10-11-2023 | 18:20

مزاعم ميتشل بارْد عن لوبي عربي يقوّض مصالح أميركا

يزعم ميتشل بارْد Mitchell Bard في كتابه "اللوبي العربي" The Arab Lobby أن هناك "تحالفاً خفياً يعمل على تقويض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط".
مزاعم ميتشل بارْد عن لوبي عربي يقوّض مصالح أميركا
Smaller Bigger
يزعم ميتشل بارْد Mitchell Bard في كتابه "اللوبي العربي" The Arab Lobby أن هناك "تحالفاً خفياً يعمل على تقويض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط".

يطلق بارْد على هذا التحالف مسمى "اللوبي العربي"، ويقول إنه ربما وجِد قبل أن يوجد "اللوبي الإسرائيلي"، ثم تغلغل وتوغّل في دوائر صنع القرار في البيت الأبيض والكونغرس، ليعرقل سياسات تبتغي استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط! كتاب بارْد صدر باللغة الإنكليزية في أغسطس (آب) 2010، ونشر المركز القومي المصري للترجمة، مؤخراً، نسخته العربية التي أنجزها نشأت باخوم، وقدَّم لها الدبلوماسي المصري السابق مصطفى الفقي.

لكن تقديم الفقي المؤرَّخ بعام 2016، أي قبل ظهور الترجمة للنور بنحو سبع سنوات!

لم يتعمق في مضمون الكتاب، على خطورة ما ينطوي عليه من انحياز سافر لإسرائيل. ومن هنا يبدو أمراً غريباً أن يصف الفقي بارْد بأنه "محايد وموضوعي"، وهو يكتب عن "لوبي عربي في أميركا يبارك الإرهاب ويدعمه"، و"يقوض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط"، وبالتالي لا يوفر جهداً لعرقلة أي مساعٍ لإحلال السلام مع "الدولة الوحيدة الديموقراطية" في المنطقة. وفي ظل الحرب الراهنة على غزة والانحياز الأميركي ضد حقوق الشعب الفلسطيني، يبرُز دور اللوبي الإسرائيلي في استمرار ذلك الانحياز أياً مَنْ كان يسكن البيت الأبيض، وبصرف النظر عمّن يحوز الأغلبية في الكونغرس.

ثم يبدر على الذهن سؤالٌ عمَّا يمنع أن يكون للعرب تأثيرٌ مماثل، ليتحقق على الأقل التوازن في التعاطي الأميركي الرسمي مع قضيتهم الأساسية، بما أنه دائماً ما يقال إن واشنطن هي الأقدر على تحريك المياه الراكدة في نطاق ما يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي؟ ثم قد لا نجد ما يمنع من أن نطرح الأسئلة التالية: هل هناك حقاً لوبي عربي داخل الولايات المتحدة الأميركية؟ وهل يمثل هذا اللوبي، إن وُجِد، مصالح الدول العربية ويعبر عنها ويقاتل من أجل تحقيقها بحق؟ إن كان هناك وجود لهذا اللوبي، فما المكاسب التي حققها وما مظاهر نجاحاته ومناطق إخفاقاته؟

 
 

الانحياز لإسرائيل

يجيب كتاب بارْد عن هذه الأسئلة، ولكن في سياق انحياز مطلق لإسرائيل. وليس هذا مستغرباً من باحث يعتبر عضواً في "اللوبي الإسرائيلي" (إيباك)، وبالتالي لا يمكن وصف ما يقوله بشأن "لوبي عربي يدعم الإرهاب"، على أنه كلام موضوعي ومحايد. وميتشل بارْد المولود في عام 1959.

وبحسب التعريف به الوارد في نهاية الطبعة العربية من كتابه "اللوبي العربي" هو المدير التنفيذي للمؤسسة التعاونية الأميركية الإسرائيلية AICE وهو مدير المكتبة الافتراضية اليهودية، التي تعتبر الموسوعة الأكثر شمولاً في العالم عن التاريخ والثقافة اليهودية على الإنترنت. وهو أيضاً رئيس تحرير جريدة "تقرير الشرق الأدنى"، وهي النشرة الأسبوعية للجنة الشؤون الأميركية – الإسرائيلية (إيباك) AIPAC وهو من أشهر الكتاب الأميركيين المنحازين للصف اليميني في الإدارة الأميركية، المنحاز بدوره إلى إسرائيل والصهيونية على وجه التحديد. ومن هنا كان ينبغي على المركز القومي للترجمة أن يستعين بمن يكتب مقدمة إضافية للنسخة العربية تفند ما ورد في الكتاب من افتراءات ضد العرب.              

في 1990 حصل ميتشل بارْد على الدكتوراه عن أطروحة أظهر فيها "الميزة النسبية للوبي الإسرائيلي". ثم راح يردد بأنه لا ينكر "حق الأميركان من أصل عربي أو من يدعمون قضيتهم في أن يسعوا لتحقيق أجندتهم ومحاولة نصرة قضيتهم". لكنه لم يتوقف عن الزعم بأن من بين هؤلاء يتشكل "تحالفٌ خفي"، هدفُه أبعد من مجرد نصرة قضية. ويناقض بارْد نفسه عندما يقول إن باراك أوباما الذي صوّت 80 في المئة من اليهود لانتخابه رئيساً للولايات المتحدة، "فعل كل ما في وسعه لإرضاء العرب والعالم الإسلامي"، بتأثير من ذلك اللوبي العربي الخفي، المزعوم. والحقيقة أن أوباما أعيد انتخابه بعد انتهاء ولايته الأولى.

فهل حدث ذلك بفضل "اللوبي العربي" الذي تكتل ليكافئ الرجل على خدماته؟ وفي حقيقة الأمر، لم يقدم باراك أوباما خلال فترتي حكمه شيئاً للقضية الفلسطينية، على الرغم من حصوله على جائزة نوبل للسلام قبل مرور سنة على توليه الحكم، بل كان منحازاً لتل أبيب التي ضاعفَ لها المساعدات التي تحصل عليها من بلاده.

 

 

هدف الكتاب

ولا يُخفي بارْد أن هدف كتابه الذي نعرض له هنا هو الرد على كتاب "اللوبي الإسرائيلي" لستيفن والت، وجون ميرشيمير. ويقول بارْد في مقدمة كتابه إن "اللوبي الإسرائيلي"، جاء "ضمن تاريخ طويل من نظريات المؤامرة التي تقترح وترى أن اليهود يتحكمون في كل شيء من الإعلام إلى الكونغرس الأميركي إلى النظام المالي الكوني والمؤسسات المالية العالمية". ويقول بارْد: "احتضن منتقدو إسرائيل هذا الكتاب وتبنوا أفكاره؛ لأن حجته تتلاءم بصورة تامة مع تصوراتهم في ما يخص المجموعة اليهودية المسيطرة التي تتحكم في السياسة الأميركية وتوجهها، لكن كان عليهم أن يشعروا بالحرج والإهانة بسبب تلك النغمة العنصرية، الأبوية في الكتاب، والتي تصور العرب وتنعتهم بالضعف والعجز وعدم القدرة على تقرير مصيرهم أو على التأثير في أفعال الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي تم فيه فحص اللوبي الإسرائيلي بهوس وشيطنته وتشويهه، ثم إنكار دور اللوبي العربي وتقزيمه أو تجاهله".

كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأميركية الخارجية"، ألّفه جون ميرشيمير؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وستيفن والت؛ أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد وصدر في 2007، وتعرض كاتباه لهجوم عنيف من جانب التيار الداعم لإسرائيل والذي يضم يهوداً ومسيحيين صهيونيين، لأنهما كشفا تأثير ذلك اللوبي الضار على السياسة الأميركية الخارجية ومصالح أميركا، وحتى مصالح إسرائيل نفسها.

ويقر بارد بأنه أقدم على وضع كتابه ليرد على الدعاية التي منحها كتاب "اللوبي الإسرائيلي" للعرب وما يتعرضون له من ظلم. ويضيف أنه انطلق من ذلك السبب ليكشف "انهماك اللوبي العربي (عقب وصول باراك أوباما للحكم) في حملة عالمية ناجحة بصورة مدهشة من أجل نزع الشرعية عن إسرائيل ونبذها". ويستطرد: "مع ذلك، فالأكثر أهمية هو أنها قصة لم ترو أبداً ويجب أن يتم عرضها وتوضيحها حتى يفهم عامة الناس المدى الذي يسعى اللوبي العربي للوصول إليه من أجل التلاعب بالسياسة الخارجية الأميركية".

 
 

القيم الأميركية!

ويرى بارْد أنه "يجب على الأميركيين أن يعرفوا ماهية اللوبي العربي وكيف يعمل ويتحرك على الأرض، ومكمن خطورته". ويضيف أن هذا اللوبي يستخدم موارده المالية الهائلة لزرع الشقاق بين أميركا وإسرائيل، والتأثير على سياسة الولايات المتحدة، ما أدى بالإدارات المتعاقبة لأن تتجاهل قيماً أميركية أساسية من أجل تدعيم الأنظمة العربية القمعية، كما أنه اخترق أمن أميركا وأضعفه، واخترق كذلك النظام التعليمي وتغلغل فيه محاولاً خلق فهم مشوه للإسلام والشرق الأوسط بقصد إضعاف دعم العلاقات الأميركية الإسرائيلية.

يزعم أيضاً أن اللوبي العربي في الولايات المتحدة والذي يسميه أحياناً بلوبي النفط، قديم قدم اللوبي الإسرائيلي إن لم يكن أقدم منه، وتدعمه حكومات 21 دولة عربية، ومعها حكومات دول إسلامية غير عربية! إلا أنه لا يتمتع بدعم شعبي كما هي الحال بالنسبة إلى اللوبي الإسرائيلي الذي يعكس بتعبير السيناتور توماس ماكنتاير عام 1974، "الإرادة القوية لغالبية الأميركيين". وسبق أن عرَّف بارْد اللوبي العربي في كتاب آخر عنوانه "حافة الماء" بأنه "تلك الجهات الفاعلة الرسمية التي تحاول التأثير على السياسة الخارجية الأميركية لدعم مصالح الدول العربية في الشرق الأوسط". ويروج بارد للقول بأن الرأي العام الأميركي يعتقد أن إسرائيل حليف استراتيجي فعال وموثوق به، وأن تقديم الدعم للدولة العبرية هو في مصلحة أميركا. ويضيف: "لقد تم استثمار مئات الملايين من الدولارات في حملة طويلة الأجل؛ لتجميل صورة العالم العربي وتشويه سمعة إسرائيل ونفي التطرف عن الإسلام وتمجيد النضال الفلسطيني. وعلى الرغم من أن جهود الضغط تلك لم تؤثر في الرأي العام بعد، ولم تغير موقفه أو توجهاته، فإن الدعم العام الذي تحوزه إسرائيل لم تتم ترجمته لدعم تلقائي للسياسات الإسرائيلية أو لأجندة اللوبي الإسرائيلي". ويخلص إلى أنه يمكن حصر المصالح الأميركية في الشرق الأوسط في ما يلي وبهذا الترتيب: ضمان إمدادات النفط، تعظيم فرص التجارة، احتواء التطرف الإسلامي ومكافحة الإرهاب، ضمان أمن إسرائيل، تعزيز الديموقراطية. لكن الواضح لكل ذي عينين هو أن واشنطن تضع ضمان أمن إسرائيل في صدر قائمة أولويات مصالحها في الشرق الأوسط، وموقفها الداعم للعدوان الإسرائيلي المتكرر على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية على حد سواء يؤكد ذلك. كما يزعم بارْد أن "اللوبي العربي" هو جزء من التنظيمي للسلطة، بينما اللوبي الإسرائيلي (إيباك) بعيد من الحكومة، ويعمل في العلن ويتحلى بالشفافية. ويؤكد - من دون تقديم أدلة إلى صحة ما يذهب إليه - أن الكثير من أذرع اللوبي العربي "تعمل في الخفاء ويصعب تتبع مؤامراتها ودسائسها". ويضيف أنه "لولا النفط لما اهتمت الولايات المتحدة أبداً بالعرب"، وأنه "عندما استخدمت (أوبك) سلاح منع إمداد أميركا وغيرها من الدول الداعمة لسلب الحقوق العربية بالنفط، خلال حرب 1973، فإن ذلك كان من دافع المصلحة الذاتية أكثر منها بدافع الولاء للفلسطينيين" ص 441. وأخيراً فإنني أكرر: أما كان يجدر بالمركز القومي للترجمة أن يخصص مقدمة لترجمة كتاب بارْد هذا، ترد على مزاعمه والتي اختتمها بالتحدث باسم الشعب الأميركي قائلاً: "لقد حان الوقت للتخلص من دعم العلاقات والروابط مع دول لا تشاركنا قيمنا ومصالحنا واهتماماتنا"!

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة