31-03-2023 | 16:01

العلمانية ومآلاتها في الفكر العربي الحديث

استحوذ الطرح العلمانيّ على حيّز أساسي في الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه أثار ولا يزال يثير إشكالات وتناقضات إيديولوجية كبيرة، إن لجهة معناه ومدلولاته وإن لجهة الاهداف الحقيقية للذين قالوا به ورأوا فيه خلاصاً للمجتمعات العربية من فواتها التاريخي ونزاعاتها الأهلية والطائفية. فهل العلمانية هي "نتوء شاذ نظرت إليه الأمة دائماً باعتباره رمزاً للخيانة الحضارية" وفقاً لمحمد عمارة أم هي "طرح مزيف يجب استبعاده من القاموس التداولي للفكر العربي كونه مرادفاً للالحاد" كما رأى إليها محمد عابد الجابري أم هي "فصل الديني عن الدنيوي " كما ذهب أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وفرنسيس المراش وفرح أنطون وناصيف نصار أو إنها تعني "الموقف الحر للروح إزاء إشكالية المعرفة" بتعبير محمد أركون؟
العلمانية ومآلاتها في الفكر العربي الحديث
Smaller Bigger

استحوذ الطرح  العلمانيّ على حيّز أساسي في الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه أثار ولا يزال يثير إشكالات وتناقضات أيديولوجية كبيرة، إن لجهة معناه ومدلولاته، أو لجهة الأهداف الحقيقية للذين قالوا به ورأوا فيه خلاصاً للمجتمعات العربية من فواتها التاريخي ونزاعاتها الأهلية والطائفية.

فهل العلمانية هي "نتوء شاذ نظرت إليه الأمة دائماً باعتباره رمزاً للخيانة الحضارية"، وفقاً لمحمد عمارة، أم هي "طرح مزيف يجب استبعاده من القاموس التداولي للفكر العربي، كونه مرادفاً للإلحاد"، كما رأى إليها محمد عابد الجابري، أم هي "فصل الديني عن الدنيوي" كما ذهب أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وفرنسيس المراش وفرح أنطون وناصيف نصار، أو إنها تعني "الموقف الحر للروح إزاء إشكالية المعرفة" بتعبير محمد أركون؟

لقد شكّل الطرح العلماني منذ بداياته أواسط القرن التاسع عشر استفزازاً للسلطات الطائفية المستبدة والمهيمنة على العقول والأفكار والمعتقدات، لا لأنه يتناقض مع مبادئ الدين الأخلاقية وقيمه الروحية والإنسانية، أو لأنه يقوّض الأساس الفلسفي الإيماني في الدين والمرتكز على التسليم المطلق بوجود خالق قادر منزّه مدبّر بعنايته لشؤون الكون والإنسان، بل لأن الطرح العلماني يحد من تسلّط رجال الدين على عقول الناس وأفكارهم وينزع الغطاء الشرعي الذي يؤمّنونه للسلطات السياسية لكي تبرر هيمنتها واستبدادها بذرائع شرعية مخادعة.

في هذا الإطار، يمكن أن نضع تلك المواجهات القاسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بين هؤلاء وأحمد فارس الشدياق وفرنسيس المرّاش وفرح أنطون وجبرائيل دلّال، الذين أصرّوا على حق العقل الإنساني في التأمل والتأويل والاجتهاد في ما لا يتناقض مع جوهر الدين الذي يدعو إلى الاحتكام إلى العقل، ويحث على التعقّل والتفكير في ما أبدعه الخالق من موجودات، ومن نظام كوني يدلّ إلى عظمته وحكمته.

إزاء الظلم الفادح الذي تعرّض له أسعد الشدياق لم يجد أخوه أحمد سبيلاً للنجاة سوى الفرار إلى باريس ليندد منها برجال الدين المستبدين الذين نكّلوا بشقيقه، منكراً حقهم في سجنه وتعذيبه وقتله زوراً باسم الدين الذي دأبه، كما سائر الأديان، الحض على مكارم الأخلاق والأمر بالدعة والبر والسلم والأناة والحلم. يقول الشدياق مخاطباً قتلة أخيه: "وهب أن أخي جادل في الدين وناظر فليس لكم أن تميتوه بسبب هذا، وإنما كان يجب أن تنقضوا أدلته وتدحضوا حجته بالكلام والكتابة".

وعلى إثر فتنة 1860 الطائفية التي زرعت الخراب في لبنان، طرح بطرس البستاني، على رغم  كونه قسيساً ومبشراً، فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، لأن المزج بين الاثنتين يلحق الضرر بالدين والسياسة على السواء.

 
محمد أركون 
 
 
 
 وفي الحقبة التاريخية ذاتها ومن منطلقات مشابهة، نادى فرنسيس المراش بـ"المحبة الوطنية المنزهة عن أغراض الدين"، وبحق العقل الإنساني في التفكير في الموجودات وتأويل الحقائق الدينية بما يتلاءم مع شرائع العقل ويؤكد قدرته على معرفة عظمة الخالق، ما أثار سخط رجال الدين وغضبهم باعتبار كلام المراش كفراً وتجديفاً.

أما جبرائيل دلال الحلبي الذي ذهب بعيداً في علمانيته وصدامه مع رجال الدين، فقد دفع حياته ثمناً لموقفه، إذ قضى في سجنه عام 1892 لرفضه اتخاذ الأديان مطية لمآرب شخصية، وشجبه تواطؤ رجال الدين مع الاستبداد السياسي.

إزاء هذا التيار العلماني المواجه والصدامي الذي عرفه القرن التاسع عشر، والذي لم يكن إلحادياً أو لادينياً كما خيّل للبعض، سيعرف القرن العشرون تياراً علمانياً عقلانياً هشاً في مواجهته  وصداميته، لا يلبث أن ينكفئ إلى مواقع دفاعية مستسلماً إزاء نقد رجال الدين واتهاماتهم ودعاويهم التكفيرية.

وفي مقابل الإصرار والمواجهة والتحدي، سيسود الإذعان والانهزام والاعتذار والعودة الآمنة إلى أمان الأيديولوجيا السائدة.

وطه حسين الذي كتب "في الشعر الجاهلي" عام 1926 مستخدماً منهج الشك الديكارتي والنقد التاريخي الأوروبي، لم يلبث أن تحوّل عام 1933 إلى إنشاء كتاب على هامش السيرة النبوية بروح رومانسية إيمانية بعيدة من الشكية التنويرية العقلانية العلمية التي انتهجها في "الشعر الجاهلي".

وتكرر المنحى الانكفائي الاعتذاري مع عباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم. فكتب العقاد سلسلة "العبقريات الإسلامية"، وكتب توفيق الحكيم مسرحية "محمد" وانتقل محمد حسين هيكل من "حياة روسو" عام 1921 إلى "حياة محمد" عام 1935 متراجعاً عن أفكاره الأولى.

وفي شهادة على هذا التراجع يقول توفيق الحكيم في "الإيمان والمعرفة" 1929: "أشعر اليوم أن ما تخيلته في زمن من الأزمان عن العلم التجريبي واقتداره المطلق على حل كل ألغاز الكون، ليس يبلغ من نفسي ما كان يبلغ منها في شبابي".

أما إسماعيل مظهر الذي كان من أنصار الداروينية والعلموية، فقد عاد إلى انتقاد فصل الدين عن الدولة، داعياً إلى الجامعة الإسلامية. ولم يثبت علي عبد الرازق على الأطروحة التي دافع عنها في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" 1925، ومفادها أن السلطة في الإسلام مدنية لا تيوقراطية، لينصّب الملك فاروق من بين الأئمة الذين تنبأ رسول الله بظهورهم كل مئة عام ليجددوا للأمة دينها.

 
طه حسين والعقاد 
 
 
توجهات مختلفة

في هذا الإطار التراجعي الانكفائي يمكن أن ندرج الكثير من المفكرين العرب الذين اختطوا توجهاً مختلفاً في الثقافة العربية. فهذا زكي نجيب محمود رائد الوضعية في الفكر العربي يرجع عن وضعيته لـ "يزدرد تراث آبائه".

وهذا عبد الرحمن بدوي يعود عن وجوديته إلى تحقيق التراث ونشره، وهذا محمد عابد الجابري ينتهي من مشروعه الكبير "نقد العقل العربي" إلى أن "لا سبيل إلى التجديد والتحديث إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وإمكاناته الذاتية أولاً"، وإلى أن ما يقع خارج الدين يجب أن يلتمس المشروعية داخله لا خارجه. بصريح العبارة في رأي الجابري أن سؤال الحداثة "يتطلب حكم الشرع".

في ضوء هذه الانكفاءات الاعتذارية التراجعية، يجب أن نقرأ موقف نجيب محفوظ الذي حرص على نيل رضى الأزهر في اختياره الكاتب الإسلامي أحمد كمال أبو المجد لكتابة مقدمة روايته "أولاد حارتنا" في طبعتها الجديدة، بعد منعها 47 سنة في مصر.

وفي ذلك آثر محفوظ العودة المأمونة إلى دفء المواقع التراثية  وطمأنينة الانتماء إلى الأيديولوجيا السائدة.

ولكن إذا كان بعض علمانيي القرن العشرين قد آثر السلامة منصاعاً مذعناً منكفئاً، فإن بعضهم الآخر مضى في المواجهة إلى النهاية متحدياً أحكام التكفير، دافعاً ثمن موقفه غدراً وقتلاً ونفياً وتشريداً وهجرة قسرية. وليس أدلّ إلى ذلك من أحكام الموت التي قضى ضحيتها فرج فودة ومهدي عامل وكمال الحاج وحسين مروة وغيرهم في مصر والجزائر والسودان واليمن ولبنان وغيرها من أقطار العالم العربي.

إن موت هؤلاء دفاعاً عن علمانيتهم وإصرار آخرين على المواجهة مع العقل الإقصائي الظلامي، مهما كان الثمن، يبقي الأمل حياً في انتصار ممكن للعلمانيين العرب.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية