17-03-2023 | 18:46

جودت فخر الدين يواجه سطوة الزّمن بالقصيدة

إذا تأمّلت مسار جودت فخر الدين الشعري، منذ أواخر السبعينات وحتى اللحظة الراهنة، ستجد أنّ العمرَ في تجربته الإبداعية هو وعدٌ دائم بدهشةٍ أكبر وقصائد أكثر. حين بلغ عقده السادس، قبل أعوامٍ، كتب فخر الدين واحدًا من أجمل دواوينه بعنوان "في حديقة الستين"، وقدّم فيه فكرة العُمر بمقاربةٍ شعرية مُدهشة، ومن دون الاستغراق في الميلودراما، كما اعتدنا في التعامل مع "الزمن".
جودت فخر الدين يواجه سطوة الزّمن بالقصيدة
Smaller Bigger

 

إذا تأمّلت مسار جودت فخر الدين الشعري، منذ أواخر السبعينات وحتى اللحظة الراهنة، فستجد أنّ العمرَ في تجربته الإبداعية هو وعدٌ دائم بدهشةٍ أكبر وقصائد أكثر.

حين بلغ عقده السادس، كتب فخر الدين واحدًا من أجمل دواوينه بعنوان "في حديقة الستين"، وقدّم فيه فكرة العُمر بمقاربةٍ شعرية مُدهشة، ومن دون الاستغراق في الميلودراما، كما اعتدنا في نصوصٍ كثيرة أخرى. 

قرّر الشاعر أن يستقرئ الماضي بعيدًا من الانشغال بالألم أو الندم، فكان واحدًا من قلائل، إن لم نقل الوحيد، ممّن تناولوا تيمة الزمن بكثيرٍ من التصالح والتقبّل والوعي المعرفيّ.

هل هذا "التصالح" نابع من قوة داخلية فولاذية لا تضعف أمام متغيرات الحياة؟ أم أنّه استسلام خفيّ لحقيقةٍ أقوى منّا جميعًا؟

الجواب لا يهم. ففي كلتا الحالتين، قدّم جودت فخر الدين مقاربة شعرية بديعة لمعنى الزمن وكيفية مجابهته بالشعر، والشعر فقط.

لهذا، نلاحظ أنّ مرور الوقت لم يُرهِق طاقة فخر الدين الشعرية، بل زادها توهجًا، كمًّا وكيفًا.

ففي السنتين الأخيرتين، بدا جودت فخر الدين غزيرًا كما لم يكن من قبل. وتجلّى حضوره هذا من خلال مجموعاتٍ شعرية جديدة ومختارات، إضافة إلى كتاب بعنوان "غيمة فوق سور الحديقة"، هو عبارة عن حوارات أجراها اسكندر حبش معه.

إذًا... بعد "حديقة الستين"، الذي كان أشبه بسيرة شعرية بديعة تنقّل فيها بين الحيّز الخاص (الأنا) والحيّز العام (الطبيعة)، يُكمل صاحب "أوهام ريفية" قصائده كمتأمّل في شكل الحياة وتحولاتها عبر تيمتَي "الوقت" و"الطبيعة".

وهذا ما نلمسه جليًا في ديوانه الأحدث "هندسة تليها تقاطعات" (العائدون للنشر). ففي قصيدة "تقاطعات"، يكتب فخر الدين: "ينبسط الوقت كسهلٍ جارٍ./ يُبطئُ أحيانًا،/ يُسرع أحيانًا،/ أما الشعر فينبتُ فيه بعض الأشجار،/ ليوقفه أحيانًا...".

في هذا المقطع، يوضح الشاعر مقدرة الشعر على التحكّم في سباقنا المحموم مع الزمن. بالكلمة، يواجه "انسياب" الوقت، وبالكلمة أيضًا يتحرّر من هيمنة الزمن. ولعلّ الشاعر هو وحده القادر على اختراع زمنٍ فرديّ، موازٍ، لا يدخل في جدول الحسابات الزمنية كما عند الآخرين.

 

فلنتأمّل قليلاً هذا المقطع من قصيدة "تقاطعات"، وسنجد المعنى أوضح: "كلماتك تصنع وقتًا لك/ وقتًا لك وحدك/ وقتًا لا يجري بك/ بل يأتي بك/ يُلقيك بلا وزنٍ/ بين الأشياء الأفكار الأوهام/ فكُن كلماتك ما اسطعت/ لتُبصر وقتك/ كن كلماتك فعلاً/ حتى تسبح في وقت هو حقًا وقتك/ هِم في كلماتك وافرح حين تراها هائمة". (ص49).  

 

واللافت هنا هو استخدام الشاعر لضمير المخاطب، بدلًا من المتكلم، الضمير الأثير عنده وعند الشعراء عامة. وحين افتتح الديوان، فإنه اعتمد المتكلم للجمع، بقوله: "سنبدأ"، وكأنّه يُعلن منذ البداية أنّ القارئ هو شريكه في مغامرة شعرية/ بحثية/ تأملية، تتجاوز "الأنا" الفردية إلى "النحن" الأكثر إنسانية وشمولية وحقيقية.

 

ولو درسنا مجمل الأفعال الموجودة في هذا الديوان، فسنجد أنها أفعال حركية توحي بالفاعلية والمبادرة والتغيير مثل: "تمرّ، تنمو، قاومت، بنت، يحمل، يحنو، ينهض، نجعل، يفتح، تصنع، تسبح، يجري، يطير، تلهو، تقرأ، تكتب، تتقاطع"...

ولا شكّ بأنّ هذه الحركية في الأفعال تومئ إلى رغبة الشاعر في مواجهة حركة الزمن عبر كلماته.

 

وإذا كان جودت فخر الدين قد أعطى "الوقت" بُعدًا فرديًا، فإنّ الطبيعة أيضًا (وهي مُلك عام مثلها مثل الزمن) تأخذ في شعره منحىً ذاتيًا انطلاقًا من علاقة خاصة جدًا تجمعه بها.

 
 
 

منذ بداياته في مطلع الستينات، كتب فخر الدين عن الطبيعة بمرونةٍ لغويةٍ ونفسيةٍ تُوحي بأنّه وإيّاها يُشكلان كيانًا واحدًا. فمَثَلُ الشاعر كمَثَلِ الماء لا يشيخ، والهواء لا يهدأ، والغيم لا يتعب.

وليس عبثًا أن يتشبّه جودت فخر الدين بالطبيعة، فهو ابنها وقرينها والمفتَتنُ بها منذ أن كان طفلًا في قريته الجنوبية "السلطانية" حيث عاش هائمًا بين روابيها وشجرها وسهولها إلى أن ولدت بينهما حالة من التماهي، أو لنقل "التواطؤ". هي تدفع مخيلته نحو المجهول والخارق والمدهش، وهو يُمجدها بالشعر والأوزان والقصائد.

وقد تسوقنا هذه العلاقة القوية بينهما إلى قناعة بأنّ الطبيعة ليست مجرّد "تيمة" في شعر جودت فخر الدين، بل إنها المكوّن الأوّل في تجربته الإبداعية كاملةً.

وفي ديوانه "هندسة تليها تقاطعات"، يولى فخر الدين - كما عادته - الطبيعة باهتمامٍ خاص لكن ليس من موقعِ المتأثّر بها بل المؤثّر فيها.

 

يُعيد هندسة "الأمكنة": من الداخل (البيت)/ والخارج (الطبيعة). ولا شك بأنّ عزلة الشاعر في قريته أثناء جائحة كورونا خلّفت أثَرًا مباشرًا في إعادة ترتيب العلاقة مع المكان نفسه.

وليس مستغربًا أن ينطلق الشاعر خريطته الهندسية من مكانه الأحبّ "الغيمة"، وهو الذي ارتبط اسمه بها بعدما أسمته الناقدة خالدة سعيد "كليمُ الغيم"، استنادًا إلى كتابه المعروف "فصول من سيرتي مع الغيم".

 
 
 

وفي ديوانه المؤلف من قصيدتين طويلتين ومنفصلتين هما: "هندسة" و"تقاطعات"، يفتتح الشاعر مجموعته بالقول: "سنبدأ من غيمةٍ عابرة./ فنجعل من ظلّها خيمة،/ كائنات الحديقة تأوي إليها،/ وقد تستطيلُ، فلا بأس إن خرقتها،/ لتفتح بعض السماوات في سقفها./ خيمة، ستكون إذاً فسحةً لا حجابًا.../ ولكنها فسحة نحن نرسمها، ونحدد أطرافها، ونُسيّجها بانتباهاتنا الحائرة". (ص3).

وليس أجمل من هذا المفتتح لاكتشاف ماهية القصيدة التي تجعل من الشاعر مهندسًا يدرس الأبعاد ويتلاعب بالمساحات. ولا ندري سرّ المكانة التي يُخلّفها "الغيم" في قصائد فخر الدين. فهل طوله الفارع جعله يرى في الغيم رفيقًا؟ أم أن مخيلته التوّاقة إلى الطيران جعلته أقرب إلى الغيوم من الأرض؟

هذا الحضور الطاغي للطبيعة نلمسه أيضًا في ديوانه  أكثر من عزلة أبعد من رحلة" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2021). وفيه أيضًا نقرأ تأملات الشاعر وكأنها سيرة ذاتية تُسطّر حياة الشاعر في عزلته وقت الوباء من خلال مقاربة جديدة لفكرة "الداخل/ الخارج".

ويُعدّ هذا الديوان من أجمل ما كُتب في الشعر عن "العزلة" التي بدلت الاتجاهات وغيّرت رؤيتنا إلى الأشياء من حولنا. فيقول: "في حجرتي هيّأتُ ما يلزمني من كلّ شيء/ لم أعد في حاجةٍ للخارج/ والعالم في الداخل أمسى طوع أمري/ حجرتي تسمو وتسمو" (قصيدة "جلسة في بهو نيسان الجديد"، كُتبت في نيسان 2020).

 
 
 
اللّغة... والعلوم

إنّ الحديث عن الطبيعة باعتباره المكوّن الأول في بناء جودت فخر الدين الشعريّ، يستدعي التوقف عند المكوّن الثاني، والموازي، وهو "اللغة".

فالشاعر وُلد شاعرًا، لأبٍ وجدٍّ شاعرين. تشكّل وعيه على حبّ اللغة وتوسعت مداركه عبر قراءة ما اكتنزته مكتبة العائلة من دُرر التراث العربيّ، أدبًا وشعرًا.

وإذا كان الشعرُ في حياته فطرةً، فإنّ العلوم الفيزيائية كانت هي الاختصاص. وما زادته دراسته العلمية إلا تعلّقًا بالطبيعةِ، أرضًا وشجرًا وسماءً وفضاءً. وقد انعكس هذا الجانب العلمي على شعره، معرفةً ودقّةً وتنظيمًا.

بين الفيزياء والأدب، عاش جودت فخر الدين شاعرًا بهويةٍ إبداعية خاصة. قصيدته حالمة، شفافة، وشديدةُ الحساسية كما لو أنها مصنوعة من البلور، لكنها غير قابلة للكسر أو الانفجار لكونها مكتوبة بأعصابٍ هادئة.

شعره ليس جموحًا وصورًا ومجازات فقط، بل إنّه بناءٌ منظّم يخلق شيئًا من "الهارموني" (الانسجام) بين المعنى العميق، الوزن المضبوط، والنبرة الخافتة.

قد يكون ديوان "هندسة تليها تقاطعات" من أكثر المجموعات تعبيرًا عن تجربة فخر الدين وهويته العلمية والشعرية. فهو لم يكتفِ هنا بـ"نظم" قصائده، بل هَندسها من الداخل والخارج، أي المعنى والمبنى.

وفي هذا العمل، نقرأ اشتغالًا هائلًا على اللغة، بحيث يلجأ الشاعر في قصيدة "تقاطعات" إلى تكرار الفعل نفسه "تقاطع" لكن في أشكالٍ متعددة: "أصوات تتقاطع في الليل/ تمزّق أعماق سكينته..../ أصوات أكثر من أن تُحصى/ تتقاطع في ليلٍ يُحْدق بالكرة الأرضية" (ص 67).

وفي قصيدة "هندسة"، تتوالى منذ الصفحة الأولى الأفعال والمفردات المتصلة بالحقل المعجمي للهندسة مثل: "تتدرّج، شرقًا وغربًا، تستطيل، أهندسها، سياج، دليلًا، نغرس، خطّة، نظام، الجهات، غرفة أوسع"...

وبجانب اللغة، اشتغل فخر الدين على بناءٍ منظّم تَمَثّل في كتابة قصيدتين طويلتين، تضمّ كل واحدة منهما 24 مقطعًا شعريًا كُتبت بين شتاء وربيع 2021.

وإذا كانت الدقّة في البناء هي سمة بارزة في شعر فخر الدين عامّة، فإنها غدت هنا الأساس الذي بنى عليه قصيدتيه الطويلتين.

 

وأخيرًا... يبقى جودت فخر الدين، في جديده الشعريّ، كما كان دائمًا، مأخوذًا بأسئلة الإنسان القلق تجاه الحياة، حتى وإنْ توارى هذا القلق الدفين خلف نبرةٍ هادئة ونظمٍ رصينٍ وصورٍ مُتقنة.

 

 

 

 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية