17-10-2023 | 11:14

القلق والارتحال في رواية "من جراب الكنغر"

تطلع الحكايات من نواميس الأرض وهي تعج بالتحولات؛ تبدو ساكنة في ظاهرها، موارة في جوهرها، تحمل في جوفها عرق الفلاحين وأناتهم، ضحكهم وبكاءهم . مثلما تحمل في جوفها موتاهم، حيث قتلى السخرة والعبث. عالم ثري مسكون بالحكايات تعج به المتوالية الروائية "من جراب الكنغر" للروائي المصري أحمد محمد عبده، والصادرة في الإسكندرية عن مركز (ليفانت) للدراسات الثقافية والنشر. إن جراب الكنغر الذي يربي فيه حيوان الكانجارو صغيره ويرعاه، يبدو هنا مثل جراب الحاوي فيه من كل لون وعلى كل لون.
القلق والارتحال في رواية "من جراب الكنغر"
Smaller Bigger
 تطلع الحكايات من نواميس الأرض وهي تعج بالتحولات؛ تبدو ساكنة في ظاهرها، موارة في جوهرها، تحمل في جوفها عرق الفلاحين وأناتهم، ضحكهم وبكاءهم، مثلما تحمل في جوفها موتاهم، حيث قتلى السخرة والعبث.
عالم ثري مسكون بالحكايات تعج به المتوالية الروائية "من جراب الكنغر" للروائي المصري أحمد محمد عبده، والصادرة في الإسكندرية عن مركز (ليفانت) للدراسات الثقافية والنشر. 
 
إن جراب الكنغر الذي يربي فيه حيوان الكانغارو صغيره ويرعاه، يبدو هنا مثل جراب الحاوي فيه من كل لون وعلى كل لون.

علامات دالة 
يصدر الروائي المصري أحمد عبده نصه بأكثر من مقطع، فتصبح جميعها علامات دالة إلى جوهر النص، وتقديمة درامية لما يحويه، من الإهداء الدال (إلى أجدادي.. على الأقل في الألف عام الأخيرة، أنا أراكم جيدا وأنتم لا ترونني، أراكم في تقاطيع وجوهنا، وفي تقاسيم شخصياتنا، وفي شكل خطواتنا، في قرون الفول، وفي كيزان الذرة، بعثرتكم الرياح في الوديان، وعلى الهضاب والسفوح والتلال، هطلت عليكم الأمطار مرة، وامتنعت مرات، وكنت أنا إصرار بذوركم على الإنبات، رغم الجفاف، فهل أنا خلاصتكم، أم تنحت علي في الطريق خصال وسمات؛...). 
مروراً بعوالم الاستشراق بجمله الطافحة بمعاينة الأنا من زوايا الآخر المعتقد في تفوقه باستمرار، حيث الإشارة إلى المستشرق الفرنسي بارتلم سانت هيلار، إلى تصدير المؤلف ذاته بلغته ذات النزعة الشعرية، وخطابه السردي النافذ إلى سيكولوجية المتلقي: "من ذاكرة ابن آوى والجعران وأبو منجل وتماسيح النيل، ونقيق الضفادع في حقول الأرز، وموسيقى الضفادع في الترع والقنوات قبل تطهيرها، والبوص والهيش والحلفاء وذيل القط، والسبخ والسنط والجميز والصفصاف، وحجارة تل بسطة، وتماثيل صان الحجر، وحكايات تل يوسف، وأساطير الجبانات، وأوراق البردي، ومواويل الكرباج، ودوار العمدة، والخفراء، وشيخ الخفراء، ومواويل السلطة، وحكايات السخرة في حفر القناة؛ وفي البحر الصغير، وفي الرياح التوفيقي، وبحر مويس، والقناطر التسعة، وترعة البوهية وترعة الحلوة، وحكايات الكنغر التي يحملها في جرابه، ويظل يقفز بها عبر السهول والوديان" ( ص 8). 
ووصولاً إلى توظيف جملة من المتن الروائي ذاته للشخصية المركزية الملهمة (الحديدي) الذي يهيمن على فضاء السرد في القسم الأول من الرواية (الكتلة الأولى).
 
 
 
 
 تنويعات سردية
تتشكل المتوالية الروائية من ثلاثة أقسام مركزية، يطلق الكاتب على كل قسم منها مسمى الكتلة، تسيطر عليها جميعها تيمة الارتحال القلق، حيث يصبح النص بمثابة رحلة متصلة منفصلة بين جنبات المكان بتنويعاته المختلفة. 
ثمة حكايات مركزية تشكل المتن الحكائي للقسم الأول من الرواية (الكتلة الأولى)؛ حيث يلوح حفر قناة السويس، والفرار لأسرة الحديدي بعد مقتل ابنها عيد أو فقدانه على سبيل التهوين، من الشرقية إلى نبروه إلى برمبال القديمة إلى تمى الأمديد.
هناك أيضاً حكاية أوجيني إمبراطورة فرنسا، وحمار الحديدي الذي ركبته فرحةً بالمشهد، ثم حكاية العثمانلي الغريب الأطوار، الذي يقبل الجميع ويحتضنهم بنعومة خبيثة وطراوة مائعة، وبصل الحديدي الذي كان آخر ما يزرعه في قريته التابعة لزمام مديرية الشرقية. 
وهناك أيضاً عشرات الحكايات الفرعية في القسم الأول، بدءاً من مقتل عيد الحديدي قرباناً للوصل بين الشرق والغرب! حيث يلقى حتفه في حركة مفاجئة وعبثية من الخواجة الفرنسي ترهيباً للقادمين قهراً من القرى المصرية، حين يستعرض أسماء الفلاحين المشاركين في حفر القناة (متولي.. عبد الصمد.. محمد.. محمد.. محمدين. وليم.. جرجس.. بطرس...). عشرة آلاف في الخروج البكر يتبقى منهم ستة آلاف لم يقتلهم السل أو الإعياء.
مروراً بالارتحال الفزع لأسرة الحديدي (مبروكة، سعداوي وشناوي وزوجتيهما)؛ والحمار الذي مات من الإنهاك، والكلب الذي بقر بطن الحمار وأكل (لية النعجة)! فالجوع والخوف يحاصران أسرة تفر من موت ابنيها الذي بات على الأبواب.
ثمة نزوع ساخر في السرد على الرغم من تلك المرارات، والعذابات المثقل بها النص، تلوح تلك النزعة الساخرة الدافعة إلى التأمل، والمولدة للمعنى في الآن نفسه في حكايتي (أوجيني والحمار)، والعثمانلي والأحضان الملغزة. 
تتواتر في النص أيضاً تضمينات، وتناصات متعددة. 
وتنهض المتوالية الروائية هنا على تكنيك الفجوات الزمنية، التي تسمح بانتقالات سردية مرنة، تتشارك في خصوصية العالم الداخلي الذي تحكي عنه، في الاتكاء على زوايا المكان الريفي، وفي استحضار لغة ومعجم ريفي بامتياز، يكشف عن الغوص في استكشاف مساحات أعمق في البيئة المحلية المسرود عنها، وربما يبرز هذا على نحو أكثر في الكتلتين الثانية والثالثة.
 
 
 
 
البطل "الحديدي"
دوماً هناك "الحديدي" الذي يصير اسماً رامزاً على القدرة على العيش في كل تلك الأجواء القاسية، ومثلما كان هناك سعداوي وشناوي نجد في الكتلة الثانية (القسم الثاني) من الرواية شهوان وعبد البصير.
تنطلق الكتلة الثانية من حادثة "الكنيف"، أو خلو الدور من الحمامات، حيث تل السامر مكاناً للراحة التي لم يعرفها شهوان حتى وهو يداعب هنومة في الجزء الأول من القسم الثاني في قلب الظلام. وهي تقضي حاجتها في مرتع تل السامر.
وهناك "السبخ" المعد من كوكتيل من روث البهائم والكلاب والذي ينحت منه الحديدي تمثالين يختتم بهما الكاتب الجزء الثاني من القسم الثاني يشبهان امرأة البدري وامرأة حسين.
يضيع شهوان ويتمسك الحديدي بفتوى الشيخ من أن الحمامات تجلب الشياطين إلى البيوت.
ويحكي الحفيد وتتدافع الصور السردية عن المكان، 
وفي الكتلة الثالثة يصبح البحث عن الجذر تعبيراً عن محاولة استنبات التاريخ الشخصي للعائلة المحكي عنها (عائلة الحديدي) التي ظلت جذورها تشبه جذور الخروع، وتصبح المتوالية رصداً لتحولات متعددة للحديدي المستنسخ عبر حقب وعقود زمانية مختلفة.
تبدو رواية "من جراب الكنغر" إضافة نوعية لمتن المشروع السردي للكاتب أحمد محمد عبده، من قبيل نصوصه المتميزة "مكاشفات البحر الميت"، و"ثعالب في الدفرسوار"، و"الجدار السابع"، و"نقش في عيون موسى"، وغيرها.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.