذرات، تستلهم روح "البوستات" في قلة عدد كلماتها واشتباكها مع اللحظة الراهنة، لكنها تتعالى عليها بأدبيتها، فهي تحول غزة بكل تفاصيلها ومآسي أهلها، إلى نص أدبي.
جاء الكتاب في أقل من سبعين صفحة بعنوان "دم سريع الالتهاب" (دار خيال للنشر) ثم أضاف له الكاتب سطرًا شارحًا مهمًا هو "كتابة من المسافة صفر عن غزة"، فمثلما هناك إصابة للأهداف العسكرية من المسافة صفر، حيث شاعت تلك العبارة في "السوشيل ميديا"، بإمكان النص الأدبي أن يُكتب لحظة الحدث، من اللحظة صفر وليس بعد مرور سنوات على وقوع الكارثة.
جاء النص الأول بعنوان "مؤذن خاص": قصفوا مئذنة الجامع/ حمّل تطبيق الأذان/ قطعوا الأنترنيت/ راح يؤذن بنفسه؛ فلم يستجب له من المصلين إلا أشلاء أطفال لم يبلغوا سن الصلاة".
يلخص النص طبيعة العدوان في قصف أماكن العبادة كالمساجد والكنائس، وفي عزل البشر (قطع الإنترنيت)، وقتل الأطفال. مع ذلك يستمر المؤذن في صموده، ويستمر الأطفال ـ رغم موتهم ـ في الحضور والصلاة نيابة عن الغائبين.

ليل غزة
في نص "خلل خاص" نقرأ: " شغل التلفاز فوجد الشاشة سوداء، طلب مصلح الأعطال، فنبهه إلى أن القناة تنقل مباشرة من ليل غزة".
يشير النص هنا إلى عملية المحو والإبادة بقطع الكهرباء ونشر العتمة، وحجب الحقيقة عن العالم، وإخفاء الضحايا في ليل طويل دموي.
ولجأ بوكبة إلى استعمال مفردة "خاص" كثيرًا في العنونة مثل: خيال خاص، لجوء خاص، وخبز خاص. ربما لتأكيد أنه يلتقط تفصيلة خاصة جدًا، مستلهمة من موقف بعينه، أو شخصية محددة، لكنها رغم خصوصيتها باتت عامة ومعبرة عن وجع البشرية كلها، وكشف عبثية اللحظة الإنسانية التي نعيشها جميعًا.
بطبيعة الحال لا تخلو العبارات أحيانًا من لغة مباشرة، وانفعالات صاخبة، تجاري ما يحدث، حيث ينتصر الألم على ضرورات الإبداع وشروطه الجمالية، ففي نص "شجاعة خاصة" نقرأ:
"جلس يكفن ابنه في الصبيحة نفسها التي ولد فيها! وهو يبكيه انتبه إلى أن طاعنين في الحياة يهربون من الموت، بينما استقبله هو بلا مبالاة! قام يصفق له".
يعكس النص المشهد الواقعي ـ على فرادته ـ كما هو، أطفال رضع قتلوا يوم ولادتهم، وفرح الآباء الظاهري باستشهادهم. أي أن بعض النصوص لا توغل في التخييل، ولا تشييد المفارقات، بل تكتفي بمهمة التوثيق اللغوي لما رآه العالم على شاشة التلفزة.
علق بوكبة على تفاصيل ما جرى ويجري من خلال 62 نصًا قصيرًا يجمعها الهم كله، كأنه يرسم صورة لغوية مكبرة للحدث، ملتزمًا بالبناء الشذري، فلا يتجاوز النص الواحد بضعة أسطر، وهو أقرب إلى أدبيات القصة القصيرة جدًا، التي تعتمد على لغة شديدة الكثافة، قريبة من روح الشعر وأخيلته، وتؤسس على المفارقة الخادعة بين المقدمة والنهاية، أو السبب والنتيجة.

روح المفارقة
في نص "قنبلة خاصة" نقرأ: "سقطتْ قنبلة في فناء داره لكنها لم تنفجر! خمن: ربما هي تفكر هل تقتلع الزيتونة أم الليمونة أم التينة أم.. ثم حسم: هي لم تنفجر لأن البيت خالٍ من الأطفال. علي ألا أخبرها أنني أطلقت أسماء أطفالي الذين ارتقوا على الأشجار".
يتأسس هذا النص على أكثر من مفارقة، منها أنسنة القنبلة رغم تدميريتها، فهي تفكر وتتأنى قبل أن تنفجر، ويستنتج من تريثها أنها تبحث عن أطفال، أو لم تجد ما يستحق التفجير، بعد تدمير كل شيء. المفارقة الثانية أن البطل عوض استشهاد أطفاله بإطلاق أسمائهم على الأشجار لتصبح بيوتًا لأرواحهم.
وهكذا تتوالد النصوص استلهامًا من تفاصيل المأساة، ثم إعادة صياغتها لغويًا وفق منطق المفارقة بين العرض والقفلة. لكنها تتفاوت في قدرتها على الاحتفاظ بشعريتها الفنية، وقد لا تنطوي إلا على قيمة توثيقية.
وربما كان بإلامكان أن تصاحب النصوص الشذرية مجموعة من الرسومات واللوحات التي تضفي مزيدًا من التنوع والجمالية. لكن يحسب لعبد الرزاق بوكبة أنه لم يكتف بالتنفيس عن غضبه عبر "بوستات" انفعالية عابرة، بل وثق وجهة نظره وموقفه في رؤية إبداعية مواكبة لمأساة غزة.
نبض