حين يرحل أحدهم، ثمّ ينتابك شعورٌ بأنّ ثمة زمناً يغيب وجزءاً من التاريخ يتلاشى، فاعرف أنّ هذا الراحل هو مبدعٌ لن يتكرّر. وهذا ما شعره كثيرون بعد نبأ رحيل الفنانة نجاح سلام.
رغم غيابها عن المشهد الفنيّ والاعلإمي، ظلّت حاضرة باعتبارها واحدة من آخر الرموز الفنية في عالمنا العربي. ولا شكّ أنّ وجود مثل هذه القامات الكبيرة يُشعرنا بأنّ الجسر ما زال موصولاً بيننا وبين زمنٍ جميلٍ ولّى الى غير رجعة.

عاشت نجاح سلام حياةً مديدة وغنية (92 عاماً)، فنياً وإنسانياً. وإذا أردنا أن نختزلها بكلمةٍ واحدة، فيمكن وصفها بأنّها حياة متوازنة. وليس سهلاً، إن لم نقل مستحيلاً، أن يحقق الفنان توازناً في عالمٍ قائمٍ على الإغراءات والرغبات والتقلّبات.
فهي كانت الفنانة والزوجة والأم والمغنية والملتزمة، ويبدو مما وصلنا منها وعنها، أنّها نجحت في أن تكون كلّ ما أرادت. عرفت كيف "تُدوزن" المعايير المتفاوتة لتصنع منها تجربة تتوافق فيها المتناقضات، ولا تتعاكس.

ولعلّ اسمها نفسه، نجاح سلام، هو انعكاس لحياة كاملة عاشتها بين نجاحٍ فنيّ ساحق، وسلامٍ نفسيّ عميق. فلا يتبدّى خلف ابتسامتها الدائمة وجعاً، ولا نسمع في نبرة صوتها حزناً. بل كانت مبهجة في غنائها وكلامها وحتى أفلامها.
نجاح سلام، حفيدة مفتي بيروت عبد الرحمن سلام، خرجت من بيتٍ بيروتيّ عريق ومحافظ، لتدخل عالم الفنّ ببريقه ومغرياته، من دون أن تشعر باغترابٍ داخل الوسط،أو أن تتمرد على قيم تربيتها.
ومع أنّها عُرفت بالاتزان والاحتشام منذ بداياتها، قدمت نجاح سلام أغنيات اتسمت بشيءٍ من الجرأة الطريفة، فنادت المحبوب باسم دلعه "برهوم حاكيني"، وتغزّلت بوسامته "الشاب الأسمر جنني"، ودعته إلى صحن التبولة في "ميّل يا غزيّل".

ولا شكّ أنّ هذه المرونة في شخصيتها وقدرتها على الانسجام في بيئات مختلفة، هما نتيجة تربيةٍ تجمع بين الأصالة والحداثة، الفنّ والالتزام، العلم والدين.
فوالدها الكاتب والمفكّر اللبناني محيي الدين سلام، هو أحد أبرز الملحنين وعازفي العود في زمانه، وهو من علّمها أصول الفن والنطق، وأخذ بيدها من بيروت إلى مصر في أواخر الأربعينات، حيث تعرّفت إلى أم كلثوم وفريد الأطرش والشيخ زكريا أحمد والسنباطي.
وهذا الاحتضان العائلي ساهم في ترسيخ ثقتها بنفسها وبفنها، هي التي بدأت بخطواتٍ فنية ثابتة وواثقة.

هذه الثقة تترجمت في اختياراتها، هي التي لمعت في مصر عبر أغنيات لبنانية بحتة. ورغم عشقها للقاهرة وشهرتها هناك، لم "تتمصرن" نجاح سلام، بل ظلّت متمسّكة بهوية الأغنية اللبنانية التي كانت في طور التشكّل، قبل أن تتخذ شكلها النهائي مع أغنيات الأخوين الرحباني وفيروز.
.jpg)
ورغم أنّها تربّت على أداء الموشحات والابتهالات والأغنيات الصعبة، قرّرت نجاح سلام في بداية مسيرتها أن تبني لنفسها شخصية فنية خاصة، فاختارت الخط الشعبي، يوم كانت صفة "شعبية" تحمل كثيراً من الرقي والجمال، بخلاف مدلولاتها السلبية و "السوقية" في زمننا الراهن.
أولى أغنياتها كانت "حوّل يا غنّام"، قبل أن تدخل التمثيل وتؤدي في فيلم "ابن ذوات" أغنيات جعلت منها نجمةً بارزة، مثل "الشب الأسمر" و "برهوم".
من الأب الفنان، انتقلت نجاح لتكتب فصلاً جديداً في حياتها المهنية والإنسانية مع رفيق دربها الفنان محمد سلمان. وشكّلا معاً أحد أشهر الثنائيات الفنية العربية.

عُرفت نجاح سلام بمواقفها الإنسانية والوطنية، فكانت داعمة للقضية الفلسطينية عبر فنها، من خلال تبرعات وحفلات أحيتها في القدس ترفيهاً عن جرحى الحرب في فلسطين في العام 1949، وأحدثت ضجة كبيرة حينها.
بين "حوّل يا غنّام" (أولى أغنياتها) و "يا زمان الوفا" (آخرها)، عاشت نجاح سلام مسيرةً فنيةً حافلة، عمرها أكثر من نصف قرن. ظلّت خلالها رمزاً للأغنية الشعبية وللفنّ الرفيع والملتزم. وستبقى.
نبض