30-06-2023 | 12:08

الطاهر لبيب باحثاً عن الحبّ والحريّة في شوارع بيروت ومقاهيها

أتهيأ للسفر إلى بيروت لعملٍ دُعيت إليه لا أعرف مدّته... كان هذا الحدث المؤسس لرواية الطاهر لبيب الأكاديمي وعالم الاجتماع التونسي، وعنوانها "في انتظار خبر إنّ"، الصادرة حديثاً عن دار محمد علي الحامي ومنتدى المعارف.
الطاهر لبيب باحثاً عن الحبّ والحريّة في شوارع بيروت ومقاهيها
Smaller Bigger

أتهيأ للسفر إلى بيروت لعملٍ دُعيت إليه لا أعرف مدّته... كان هذا الحدث المؤسس لرواية الطاهر لبيب الأكاديمي وعالم الاجتماع التونسي، وعنوانها "في انتظار خبر إنّ"، الصادرة حديثاً عن دار محمد علي الحامي ومنتدى المعارف.

 

وفيها يروي المؤلّف سيرته الشخصية وسيرة بيروت، من خلال أحد شوارعها "الحمرا" بمقاهيها ومثقفيها وسجالاتهم الإيديولوجية بلغة سلسة تقارب الشعر أحياناً، وبأسلوب سردي تماهى فيه المؤلف مع بطل الرواية، حتى لم يعد ممكناً التمييز بينهما.

 

بدأ المؤلّف باستذكار طفولته البائسة وموت أمه في يوم قيظ، وإصرار الوالد على تعليمه، رغم الإغراءات بتشغيله راعياً، فكان أن أوجد له مكاناً في مأوى خيري وسط المدينة، كان ينام فيه على حصير صغير نحيف في غرفة، فيها ما لا يقلّ عن 20 طفلاً. أما بيت العائلة فكان يُفكّك وتُنقل أجزاؤه ويُعاد بناؤه، كما كان في موقع قد لا يبعد عنه أكثر من 1000 خطوة. بيت وحيد سكنه كان من حجر، سقفه أغصان شجر وسعف نخيل وفوق الكل طين.

 

قبل سفره إلى بيروت، حرص لبيب على لقاء شاعر صديق، وإلقاء نظرة تأمّلية إلى العاصمة تونس، فتوالت أمامه صور ومشاهد تُنبئ بما كان يمهّد للحراك الجماهيري ضدّ الاستبداد وكبت الحرّيات: هنا صور الرئيس... هنا مبنى الحزب الحاكم وهو الأعلى وأكثره دهاءً زجاجه الذي يوحي بالشفافية.

 

في هذا المبنى تُعجن الشعارات التي عليك ترديدها إن كنت لا تجيد الصمت، وهكذا، إنّ الناس يبدون محاصرين. إذا تخاطبوا تلفّتوا، فمن السهل أن تدرك أنّهم على حدود غضب صامت.

 
 
 

 

في بيروت حيث أقام في شارع بلسّ المحاذي للجامعة الأميركية، يتعرّف المؤلف إلى شارع الحمرا وشارع جاندارك والشوارع المتفرّعة منهما، كما يتعرّف إلى مقاهي الحمرا وروادها من المثقفين والسياسيين وأصحاب الشعارات السياسية والايديولوجية. فبيروت كما يصفها، هي "غرفة تتسع لكل الكون... جعلت للحب والكره... حبها شغف وفي كرهها طعم الموت... قد أيأس من الدنيا كلها ولا أيأس من بيروت، لأنّ شغف الحياة له فيها خميرة لا عمر لها، وهي في الناس والأشياء. هي في حب الفنون والجمال. أتعرف مدينة أخرى توالى في هدمها وإرعابها ما تتالى على بيروت، ولم يقدر على نزع روحها؟ هل تعرف مدينة عربية أخرى تحوّل ركامها إلى رسوم وأصوات ترقص وفي عينيها نجوم الظهر؟ هل تعرف مدينة عربية بحث فيها العرب عن ممكناتهم، من الشعر إلى قلب الأنظمة؟ بيروت ليست كطائر الفينيق، بيروت لا تترمّد، حتى في الموت لا تموت".

 

في بيروت هذه تعرّف الراوي المؤلّف إلى امرأة وصفها من دون ان يسمّيها، بصاحبة "سوار العاج المزخرف بالفضة"، فجذبته بلباسها وذكائها وسحرها، ذهبا إلى وسط المدينة وصعدا إلى مكان مرتفع بين عاليه وسوق الغرب، حيث بدت بيروت وكأنّها تتهيأ حقاً للطيران: "بيروت هذه غير تلك التي كنا فيها قبل ساعة، بيروت الحرب والخراب". لكنّ الحب العابر الذي عاشه مع هذه المرأة لم يضع حداً لإحساسه بالغربة وبحثه الدؤوب "عن خبر إنّ"، إزاء طغيان اللامعنى الذي رافقه من تونس إلى بيروت.

 

أما الثورة التي أطلقها "البوعزيزي" في تونس، والتي خالها لحظة مفصلية تمهّد لتغيير حقيقي لم تلبث أن خيّبت تصوّره ، لأنّ "الثورة تأكل أبناءها، والخوف دائماً من أن تأكلهم باكراً".

 

في تنقّله في مقاهي الحمرا، من "الهورس شو" إلى مقهى "السيتي كافيه" ومقهى "فيصل" مروراً بالـ "مودكا" والـ "كافيه دو باريه"، تعرّف المؤلّف الراوي إلى روادها من المثقفين وأصغى إلى أحاديثهم وهواماتهم الإيديولوجية.

 

وفي "الحمرا"، تحديداً في مكتبة "انطوان"، التقى امرأة اخرى، هي طالبة جامعية تُعدّ بحثاً عن حقوق المرأة. أحبها وكانت هي التي دفعته إلى الشروع في الكتابة، وقد أصبحت جزءاً من نصّه، وكانت تناقشه في ملامح الشخصية التي يرسمها لها وتتدخّل في هذا النص فتضيف أو تحذف.

 

لا يمكن الإتيان بالكامل على الأبعاد الثرية التي تحيل إليها الرواية، سواء الأدبية أو الفكرية أو الاجتماعية والسياسية، والتي يمكن إدراجها في رأينا في إطار تنويري توّسل الرواية لإيصال الآراء وتصوّرات نقدية ثورية.

 
 

طغى على هذا الكتاب/ الرواية طابع السيرة الذاتية وتتابع الذكريات والمشاهدات والتأمّلات، فلا يتوانى عن نقد المثقفين وفاعليتهم السياسية والاجتماعية، أولئك الذين يمضغون كلمات فارغة لا معنى لها، يكرّرون مقولات الأمّة والوطن والحرّية وكأنّها ثابتة ونهائية، حتى إذا فشلت وبان خواؤها ألقوا باللوم على القدر أو على الآخرين أو على الجماهير التي لم تستوعب ثورية أهدافهم وطروحهم.

فهذا "يتكلم ولا يقول شيئاً، وهذا دائم الكتابة ولا يكتب شيئاً، وهذا يكتب هلوسات، علمه في وادٍ وحياته في وادٍ، هذا يرفع صور غيفارا وستالين، وهذا يصرّ على مقولات الصراع الطبقي والتحوّل نحو الاشتراكية، كأنّ لم تعن إليه بشيء كل التحوّلات غير المسبوقة في عالمنا المعاصر. وهكذا ينظرون للعبث العربي ويتفلسفون في تعريفه لكأنّهم "مجرّد ديكة ظنّت أنّ صياحها يصنع الفجر. غاب عنها أنّها تصيح في غروب".

 

كذلك خصّص الكتاب حيّزاً مهمّاً لنقد الواقع العربي ومآلاته البائسة، فبينما يفاخر الخطباء بأمجاد الأمّة العربية و "أنوارها التي لا تنطفئ ولغتها التي لا تندثر"، نجد أنّ "رؤساء العرب لا يكاد واحد منهم ينجو من أخطاء النحو الفادحة".

 

وتتزاحم في رأس المؤلّف صور الواقع العربي الراهن: "رؤوس تكفّر فتقطع، لاجئون بلا ملاجئ، نكاح جهاد أو جهاد نكاح؟ مئات الآلاف يعوذون بالله من شرور الديموقراطية، رقابة تمنع كتباً لم تكن ممنوعة قبل نصف قرن، عرّافون يبيعون للناس مصائرهم مع الجن والشياطين...".

 

للمرأة مكانتها المميزة في الرواية، فهي الأبية المثقفة التي تريد أن تأخذ زمام حياتها ومستقبلها بيدها من دون قسر طائفي، كما ترفض الإرتهان إلى زوجها في كل شؤونها. ما يؤكّده قول المؤلف: "قليل من الرجال لهم قدرة الصعود إلى عنفوان امرأة... روح بيروت نساؤها... محظوظ هو النص الذي تسكنه امرأة".

 

في "انتظار خبر إنّ"، "رواية مميزة سرداً ولغة وفكراً، تستعيد حقبة حميمة من تاريخ بيروت ومن حياة المؤلّف، تُمتّع القارئ وتحرّضه في آن على التأمّل والتفكير وإعادة قراءة رؤيته إلى العالم من جديد، قراءة قد تكشف خبر إنّ – حرف مشبّه بالفعل – رغم كل ما يحيط بنا من ضياع وفقدان للمعنى".

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية