تحدى فريق العمل في مسرحية "جريمة بيضاء"، استشراء الهزْل في "المسرح التجاري"، أو ما يسمى مسرح القطاع الخاص، والذي أحياناً ما يمتد ليشمل حتى مسرح الدولة المعروف تاريخياً برصانته ومهنيته العالية.
والأرجح أنهم نجحوا في ذلك تماماً، على مستوى الجمهور والنقاد، على حد سواء، ومن ثم أحيوا الأمل في اتصال العهد بالمسرح الجاد، تأليفا وإنتاجاً، وإخراجاً وتمثيلا، مع العناصر الأخرى، من ديكور وإضاءة، وملابس، وماكياج وموسيقى...
وهذه المسرحية كتبها بإتقان الشاعر يسري حسان، فجاءت كتابته إبداعاً موازياً للنص الأصلي للعمل وهو قصة للكاتب العالمي دورينمات.
وكانت المفاجأة أن كتابة يسري حسان جاءت باللغة العربية الفصحى، وكان ذلك من أهم عناصر التحدي، في عرض جماهيري، وليس عرضاً أُعد لإحدى مسابقات المسرح، والتي ينحصر جمهورها عادة في نخبة، هي بطبيعتها محدودة. وكلنا نعرف أن يسري حسان هو أحد أبرز شعراء العامية المصريين في الوقت الراهن، لكن متابعي عمله في الكتابة عن المسرح يعرفون أنه يمتلك ناصية التعبير بالفصحى أيضاً، وتجلت ذروة نشاطه في هذا الصدد في تأسيسه لجريدة "مسرحنا" ورئاسة تحريرها على مدى سنوات عدة، وفي مقالاته لموقع "إندبندت عربية" الدولي، ومن قبلها لجريدة "الحياة" اللندنية، وجريدته الأم "المساء".
أما كتابته العامّة الساخرة، فهي أيضاً تعكس عمق ثقافته وجرأته في الحق، وتفرده في هذه النوعية من الكتابة التي يندر وجود من يجيدونها عادة. النص الأصلي هو قصة "العطل" لفريدريش دورينمات واستند يسري حسان إلى ترجمة سمير جريس لهذه القصة من الألمانية إلى العربية.
وقد اتكأ على خبرة مسرحية عميقة ناقداً، وكاتباً، وشاعراً، فكتب نصاً راقياً، يناسب أجواء الأحداث وبيئتها الأوروبية وزمنها، مع إسقاطات على الواقع المصري الراهن، أشاعت البسمة على وجوه المتفرجين (مسرح الهوسابير).
المتقاعدون
ويحسب لحسّان أنه فعل ذلك ضمن السياق الدرامي، بدون الوقوع في المباشرة، عبر وعي مخرج قدير هو سامح بسيوني، وكوكبة من الممثلين الراسخين، من ناصر سيف في دور التاجر الوصولي، الذي خان ولي نعمته، وتسبّب في موته قهرا، وعلاء قوقة في دور وكيل النيابة البارع في استدراج المتهمين بنعومة للإقرار بما يدينهم، وأيمن الشيوي في دور القاضي، الذي اعتزل القضاء رسميا لأنه وجد القوانين المعمول بها عاجزة عن إدانة مرتكبي ما يسمى "الجرائم البيضاء"، وخالد محمود في دور المحامي الأفاق، البارع في إلباس الباطل ثوب الحق، ورضا إدريس البستاني المسؤول عن رعاية حديقة قصر القاضي والذي يقوم في نهاية العرض (مدته 75 دقيقة) بحفر قبر طالبا من التاجر المُعترِف بجريمته "البيضاء" بأن يدفن نفسه فيه. حدث ذلك على الرغم من أن القاضي قد حكم على ترابس بـ "الإعدام حيا"، فليس في سلطته أن يحكم بغير ذلك؛ بما أنه لا يمارس هنا القضاء بشكل رسمي.
المجموعة كلها ينطبق عليها هذا الوصف، فكلهم، متقاعدون، لكنهم جعلوا من بيت القاضي السابق ما يشبه المحكمة، ومن ثم كانوا ينتظرون كل ليلة مَن يسوقه القدر إليهم (وهو تمثّل في هذه الحالة في ميكانيكي البلدة، ومن بعده موظف الاستقبال في فندقها الوحيد).
جاء العرض على هيئة مشاهد متتالية تبدأ من بيت "الفريدو ترابس" (ناصر سيف)، وحوار عاصف له مع زوجته (تقوم بدورها منة بكر) التي تشتكي من انشغاله الدائم في البيزنس الخاص به والذي ترتَّب عليه إهماله لها ولأولادهما، ولأخته الصغرى (تقوم بدورها جنا عطوة) التي تعيش معهم، حتى إنها تصارحها بشكها في أنه على علاقة بامرأة أخرى. ينتهي اللقاء بأن يفقد "ترابس" تركيزه مع ما تقوله زوجته له، ليتذكر بؤس حياته قبل أن يعرف سبلا غير سويّة لتحقيق ثرائه الفاحش.
صفقة جديدة
يتركها ترابس ليسافر بسيارته الغالية كي ينهي صفقة جديدة، لكن السيارة تتعطل في طريق عودته، تحديدا في تلك البلدة. وبعد أن يخبره الميكانيكي (رامي حازم) بأن إصلاحها متعذر قبل حلول الصباح، سيكون عليه البحث عن مكان يبيت فيه ليلته. يدله الميكانيكي على فندق قريب، لكن موظف الاستقبال (وليد الإدفاوي) يخبره بأنه لا توجد لديه أي غرفة شاغرة، وينصحه بالذهاب إلى بيت القاضي المتقاعد (أيمن الشيوي) ليبيت هناك. يستقبله القاضي ويخبره بأنه يرحب بأن يبيت عنده، على أن يقبل بأن يكون طرفا في لعبة اعتاد هو وأصدقاؤه وكيل النيابة المتقاعد (علاء قوقة) والمحامي السابق (خالد محمود) والجلاد المعتزل (أحمد أبو زيد) على ممارستها وهم يحتسون النبيذ. أما دوره في هذه اللعبة فهو دور المتهم وأدوار الآخرين هي نفسها التي لطالما لعبوها بشكل رسمي في وقت سابق، وأصبحوا الآن يمارسونها لتزجية أوقاتهم التي لم تعد تشغلهم فيها أي أعباء وظيفية. تتوالى أسئلة وكيل النيابة، وأجوبة المتهم الذي يجد نفسه راغبا، بلا سبب مفهوم، سوى أن يكون ضميره استيقظ فجأة، لأن يعري نفسه أمام هذا الجمْع الذي يلتقيه للمرة الأولى (وطبعا الأخيرة) في حياته. وتضيع محاولة المحامي في الدفاع عنه ودفعه للمراوغة، سُدًى، فيندهش ومعه القاضي وحتى وكيل النيابة والجلاد، وكذلك الخادمة (نور مجدي) التي أعدَّت لهم عشاء شهيا وواصلت ملأْ كؤوسهم بالنبيذ، من مضي لعبتهم بسلاسة مطلقة في تلك الليلة.
سيوف العدالة
اعترافات ترابس ستشمل إغواءه لزوجة رب عمله السابق في تجارة الأقمشة (تلعب دورها نور القاضي)، حتى صارت عشيقة له، وكذلك تسببه في موت الزوج الذي كان يعاني من مرض في القلب ولم يحتمل مواجهة خيانة زوجته له مع هذا الشخص الذي لطالما وثق فيه.
ونجح الديكور الفخم (من تصميم حازم شبل) في إضفاء طابع جمالي لافت على مختلف مشاهد العرض، سواء في بيت ترابس، أو في بيت القاضي، وحتى في ورشة الميكانيكي، وفي بهو الفندق، وفي حديقة قصر القاضي. ولعبت الموسيقى (من إعداد محمد علام) في مواكبة سخونة المشاهد، تارة، ونعومتها، تارة أخرى. وامتازت الملابس التي صممتها سماح نبيل بالقدرة على نقل المتفرج إلى أجواء حقبة زمنية أوروبية قديمة نسبيا، فضلا عن إضفائها طابعا ملائكيا على أربع فتيات وقفن صامتات في الجوانب الأربع للخشبة طوال معظم مشاهد العرض والتي جرت داخل صالة قصر القاضي المتقاعد، مع أن كلا منهن كانت تحمل سيفا فبدون وكأنهن حارسات لطيفات للعدالة، وفي المقابل جاءت الدراما الحركية التي أبدعتها بوسي الهواري، متسقة مع رؤيتي المؤلف والمخرج، ومنسجمة تماما مع مختلف عناصر العرض التي جاءت متكاملة إلى حد بعيد في ظل إنتاج سخي تولته أروى قدورة.
...
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض