16-07-2023 | 14:15

المنتدى الثّقافي الأطول عمرًا "ورشة الزّيتون"... يواصل الصّمود في ظلّ متغيّرات العصر

​ "ورشة الزيتون"، منتدى ثقافي وفكري، يعتبر الأطول عمرًا والأشهر، ليس على المستوى المصري فحسب، بل أيضًا على المستوى العربي، فنشاطه بدأ عام 1979، ولا يزال مستمراً من دون انقطاع إلى الآن، بفضل دأب منتسبيه، من مبدعين ونقاد، وفي مقدمتهم الشاعر والكاتب شعبان يوسف. والمكان الذي تقام فيه أنشطة "ورشة الزيتون" مساء يوم الاثنين من كل أسبوع، هو عبارة عن شقة في الطابق الأرضي لمبنى قديم في حي الزيتون (شرق القاهرة)، هي مقرّ حزب "التجمع" في هذا الحي ذي السمت الشعبي في الوقت الراهن، بينما كان في ما مضى من أحياء الطبقة المتوسطة العليا والتي لا يزال ما تبقى من قصوره وفيلاته العتيقه شاهدًا على أنهم كانوا هنا ذات يوم.
المنتدى الثّقافي الأطول عمرًا "ورشة الزّيتون"... يواصل الصّمود في ظلّ متغيّرات العصر
Smaller Bigger

"ورشة الزيتون"، منتدى ثقافي وفكري، يعتبر الأطول عمرًا والأشهر، ليس على المستوى المصري فحسب، بل أيضًا على المستوى العربي، فنشاطه بدأ عام 1979، ولا يزال مستمرًا من دون انقطاع إلى الآن، بفضل دأب منتسبيه، من مبدعين ونقاد، وفي مقدمتهم الشاعر والكاتب شعبان يوسف.

والمكان الذي تقام فيه أنشطة "ورشة الزيتون" مساء يوم الاثنين من كل أسبوع، هو عبارة عن شقة في الطابق الأرضي لمبنى قديم في حي الزيتون (شرق القاهرة)، هي مقرّ حزب "التجمع" في هذا الحي ذي السمت الشعبي في الوقت الراهن، بينما كان في ما مضى من أحياء الطبقة المتوسطة العليا والتي لا يزال ما تبقى من قصوره وفيلاته العتيقه شاهدًا على أنهم كانوا هنا ذات يوم.

وبالطبع فإن انتماء المكان إلى هذا الحزب السياسي اليساري، أسهم إلى حد كبير في انتظام نشاطه ذي الطابع الثقافي المنفتح على مختلف التيارات الفكرية والسياسية، على الرغم من بعده نسبيًا عن وسط القاهرة، حيث تتمركز منتديات رسمية وشعبية عدة.

ومن أشهر معالم المحيط الجغرافي لـ"ورشة الزيتون"،  الكنيسة التي شهدت تجلي السيدة مريم على برجها في أحد مساءات شهر أبريل عام  1968، ومن وقتها أصبحت مزارًا سياحيًا عالميًا. ومن معالمه أيضًا مدرسة راهبات نوتردام ديزابوتر للبنات،  وقد تم تأسيسها عام 1896 ويمكن القول، من دون أن ينطوي ذلك على أي مبالغة، إن "ورشة الزيتون" باتت هي الأخرى من المعالم الثقافية البارزة في ذلك المحيط الجغرافي المزدهي بتراثه الموغل في العراقة.

 

شعبان يوسف في ورشة الزيتون

 

الاحتفاء بالهامش

ولكن لماذا صمدت "ورشة الزيتون"، على الرغم من أن من يُسيِّرون نشاطها هم متطوعون، فضلًا عن أنه ليس لها مورد مالي، غير ما يجود به هؤلاء المتطوعون عند اللزوم؟

عن هذا السؤال، يجيب شعبان يوسف "النهار العربي" بالقول: "حظيت ورشة الزيتون بعناصر عدة حافظت على صمودها منذ أن بدأت في تنظيم نشاطها عام 1979 مع المترجم الراحل فخرى لبيب. أول تلك العناصر وجود أشخاص مخلصين للعمل العام دون أي انحراف عن هدف تنشيط الحياة الثقافية، عبر رعاية كل من لا منصة له، وتقديم وجوه وطاقات أدبية، لا تعرف كيف تخترق حائط المتن الذي يصدهم لدرجة المنع والاستبعاد، ليبقوا دائمًا في الهامش".

وبحسب وصف الكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين فقد كانت الورشة جسرًا يصل بين المبدعين في مختلف الآداب والفنون والإنتاج الفكري، وجمهورهم الافتراضي. ورأى ياسين في شهادة له تضمَّنها كتاب "ورشة الزيتون... قلب الحياة الثقافية" (الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2022) أن هذا الجسر انفتح على الاتجاهات كافة، متجاوزًا ذهنية "الشلة"، والاتجاه الأيديولوجي، ما جعل من الورشة جبهة أدبية وطنية عريضة".

والانفتاح على المستبعدين من "جنة المركز"، ليس، كما يقول شعبان يوسف لـ"النهار العربي"، "شعارًا نرفعه عبثًا أو نزايد به على آخرين، ولكنه نهج تحقق على مدى تلك الفترة الطويلة، وكان يدعمني في تحقيقه أستاذي فخرى لبيب، وقد قاومنا معًا تحول المكان المحتمل نحو المشاركة في المزيد من التكريس لمبدعين متحققين، وكنت دائمًا أقول لأصدقائي: نحن لا نسعى للشهرة من خلال نجوم جاهزين، لكن لو استضفناهم يكون حضورهم لخدمة الهامش، حتى يصبح متنًا".

ولا يعني ذلك بالطبع أن الورشة خاصمت المتن، بل فتحت له ذراعيها، بما لا يخل بمبدئها، فكان من ضيوفها جابر عصفور الناقد البارز الذي تولى الأمانة العامة للمجلس الأعلى المصري للثقافة لسنوات طويلة، وتولى كذلك منصب وزير الثقافة عقب ثورة 25 يناير 2011.

 

 

حوارات مفتوحة

ويضيف شعبان يوسف، المولود عام 1955، أن "بعض ذلك الهامش ذهب إلى حيث الأضواء والوعود البرّاقة، بعدما كان حاضرًا بقوة في فعاليات اكتسبت أهميتها من حواراتهم المفتوحة. لم يكن أي نيات داخل محفلنا للتربص بكاتب أو ناقد أو مبدع، ولتسمح لي ألا أتواضع هذه المرة وأقول: إن حرصى الدائم على تقويم أو بتر أي اعوجاج، ساعد في إرساء كثير من القيم الأدبية والحوارية التى انفردت بها ورشة الزيتون".

وعمل "ورشة الزيتون"، يتولاه فريق، يضم عناصر "ثابتة" وأخرى "منتسبة". ومن النوعية الأولى، نجد الروائي محمد إبراهيم طه، الذي بدأ ارتباطه بالمكان عام 2002، وأصبح من أبرز وجوهه منذ عام 2007، من خلال توليه إدارة النقاشات والمساهمة برؤى نقدية لأعمال أدبية وفكرية. ويقول صاحب رواية "سقوط النوار" في شهادته التي تضمنها كتاب "ورشة الزيتون... قلب الحياة الثقافية": "فوجئت بأن المكان الذي يستضيف الندوات عبارة عن صالة محدودة المساحة تشغلها ترابيزة أطول قليلاً من مائدة طعام، وبضعة مقاعد خشبية، يجلس على أحدها شعبان يوسف مبتسمًا من خلف نظارته السميكة وصلعته المميزة".

 
 

 

المعلّم والصّبي

وردًا على سؤال، قال محمد إبراهيم طه (1963) لـ"النهار العربي" إن "ورشة الزيتون" غير قابلة للاستنساخ كمنتدى ثقافي جاد ومستقل يقوم على المجهودات الشخصية، فهذا الدور لا يقتصر على القاهرة، مقرّ الورشة، بل امتدّ ليحتضن الأدباء من كل أقاليم مصر، وتجاوز الحدود المصرية أيضًا إلى بلدان عربية عدة، فاجتذب العديد من المثقفين والأدباء من المغرب العربي ولبنان والأردن وفلسطين والكويت واليمن والعراق والسودان وسوريا لمناقشة أعمالهم الأدبية. ويضيف طه أن الورشة فكرة غير قابلة للاستنساخ، بمعنى أن لديك ورشة زيتون واحدة فقط، مهما كثرت وتعددت المنتديات للأسباب الآتية: لأنها المنتدى الوحيد تقريبًا الذي يعقد ندواته أسبوعياً على مدار 43 سنة دون انقسامات أو انشقاقات.

وتمتلك الورشة وفق تعبير طه قدرة على تجديد نفسها، بسبب "منظومة المعلم والصبي"، حيث تمثل معتركًا يتعلم فيه المبدعون طريقة تناول الأعمال الأدبية، ويصيرون في ما بعد مبدعين جيدين أو نقادًا لديهم وجهات نظر جمالية وفنية في القصة والرواية.

ويؤكد طه أن الورشة شهدت بدايات كثير من النقاد الذين يملأون الحياة الأدبية الآن، ورأى أنه ستصمد لأنها لا تتلقى تمويلًا أو دعمًا من أي جهة، وتعمل من ثم ككيان مستقل، موازية لوزارة ثقافة وفي مقابل الأنشطة الرسمية، أو ممثلة للضمير الثقافي، فأنشطتها لوجه الأدب فقط، ومنزّهة عن الأغراض والشللية، كما أنها لا تنتصر لنوع من الكتابة على آخر، ويتسع صدرها لكل التجارب الأدبية.

 

مزار ثقافي

الأسماء التي تشكل فريق عمل الورشة، بينها الروائية أماني الشرقاوي والكاتبة سامية أبو زيد، وسمية التركي والراحلة ليلى الرملي، وهشام العربي وجمال مقار وأحمد بهاء الدين شعبان وفتحي إمبابي وأسامة ريان وحنان الدناصوري وتغريد الصبان. ويصف القاص والسيناريست محمد رفيع الورشة بأنها "وزارة الظل المضيئة"، ويراها مزارًا ثقافيًا، ملاحظًا أنها "استطاعت أن تظل طافية فوق براكين ساخنة من التغيرات والصراعات والملاسنات".

ويرى الطبيب الأديب محمد إبراهيم طه أن صمود "ورشة الزيتون"، يرتبط كذلك بأن مؤسسها التاريخي شعبان يوسف لا يغيب عن الندوات، التي تنظمها، ويمارس في الوقت نفسه نشاطًا فاعلًا في الحياة الثقافية عمومًا، كشاعر وناقد أدبي ومؤرخ ثقافي. ويضيف طه أن لدى الورشة أرشيفًا أدبيًا لأنشطتها، وصورًا لمبدعين ونقاد ومثقفين كبار أحياء وراحلين، حول ذات المائدة البسيطة للورشة، وهو ما يمثل كنزًا ثقافيًا، كما هناك تسجيلات لندوات وشهادات صوتية لكتّاب باحوا فيها بآراء وملاحظات حول الفن والكتابة والأجيال والأنواع الأدبية، منها ما خرج إلى النور على يد شعبان يوسف ومنها ما ينتظر، كما أنها المنتدى الأول الذي ليس به منصة وحضور، فالجميع سواسية حول مائدة واحدة، الجميع يرى الجميع، كما أنه ليس هناك منصة ثابتة للمناقشة، كل فرد من أفراد الورشة لديه الفرصة والقدرة على أن يكون مناقشًا أو متحدثًا رئيسيًا، كما أن جميع الحضور يشاركون بالرأي في أي عمل أدبي بمداخلات قصيرة.

 

 

 

جماعة أدبيّة

ويشير طه في هذا الصدد إلى أننا أمام حالة ثقافية تعدّت في اهتماماتها مناقشة الأعمال الأدبية إلى الاحتفاء النقدي بمشاريع الكتّاب الكبار الذين اكتمل مشروعهم وأوشكوا أن يضعوا أقلامهم، والاحتفال بالرموز الثقافية والأدبية، ورموز التنوير وروّاد الكتابة الشعرية والسردية، مثل روز اليوسف، محمد تيمور، يحيى الطاهر عبد الله وبيرم التونسي ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس... وأخيرًا الورشة صامدة لأنها قادرة على تجديد نفسها وأعضائها ولا تعتمد في أنشطتها على ناقد واحد أو مجموعة نقاد، أو مجموع من الحضور الدائمين، ففي كل ندوة تكتشف وجوهًا جديدة، وتغيب عنها وجوه، لكنها دائمًا عامرة بالحضور المثقف والجاد".

ويرى  شعبان يوسف أن ورشة الزيتون ليست مجرد مكان لمناقشة نصوص أدبية أو فكرية، بل ظل هناك الدأب المستمر لكى تتكون جماعة أدبية ذات قيم وتقاليد تخصها هي التي تحفظ استمرار النشاط التطوعي، ذلك النشاط الذي لا يبتغي سوى إنتاج القيمة، وإفساح المجال لكي يعبر كل كاتب عن نفسه.

ويضيف صاحب ديوان "مقعد ثابت في الريح" أن كل الذين تفاعلوا مع ورشة الزيتون يدركون أن عملنا يقوم على الاحتفاء حتى بمن يختلفون معنا في الرأي. ويستطرد: "لا بد أيضًا أن أذكر أن علاقاتي الطيبة مع كثير من النقاد والمفكرين والمبدعين، كانت حافزًا قويًا لدعمنا، أتذكر فى هذا السياق نقادًا كبارًا من طراز إبراهيم فتحي ومنى طلبة وفتحي أبو العينين وسيد البحراوي وحسين حمودة ومحمد الشحات وعفاف عبد المعطي وسناء أنس الوجود، وهويدا صالح وسيد الوكيل ومحمود الضبع وصلاح السروي وغيرهم، فضلًا عن جيل الشباب الذين تكوّنت رؤيتهم بقوة عبر المساجلات في ورشة الزيتون، مثل سيد إسماعيل ضيف الله ويسري عبد الله وعمر شهريار".

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة