دولة العصبية هي دولة الحروب المستدامة
عمد معتوق في كتابه الذي اعتبره بمثابة "مونوغرافيا سوسيو- معرفية" إلى مراجعة دفاتر الكنيسة المارونية ذات القيمة التوثيقية في قريته "سرعل" شمال لبنان، مستخلصاً من خلالها اتجاهات النمو السكاني وشكل العلاقة بين الموارنة وكنيستهم في ظلّ السلطنة العثمانية ثم بعد انهيارها في عام 1918 ووقوع لبنان تحت الانتداب الفرنسي.
فالدفاتر الكنسية الخمسة، أي دفاتر العماد والتثبيت والخطبة والزواج والوفاة، تشير إلى تماسك العصائب المارونية ودور الكنيسة في هذا التماسك، إذ إنّ التدوين الكنسي الماروني كان في ظاهره دينياً لكنه كان ذو تبعات سياسية لم يتمكن العقل العثماني من التقاط أبعادها المتمثلة في كونها مصدر الهوية الاجتماعية الأول، حيث يجد الماروني اسمه كاملاً واسم عائلته وأقاربه، بينما لم يكن للشخص في السلطنة العثمانية هوية تربطه بعائلة أو بتاريخ، وتعطيه شعوراً بالكرامة والانتماء. وهكذا بقدر ما كان الماروني في مطلع القرن العشرين يدرك نفسه مذهبياً، كان يدركها أيضاً اجتماعياً وثقافياً.
.jpg)
إلاّ أنّ الأمر الأساسي الذي كانت له انعكاسات اجتماعية وسياسية كبيرة عند الموارنة، تمثّل في إنشاء المدارس المارونية في القرى والمدن اللبنانية بإشراف البابوية، ليتعلّم فيها أبناء وبنات الفلاحين والريفيين، ما جعل هؤلاء على تماس مع الحياة الحضرية وموصولة، قبل قرن ونصف من نشأة لبنان الكبير عام 1920، بالثقافة والشؤون التابعة لها.
كانت المؤسسة المدرسية التي شُيَّدت داخل المؤسسة الكنسية المارونية تشتغل على بناء إنسان مختلف عمّا كانت السلطة العثمانية تعمل على تأبيده. وكانت الكنيسة ملتزمة بما تعتبره "مجتمعها" قولاً وفعلاً، وقد قدّمت العون لتعليم الأيتام والفقراء كي لا يبقى التعليم محصوراً بأغنياء القوم دون سواهم، فكان ذلك كفيلاً بضمّ الجماعات المارونية المتفرّقة تحت لواء معرفي واحد يرتدي طابعاً علمانياً ودينياً على السواء.
تُرجم ذلك في قضاء زغرتا- الزاوية، موضوع دراسة المؤلف، بإنشاء مدرسة في 27 قرية من أصل 49 قرية من قرى القضاء قبل عام 1903، اضطلع فيها الكهنة بالتعليم. وهكذا أتت المؤسسة التعليمية لتشكّل ظهيراً للمؤسسة الدينية، ما شكّل تطوّراً في الوعي الاجتماعي الماروني في خلال حقبة الحكم العثماني، حيث غدت اللحمة، لحمة اجتماعية وثقافية وروحية على حدّ سواء.
بهذه اللحمة لم تندثر القرية رغم ويلات الحرب والجراد والجوع والأوبئة، بل خرجت الكنيسة المارونية رابحة وأقوى معنوياً وأشدّ طموحاً سياسياً، لدورها، ولو على نطاق محدود، في إيصال المساعدات إلى رعاياها أثناء الحصار المزدوج العثماني الغربي إبّان الحرب العالمية الأولى.

لقد شكّلت الكنيسة دائماً العمود الفقري للعصبة المارونية كناظم أخلاقي وتربوي وديني، وكان المجتمع بأسره ممتناً للاحتضان الكنسي، كما لتمثيل البطريركية المارونية للجميع تجاه السلطات العثمانية. لكنّ الكنيسة التي كانت في حالة استتباع سياسي بالتوازي مع حالة الاستقلال المعرفي الذي كانت تجهد لتدعيمه وتمتين أواصره، لم يعد بإمكانها المضي في استراتيجيتها المديدة السابقة المبنية على الجبرية والاستكانة، فكان أن اختارت الانتقال من العباءة العثمانية إلى العباءة الفرنسية، واتباع استراتيجية هجومية بتجييش الإرادات والمعنويات نحو التصدّي الفاعل بمساعدة الفرنسيين، فصار الالتفاف الشعبي حول شخص البطريرك عصبانياً، وظهرت العصبية المارونية كعصبية متكاملة تجسّدت في مشروع سلطة مع بزوغ فجر دولة لبنان الكبير عام 1920، حيث شعر الموارنة أنّ وطناً حقيقياً أضحى في عهدتهم.
وضاعف تمرّسهم الثقافي من عصبيتهم الناشئة، فسيطر عندهم مفهوم الغلب الخلدوني، وهنا كان الخطأ الاستراتيجي الكبير، لأنّ الدولة الجديدة التي تأسست مع الانتداب لم تُبن على أسس علمانية وإنما على نظام ملل عثماني أُعيد تأهيله مع بقاء البنى المعرفية القائمة على حالها.
وهكذا لم تتمخض دولة لبنان الكبير إلاّ عن نشوء جمهورية للعصبيات، حيث أضحت العصبية بل العصبيات هي القانون عند الموارنة وعند جميع المكوّنات السياسية الأخرى. ولم تفض محاولة الرئيس فؤاد شهاب التحديثية لبناء استراتيجية بديلة على أساس المواطنة المدنية، إلى تغيير جدّي، لأنّه لم يتقدّم بمشروع دولة حديثة تبدأ بمحو العصبية قبل محو الأمية.
ولذلك، أصبحنا ننتقل من حرب أهلية إلى حرب أهلية أخرى، والعلّة كل العلّة في العصبية. فدولة العصبية هي دولة للاحتراب المستدام حيث أنّ كل عمران فيها يليه خراب في طوره الأخير، على ما أشار ابن خلدون في مقدّمته، إلاّ أنّ هذه طور لا بدّ منه في عملية التقدّم نحو الدولة الحديثة.
نبض