ما سرّ هشاشة الاندماج القومي والوطني في العالم العربي؟
بعد زهاء أكثر من قرن ونصف على دعوات التوحيد الوطني والقومي وتجاوز الانتماءات الطائفية والمذهبية والقبلية التي أطلقها المتنورون العرب منذ ستينات القرن التاسع عشر، من بطرس البستاني وفرنسيس المراش إلى قسطنطين زريق وياسين الحافظ والياس مرقص مروراً بنجيب العازوري وامين الريحاني وانطون سعادة، تبدو الأقطار العربية وكأنها عصيّة على التوحّد والائتلاف القومي أو الوطني أو المدني، مهددة بالنزاعات والحروب الأهلية، ملغّمة بكل عوامل الانفجار الداخلي والتشرذم القبلي والمذهبي والعشائري.
وما الحروب الاهلية في لبنان والعراق وسورية واليمن وغيرها وما جرى ويجري في ليبيا والسودان الآن سوى دلالة على جدية المخاوف، ليس على الوحدة القومية العربية بل كذلك على الوحدة الوطنية في كل قطر عربي. وهذا يطرح في مقدمة القضايا والاشكاليات التي تواجه الفكر القومي العربي في المرحلة الراهنة، مسألة الاندماج الوطني والقومي والمدني الهش في العالم العربي.
ولعل ما انتهى إليه محمد عابد الجابري وقسطنطين زريق في السنوات الاخيرة من القرن العشرين يعبر تعبيراً حياً عن هذا الافق المازوم إذ طرح الاثنان على بساط البحث مشروعية الدولة العربية القائمة، وصولاً إلى "الشك حتى في صحة التكلم عن المجتمعات العربية القطرية نظراً إلى قصوراهل كل منها عن تكوين ما يصح ان يدعى مجتمعاً أو شعباً".
بعد زهاء أكثر من قرن ونصف على دعوات التوحيد الوطني والقومي، وتجاوز الانتماءات الطائفية والمذهبية والقبلية التي أطلقها المتنورون العرب منذ ستينات القرن التاسع عشر، من بطرس البستاني وفرنسيس المراش، إلى قسطنطين زريق وياسين الحافظ والياس مرقص، مروراً بنجيب العازوري وأمين الريحاني وأنطون سعادة، تبدو الأقطار العربية وكأنها عصيّة على التوحّد والائتلاف القومي أو الوطني أو المدني، مهددة بالنزاعات والحروب الأهلية، ملغّمة بكل عوامل الانفجار الداخلي والتشرذم القبلي والمذهبي والعشائري.
وما الحروب الأهلية في لبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرها، وما جرى ويجري في ليبيا والسودان الآن، سوى دلالة إلى جدية المخاوف، ليس على الوحدة القومية العربية، بل كذلك على الوحدة الوطنية في كل قطر عربي. وهذا يطرح في مقدمة القضايا والإشكاليات التي تواجه الفكر القومي العربي في المرحلة الراهنة، مسألة الاندماج الوطني والقومي والمدني الهش في العالم العربي.
ولعل ما انتهى إليه محمد عابد الجابري وقسطنطين زريق في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، يعبّر تعبيراً حياً عن هذا الأفق المازوم، إذ طرح الاثنان على بساط البحث مشروعية الدولة العربية القائمة، وصولاً إلى "الشك حتى في صحة التكلم عن المجتمعات العربية القطرية نظراً إلى قصور أهل كل منها عن تكوين ما يصح أن يُدعى مجتمعاً أو شعباً".
إن انتهاء الفكر القومي العربي إلى هذا المأزق بينما تتعرّض الأقطار العربية للخطر والاهتزاز إزاء الأزمات السياسية والاقتصادية والتهديدات الخارجية، يكشف عن عطب عميق في الأيديولوجيا القومية. وهذا نابع من اهتزاز المفهوم في الفكر العربي وفي السياسة العربية من ناحية، ومن ناحية أخرى من التناقضات الذاتية لهذا الفكر ومن إحجامه عن مواجهة في العمق للإشكالات الأساسية في المجتمعات العربية والأعطال المهددة لبنيتها وإمكان تطورها وارتقائها السياسي والاجتماعي.
مواجهات
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالفكر القومي العربي يعاني أعطاباً وأعطالاً لا تقل خطورة، فقد أعماه منزعه الأيديولوجي التعميمي الرومانسي عن رؤية الانقسامات الناخرة في المجتمع العربي وتهديدها الحقيقي لهذا المجتمع.
فهو لم يواجه مسألة الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية ومخاوفها الأقلوية من أجل فهمها واستيعابها، وتالياً إبداع قيم مركزية قومية جاذبة يمكن أن تتجاوز معها أقلويتها والانشداد إلى الأفق القومي الجامع، فظلت دمّلاً تنزف كلما تعرّض الجسم العربي لأزمة جدية.
وهو ثانياً "فكر سهل يخشى التفاصيل ويبقى حائماً فوق العموميات" على حد تعبير ياسين الحافظ. ولهذا أغفل مسألة التناثر العربي ونقص الاندماج القومي، ولم يتوقف بجدية أمام الانقسامات الممتدة في "الجسم السوسيولوجي العربي" التي أشار إليها محمد جابر الأنصاري في كتابه "العرب والسياسة، أين الخلل؟" والتي يرجح جانب التضاد والتنازع في علاقاتها ومسلكياتها.
والفكر القومي العربي ثالثاً لم يواجه مسألة العلاقة بين القومية العربية والديموقراطية، بل طرح قومية مفرغة من الديموقراطية لم تأخذ بالحسبان حريات الأفراد وحقوقهم الإنسانية الأساسية. نظر إلى الشعوب بوصفها "جماهير" رعايا مطلوباً منها أن تضحي دائماً وتتنازل عن حقوقها من أجل "طوبى قومي" لم ولن يتحقق إلا على أرضية ديموقراطية تحترم الفرد العربي وتلبي حاجاته الإنسانية.
والفكر القومي رابعاً لم يتوجه إلى ربط المشروع القومي والوطني بالنهضة الشاملة بتحديث البنية السياسية العربية والعقل السياسي العربي. ولم يدرك التلازم الضروري بين الحرية والعقلانية والتنمية، الأمر الذي كان حاضراً في فكر النهضة العربية، حيث جعل فرنسيس المراش وعبد الرحمن الكواكبي الحرية والعقلانية شرطاً أساسياً للتمدن والتقدم الاجتماعي.
تركيبة قبلية
لكن الفكر القومي أحال هذه المسألة إلى خلفية اهتماماته، فكان أن بقيت التركيبة القبلية العشائرية المتخلفة للدولة العربية تعمل في موازاة الأفكار التحديثية، إلى أن انقضّ العقل الأصولي على الساحتين الفكرية والسياسية منقلباً على كل ما تحقّق من تحديث وعصرنة.
والفكر القومي خامساً لم يواجه مسألة الفصل بين المجالين السياسي والديني، ولم يتصدّ لتعيين حدود الدين في الحياة السياسية والاجتماعية من منظور عقلاني ليبرالي، ما لم يكن غائباً عن فكر النهضة العربية، ثم أُجهض أو غُيّب مع طغيان النقل على العقل، والنص على التأويل، فكان أن اكتسح الديني السياسي، والأصالة الحداثة، والماضوية العصرنة.
والفكر القومي سادساً لم يحدد موقع الغرب في الثقافة العربية، ولم يفصل بين الغرب كاستعمار وإمبريالية ونهب، والغرب كقيم ليبرالية لا بد منها لأي نهضة على أسس راسخة. لم يأخذ من الغرب، فيما هو يجابه نهبه ومطامعه، تخطيطه وعلمه وعقلانيته واحترامه للفرد والحرية الفردية والمرأة ودورها المركزي في المجتمع الإنساني.
والفكر القومي أخيراً ظل قاصراً عن مجابهة إشكالات تهدد البنية الاجتماعية العربية في الصميم، كإشكالية الأمية والفقر والانفجار الديموغرافي وتريّف المدن. وفي ظل هذا القصور والتردد والتراجع، كان من الطبيعي أن ينتكس المجتمع ويتذرر إلى تكويناته الما قبل وطنية، وأن تُثار المخاوف على الوحدة الوطنية وصولاً إلى طرح الفدرالية والكونفدرالية حلاً لأزمة الدولة الوطنية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض