"سيرة وحيدة لقرية صغيرة"... تعكس تنوّع العالم بأسره
لطالما حملت سردية القرية حضوراً متواتراً في الكتابة المصرية، وتنوّع التعبير الجمالي عنها وتعدد ما بين زوايا نظر رومانتيكية، وأخرى واقعية، وثالثة أسطورية تستخدم مخزون الخيال الشعبي داخل المكان؛ متكئة على خليط من ظلال رومنطيقية وواقعية معاً.
وفي رواية "سيرة وحيدة لقرية صغيرة" (منشورات بتانة، القاهرة)، يعاين الروائي المصري بيتر ماهر الصغيران عالم القرية من منظورات متعددة، تغاير عنوانه المراوغ "سيرة وحيدة".
أمّا القرية الصغيرة فقد تم الإشارة إليها بحرفين مبهمين ( هـ ي)، وحملت طبيعتها وتضاريسها التي شكلت جزءاً مركزياً من جغرافيا السرد داخل الرواية مزيجاً من مركبات بين النهر والجبل، الريف والصحراء. وانقسم ناسها إلى ملاك في البر الغربي وبائسين في الناحية الشرقية، فضلاً عن أهل الجبل المطاردين والمغيرين؛ لتتعزز الثنائيات الضدية والمتعارضة هنا، وتبدو حجر زاوية في البناء الروائي.
البناء الرّوائي
انقسم البناء الروائي على المستوى الشكلي إلى جزءين أساسيين يشكلان متن الرواية، يبدأهما الكاتب بتقديمة درامية مخاتلة تحيلك إلى الآن وهنا. وتعتمد في بنائها على تكنيك الخطاب الذي يعتمده الروائي في أحيان أخرى آلية جمالية تتخذ تمظهرات متعددة، من قبيل "خطاب رسمي موجه من الطالب في معهد السينما حليم رزق حليم إلى عميد المعهد العالي للسينما"، أو اتكأ على صيغة المذكرات في نهاية الجزء الأول؛ حيث البوح الكاشف عن التحول الدراماتيكي في شخصية الجد حليم. وهكذا.
قرية منسيّة
ثمة قرية منسية مملوءة بكنوز الحكايات، يبحث عنها وعن آثارها الغاطسة، أو بالأحرى عن تاريخه الشخصي وسيرته هو وأجداده دارس السينما الشاب "حليم رزق حليم رزق".
وهذا هو الاستهلال السردي الذي تنفتح عليه الرواية، وينفتح عليه عالمها، وينفتح أيضاً أمام حليم ذاته جانباً مطموراً عن حكايات جده الأول رزق: "كتب خطابه، وانتظر الرد عليه لمدة أسبوعين، حتى جاء الرد بالموافقة، عندئذ استعد بكل ما تم منحه من إمكانيات لعمل الفيلم، واستعد للبحث عن جذور العائلة التي تشتت أعضاؤها في أكثر من مكان بالعالم".
تقدم الرواية رزق الأول، أو البطل رزق كما يصفه السارد الرئيسي، بوصفه بطلاً شعبياً لم يخلُ رسمه من صفات أسطورية، ولم يغب الخيال الشعبي عن نسج الحكايات عنه (يرفع بوابة العمدة وحده والتي لا يحملها أقل من عشرة رجال)، وتنسال الحكايات بشأنه، ويتدخل المخيال الشعبي في نسج الأساطير حول الشخصية، حيث يراه بعضهم وقد صادق "جنية" تمنحه القوة. ويلعب "طوبار" دور الراوي الشعبي داخل القرية، الحامل قدراً لا بأس به من الثقافة والذي يجمع الأطفال والكبار ليحكي لهم جانباً من سيرة الأجداد، والأبطال، والغابرين.
وتصبح مرويات طوبار سبباً في التماس النفسي بينه وبين حليم الابن الذي فقد أباه رزق البطل في حادثة لم يقطع أحد بكيفية حدوثها، ولم يبق منها سوى (غرق رزق.. مات رزق البطل).
وعلى حواف القرية الهادئة ظاهرياً، ثمة دار يقيمها شيخ البلد لليتامى والبعيدين من أهلهم. وتكبر الحكايات مع الأطفال، ويتنامى السرد في التعبير عما أسميه تحولات المكان/ تحولات البشر، حتى نرى ذلك التحول الدرامي، فالحرب العالمية الأولى قد دق جرسها، والسخرة والدفع إلى الموت قد صار على الأبواب ينادي الفتية والرجال.
وهنا تنحو الرواية صوب استخدام تيمة الارتحال، وتتمحور حول بطلها في القسم الأول حليم الابن، الذي يذهب إلى السويس وسيناء محاصراً بالموت من كل جانب، وحينما يموت رفيقه (شفيق) هناك، ينتظر دوره في الفناء، ولا ينفذه من التيه في دروب الصحراء سوى الشيخ وهدان وولده جابر، ويأخذانه معهما إلى غزة وفلسطين، فيعاين سيرة جديدة، يعود بعدها محملاً بالمال بعد سنوات إلى قريته (هـ ي) وتصبح الإبانة عن الثغرة الزمنية وسيلة للكشف عن التحول الدرامي في شخصيته التي تلت عودته إلى القرية. ففي آخر الجزء الأول ندرك آثار الخيانة التي تمكنت منه حين تلاعب بابنة الشيخ، ثم باعه لخصومه وسلمهم مفاتيح خزائنه مقابل العودة والخروج الآمن.
هنا ستجد أيضاً أنيس ابن عطا، رجل الجبل الذي يعقد الصفقات المستترة مع شيخ البلد، وتبدو قدرة الكاتب هنا على الغوص في النفس البشرية، وعدم التعامل الرومانتيكي معها. وتنفتح مصائر الشخصيات على تحولات متعددة، فأنيس مثلاً يأتي بمدام ماري لتعلم الفتيات فنون الغواية العصرية، ويتحول إلى قواد رخيص طمعاً في الثراء.

تحوّلات دراميّة
ويستهل الكاتب الجزء الثاني من روايته بدءاً من لحظة التحول الدرامي في شخصية حليم، وظهور شخوص آخرين على مسرح الأحداث: "القبعة الغريبة لامراة أجنبية تسير في شوارع (هـ ي)، ارتدت فستاناً زاهياً شكلت الورود الحمراء الصغيرة فوقه لوحة كثيرة التفاصيل؛ لتظهر مدى الذوق الذي اتسمت به صاحبته ذات العينين اللبنيتين، وكحل أسود يرسمهما، ويضعهما بين خطين. يتطاير الشعر الأصفر مع الهواء، بينما الرقبة الطويلة البيضاء التي شعت في أعين رجال القرية أثارت سيلاً من الأسئلة: هل توجد امرأة بهذا التناسب أم هو خيال الرجال؟ سار خلفها بعض الصبيان والصبايا الذين قلدوا مشيتها... " (ص 183).
وتشير (هـ ي) إلى قرية نائية تمثل نهاية العمران، في مقابل قرية (أ ب) التي تشير إلى أوله، وهي الإشارة الواردة في نهايات الرواية.
يتوافد على القرية آن ماري، والقس البروتستانتي مارك، والممثلان لنمط الشخصية الحافزة أو المحركة للموقف السردي، ومعهما حشمت باشا الراغب في الوصال مع آن ماري الجميلة، وهي العازفة عن كل شيء إلا غايتها من إدخال البروتستانتية إلى القرية البعيدة.
ثمة إشكاليات فنية في الرواية، تتوزع ما بين الارتباكات اللغوية، والدقة في التعبير الفني عن الموقف السردي من قبيل (كان طوبار يكتب شعراً عمودياً)، والشعر في زمن الحكي كان عمودياً ضمناً، وطوبار من قرية نائية لم تكن تعرف أدوات الحداثة بعد، فكان يمكن الاكتفاء بأنه يكتب شعراً، وكذلك توصيف لوركا من قبل الرجل الأوروبي (مارك) بأنه "الشاعر الشهيد"؛ والأدق لسياقات الكتابة ولخطاب الشخصية الروائية وصفه بالشاعر المناضل، وهكذا.
يبدو الجزء الثاني مليئاً بالتحولات الدرامية، والقفزات الزمنية، حيث نصل إلى عام 1950 في نهاياته، والمد الماركسي الذي بدا على استحياء، وبروز رزيق ورزق أبناء حليم، يموت الكاهن الطيب متى، ويقتل مارك، وهما رجلا الدين، ويأتي الكاهن سمعان بديلاً لمتى، وتدخل آن ماري في عزلة قاتمة حزناً على زوجها مارك، ثم تموت، لتصبح سردية الموت مركزاً في النص، حيث ترحل مرزقة، وبعدها زوجها حليم، ورفيقه القديم أنيس.
ثم تأتي نهاية الرواية عبر المختتم السردي الدال باستعادة الحكاية الأولى (الخط السردي الذي انطلق منه القص)، حيث طالب السينما حليم رزق حليم رزق الباحث عن قريته المنسية لتظل رحلة البحث رحلة من الأسئلة الفلسفية في جوهرها عن الحقيقة، والماضي، والآثار المنقضية للزمن، وتحولاته التي لا تنتهي.
بعد ثلاث مجموعات قصصية "صمت الطمي"، "وقت جيد للتحليق"، "رجل بمزاج الفسفور"، ورواية "مملكة القطط"، تأتي الرواية الثانية "سيرة وحيدة لقرية صغيرة" للكاتب بيتر ماهر الصغيران كاشفة عن موهبة حقيقية، وسعي لتطوير الأدوات الفنية، واقتحام مناطق شائكة ومسكوت عنها في التاريخ الاجتماعي للفضاءات القصية والمهمشة.
نبض