22-06-2023 | 16:38

الصّين تستأنف اهتمامها المبكر بترجمة طه حسين!

كيف عرفت الصينُ أعمالَ عميد الأدب العربي طه حسين؟ طرحتُ السؤالَ على المدير التنفيذي لمجموعة "بيت الحكمة" الدكتور أحمد السعيد. و"بيت الحكمة"- مقرها في القاهرة- هي مؤسسة معنية بالترجمة من الصينية إلى العربية والعكس، فضلًا عن أنها تشمل أكاديمية لتعليم اللغة الصينية وتعتبر من أنشط دور النشر في معارض الكتب في أنحاء مختلفة من العالم. يقول أحمد السعيد، مستهلًا إجابته على ذلك السؤال: "عاد شنغ تشانغ عام 1930 إلى بلده الصين عقب رحلته الدراسية إلى فرنسا، وفي طريق العودة زار بلادًا عدة بينها مصر حيث التقى طه حسين، وكتب مقالًا يعرّف فيه بفكر عميد الأدب العربي".
الصّين تستأنف اهتمامها المبكر بترجمة طه حسين!
Smaller Bigger

كيف عرفت الصينُ أعمالَ عميد الأدب العربي طه حسين؟ طرحتُ السؤالَ على المدير التنفيذي لمجموعة "بيت الحكمة" الدكتور أحمد السعيد. و"بيت الحكمة" - مقرها في القاهرة - هي مؤسسة معنية بالترجمة من الصينية إلى العربية والعكس، فضلًا عن أنها تشمل أكاديمية لتعليم اللغة الصينية وتعتبر من أنشط دور النشر في معارض الكتب في أنحاء مختلفة من العالم.

يقول أحمد السعيد، مستهلًا إجابته عن ذلك السؤال: "عاد شنغ تشانغ عام 1930 إلى بلده الصين عقب رحلته الدراسية إلى فرنسا، وفي طريق العودة زار بلادًا عدة، بينها مصر، حيث التقى طه حسين، وكتب مقالةً يعرّف فيها بفكر عميد الأدب العربي".

وشنغ تشانغ (1899- 1996) هو أستاذ اللغة الصينية ومترجم ومفكر وكاتب، حاصل على وسام فرسان جوقة الشرف من فرنسا، وهو من هذه الزاوية يشبه طه حسين، فكل منهما أتى من مكان عتيق في الشرق، وكل منهما عاش تجربة الدراسة في فرنسا وتعمَّق في دراسة الأفكار والأساليب الفرنسية المتقدمة، وكل منهما عاد أيضًا إلى بلده عازمًا على الإسهام في نهضته، وهكذا تبادل الاثنان خبراتهما كدارسيْن في بلاد أجنبية، وفتح لقاؤهما في مصر الباب لدخول طه حسين وفكره إلى الصين.

أحمد السعيد سبق أن عاد إلى تلك المرحلة بداعي البحث الدقيق في أمر تَعرُف الصين على طه حسين مفكرًا ومبدعًا، ليكتب مقالة باللغة الصينية تتضمّن حصاد بحثه. ومعروف أن طه حسين كان يميل إلى أن مصر تنتمي حضاريًا وثقافيًا إلى الغرب لا إلى الشرق. ومع ذلك فإن أعمال طه حسين حظيت باهتمام الشرق، والصين تحديدًا، فكان من أوائل الأدباء العرب الذين ترجمت لهم أعمال إلى اللغة الصينية.

 
 

مستنير البصيرة

ولاحظ السعيد أن مجلة "الشرق" نشرت عام 1930 مقالةً بعنوان "يوميات رحلتي إلى مصر" لشينغ تشانغ، وصف فيها انطباعه عن طه حسين قائلاً: "في الأوساط الفكرية والأدبية المصرية أكثر مَن يتمتع ببعد النظر هو طه حسين بك؛ الأديب مستنير البصيرة".

كان طه حسين وقتها أستاذًا للأدب العربي في كلية الآداب في جامعة القاهرة، وأصدر مؤلفات عدة، منها كتاب "في الشعر الجاهلي"، الذي أثار ضجة كبيرة ولوحق بسببه قضائيًا، وكتاب "الأيام" الذي يتضمن أجزاءً عدة ويسرد السيرة الذاتية لمؤلفه، منذ مولده في إحدى قرى صعيد مصر ثم إصابته بالعمى، مرورًا بدراسته في الأزهر، وصولًا إلى نبوغه طالبًا في جامعة القاهرة، ثم في السوربون في فرنسا، وحصوله على درجتي دكتوراه والتحاقه بهيئة التدريس في كلية الآداب في الجامعة المصرية.

 وتوقف شنغ تشانغ في مقالته عند تفوق طه حسين في اللغات، فقد كان يجيد أكثر من لغة أجنبية، وإدراك قيمة الثقافة الغربية وأهمية القرآن في حياة المسلمين. ويقول أحمد السعيد: "طبقًا لما قمتُ به من بحث وجدتُ أن "المعذبون في الأرض" هي أول قصة لطه حسين تُرجمت للصينية، ولكننا لا نجرؤ على تأكيد ذلك، لأن المعلومات التي لدينا في هذا الشأن محدودة للغاية".

في الأول من حزيران (يونيو) عام 1944، نُشرت في صحيفة "الأهرام" القاهرية، في الصفحة السابعة عشرة، من النسخة المترجمة إلى الصينية، قصة "المعذبون في الأرض" من ترجمة ماجين بانغ (1913 -2001) ولقبه تشي تشنغ. كان بانغ أو تشي تشنغ وقتها طالبًا في الأزهر في مصر، وبعد عودته إلى الصين عمل إمام مسجد في شانغهاي، وفي عام 1953 صار أستاذًا للغة العربية في جامعة بكين للغات الشرقية.

 

 

ترجمة "الأيام"

نشرت دار التجارة الصينية في آب/ أغسطس1947 أول نسخة مترجمة من "الأيام"، من ترجمة ماجون وو، واتخذت تلك النسخة المترجمة للصينية محتوى الجزء الأول من الرواية عنوانًا لها، فجاءت باسم "ذكريات الطفولة". وتعد "الأيام" الرواية المصرية الوحيدة بالأدب العربي الحديث التي تُترجم للصينية قبل تأسيس الصين الحديثة.

وشارك المترجم في بعثة دراسية في جامعة الأزهر عام 1934، ومن ترجماته الأخرى "قصة حي بن يقظان" وبعض حكايات "ألف ليلة وليلة".

وهنا نلاحظ أن اثنين من الصينيين درسا في الأزهر، كانا في مقدم من تحمس لترجمة طه حسين إلى الصينية، على الرغم من المواقف المتشددة التي اتخذها "أزاهرة" مصريون من الإنتاج الفكري والأدبي للعميد. 

وفي عام 1961 أنجز تشين شينغ ترجمة للجزءين الأول والثاني من ثلاثية "الأيام" التي يرى أحمد السعيد أنها أحدثت طفرة في روايات السير الذاتية العربية، ونُشر الجزء الأول منها عام 1929، والجزء الثاني عام 1940 والجزء الثالث عام 1972. ويضيف السعيد أنه بالنظر إلى سنوات نشرها، فتعد الترجمة لأول جزءين التي نُشرت عام 1961 "ترجمة كاملة"، حيث لم يكن الجزء الثالث قد نُشر بعد. ويستطرد السعيد موضحًا أنه ربما لم تُنشر ترجمة الجزء الثالث بسبب مشكلات تخص حقوق التأليف والنشر.

 

 

تشابه عميدين  

ونشرت في تشرين الأول (أكتوبر) 1984 أول ترجمة للصينية لرواية "دعاء الكروان" لطه حسين في طبعة عادية وطبعة للمكفوفين بطريقة برايل، من ترجمة: باي شوي وتشي رو، ومراجعة تشونغ جي كون (الحائز جائزة "إنجاز العمر في الترجمة" وهي أعلى جائزة للترجمة في الصين).

ويؤكد أحمد السعيد ظهور ترجمة أخرى لرواية "دعاء الكروان" في أيار (مايو) 2017، أي بعد مرور 33 عامًا، ونشرتها دار "انشر الثقافة" الصينية، وأُدرجت ضمن مشروع "مكتبة طريق الحرير"، وترجمها ثلاثة مترجمين: يانغ شي تشيوان، ولي تشي قوا، ولي مينغ رو.

وما زالت هذه النسخة من الكتب الأكثر مبيعًا المترجمة عن العربية حتى اليوم، بحسب تصريح أحمد السعيد لـ"النهار العربي".

وأضاف السعيد: "حين يُناقش أو يُعقد أي بحث في مجال الأدب العربي في الصين، ويُذكر اسم طه حسين، دائمًا ما تذهب أذهان الباحثين والطلاب والخبراء إلى ذكر لوشون والمقارنة بينهما، لأن لوشون (1881 - 1936) هو قائد الثورة الثقافية الصينية وعميد الأدب الصيني، وعميد الأدب العربي طه حسين (1889 -1973) يتشابهان تشابهًا مذهلًا في الفكر والآراء في مجال الإبداع والسمات الجمالية، والمكانة الأدبية، والعصر الذي عاشا فيه. ويعتبر هذا مما مهَّد الطريق ليتعرف القراء الصينيون على أعمال طه حسين الأدبية والفكرية. ويقول السعيد: "عاش طه حسين ولوشون حياة متشابهة لحد كبير، فقد أُسيء فهم لوشون وانتُقدت أفكاره وتعرض للهجوم الشديد حتى بعد وفاته. وأيضًا لم تتوقف النقاشات الثقافية المختلفة والمواجهات الأيديولوجية حول أفكارهما حتى بعد وفاتهما. سبب هذه الظاهرة الاجتماعية والثقافية النادرة، أن إنجازات لوشون وطه حسين، لا تكمن فقط في الإبداع الأدبي والتاريخ والفلسفة، بل لشجاعتهما وأخلاقهما وتفكيرهما الحكيم كمتحدثين رسميين لجيلهما".

 

مناقشة الأفكار

ويقر السعيد بأن ترجمة ثلاثة من أعمال طه حسين الإبداعية من العربية إلى الصينية مباشرة، لا يكفي، خصوصًا أن عملًا واحدًا منها هو الذي لا يزال يباع في المكتبات إلى الآن، وهو "دعاء الكروان"، ويرى أن مرور خمسين عامًا على رحيل عميد الأدب العربي يعتبر فرصة للشروع في ترجمة بقية أعماله، في ظل حركة نشطة للترجمة من العربية إلى الصينية والعكس، خصوصًا بعد فوز الأديب الصيني مو يان بجائزة نوبل في الآداب عام 2012.           

ويختم السعيد بقوله إن الأبحاث في الصين ركزت على أفكار طه حسين الفلسفية والاجتماعية التي ظهرت في أعماله، منها: «دراسة مبدئية لفكر طه حسين الفلسفي»، «مراجعة لأفكار طه حسين التعليمية»، «تعقيبات على فكر طه حسين السياسي والاجتماعي» وغيرها من المقالات البحثية، وأيضًا هناك بعض التقارير الأكاديمية ذات الصلة على سبيل المثال: نُشر في العدد الثالث من مجلة "العالم العربي" عام 1984 «التقرير الوثائقي لمؤتمر طه حسين الأكاديمي العاشر" بعنوان «لقاء على شاطئ نهر النيل» وفي العدد الرابع عام 2002 بعنوان: "طه حسين وجامعة القاهرة".

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة