31-12-2023 | 12:06

"غزّة" حضرت في أيّام قرطاج المسرحيّة... و"أمل" المقاومة يحيا بالفنّ أيضاً!

"غزّة" حضرت في أيّام قرطاج المسرحيّة... و"أمل" المقاومة يحيا بالفنّ أيضاً!
Smaller Bigger
لم ير بشاعة العالم كما رسمتها الحرب العالمية الأولى ولا الثانية، ولا في بؤسه مع تبعات قنبلة هيروشيما، ولم يشهد أكثر المراحل "عدميّة" في تاريخ الإنسان المعاصر. 
كما لم يشهد نشأة التلفزيون والأخبار المضلّلة ولم يعاصر القضية الفلسطينية أو اللبنانية، ولكنّه استبقنا إلى حيرتنا حول هذا العالم حين وضع أمامه نقطة استفهام كبيرة وقال: "الكاتب – الطبيب النفسي يُفْرَض عليه أن يُحلِّل. وهو بهذه الطريقة محلل نفسي. لكنني لست متفقاً معه. لقد حان الوقت ليعترف الناس الذين يكتبون، وأخص بالذكر الفنانين، بأننا لا نفهم أي شيء من هذا العالم!". هكذا تكلّم أنطون تشيخوف (1860.1904) الذي "فتّت" نواميس المجتمعات ومسلّماتها بسلطة الكلمة، ورجّ بكتاباته الأجساد فثارت على الرّكح في "تشكيلات" وتعبيرات مسرحية.  
وفي الدورة الأخيرة (24) لأيام قرطاج المسرحية، اخترق تشيخوف الفضاءات المسرحيّة التونسية وحضر رمزياً في معرض خاصّ بأعماله وفي ندوة تناولت مساره.  
العودة إلى مسرح تشيخوف في دورة مهداة إلى فلسطين على خلفية الحرب على غزة، هو تأسيس لقاعدة نظرية أو لهوية جديدة أو تصوّر مختلف عن مسرح المقاومة. تصوّر يستجيب لهويّات جمهور متجدّد يبيح له السّياق انتظارات جديدة.
 
فهل شكّلت العروض المسرحيّة المقدّمة في أيّام قرطاج المسرحيّة الفضاء الممكن للمقاومة أمام جمهورها الجديد؟
 
 

التمرّد والمقاومة
كان تشيخوف متحدياً للعائلة والمحيط وأعراف المجتمع، كان يتمرّد على كلّ تصوّر فيه ذوبان للذّات داخل المجموعة، كان المقاوم بأدبه المخترق لكلّ المساحات المغلّفة بالممنوع... وهي صورة المبدع المثقّف الذي ربما نحتاجها اليوم في السياق الحربيّ وسياق المقاومة. 
"بالمسرح نحيا....بالفن نقاوم" هو شعار الدّورة 24 من أيّام قرطاج المسرحيّة التي انقضت قبل فترة، والتي جاءت بتنظيم من وزارة الشؤون الثقافية وبدعم من المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية. 
وكرّمت الدورة عدداً من المبدعين : عبد الرؤوف الباسطي، حسين المحنوش وناجية الورغي من تونس، وروجيه عساف وحنان حاج علي من لبنان، وأمين زندكاني إلهام حميدي من إيران، ويايا كوليبالي من مالي والإعلامية هالة سرحان من مصر.
 

القضية الفلسطينة والمسرح والمقاومة
 
حضرت القضيّة الفلسطينية في أشكال وتعبيرات فنية عدة. ففي الشعر قرأت الفنانة اللبنانية حنان حاج علي نصاً لحيدر الغزالي من غزة، وقرأ الفنان التونسي رؤوف بن عمر قصيدة "أيها المارّون" للشاعر الفلسطيني محمود درويش. 
وحضرت القضية على مستوى انتقاء الأعمال المسرحيّة المشاركة والتي كانت في معظمها أعمالاً رمزية كونية هادفة، حاملة لقضايا إنسانيّة عن الصّراعات الإنسانية والجدالات الرّاهنة. 
يحمل كلّ عرض مسرحيّ خصوصيّة وطنه ولا يتوقّف عندها بل يتعدّى دفاعه عن الإنسانية حدود الجغرافيا. والمسرح كالحلم الذي لا نسعى خلف تحقيقه، فهو صراعات وجدالات فكرية يترجمها الجسد بكلّ إمكاناته التحرّرية ويتحسّسها الجمهور بكلّ استعداداته للتغيير. فنادت المسرحية التونسية لبنى مليكة والمسرحي إبراهيم جمعة "حلمت بيك  لبارح"، وحملنا الحلم إلى عوالم إيميل سايا وكليمون دازين من فلسطين وعدنا منها إلى تونس حيث "ألباتروس" الشاذلي العرفاوي و"شعلة أمينة الدشراوي". وحملنا فرج بوفاخرة من ليبيا إلى تخريف ثنائي. وبين الثنائية نجد أنفسنا في عالمي / عالمية برينجير بروكس من السنغال. وكانت مسرحيّة الخنزير لسيد ماجد السيهاتي من المملكة العربية السعودية.
 
 

 
العراق يضيء بأمل وطلقة الرحمة
 
قد تكون كلّ الأعمال المسرحية التي شاركت في الدورة الـ24 من أيام قرطاج المسرحيّة قادرة على تشكيل جزء من المقاومة، كما نتمثّلها في الفن المسرحي نصاً وأداءً وإخراجاً وديكوراً وسينوغرافيا. 
ولكن القيمة الإبداعية المضافة أتى بها العراق، وكأنّه يشكّل مخبره البحثي في مسرح المقاومة مباشرة أمام الجمهور، وكأنّه يقدّم للمسرح العربي نموذجاً للمقاومة فنياً بعيداً من المدارس الكلاسيكية والذوبان فيها. ومن هذا الشغف ولدت "أمل" أملاً للحياة بالمقاومة. 
لقد ترجمت مسرحية "أمل" ما تعيشه كلّ الدول العربية وما تمرّ به الإنسانيّة، وإن كانت تنطلق من خصوصية السياق العراقي. 
مسرحية "أمل" هي من إنتاج الفرقة الوطنية للتمثيل التابعة لقسم المسارح في دائرة السينما والمسرح بالعراق، ومن تأليف وإخراج الدكتور جواد الأسدي عن سينوغرافيا لعلي محمود السوداني وتمثيل حيدر جمعة ورضاب أحمد. 
تنطلق أمل بقصة زوجين عراقيين تغصّ ذاكرتاهما بمجازر ودم على خلفية ما عاشه العراق بعد الاحتلال، وما يعانيه من تبعات الطائفية والانشقاقات. 
كلّ منها ذاكرته قصّة اغتيال وترهيب وقتامة تبدأ مع تهاوي سلطة المثقف وعجزه عن الدفاع عن القضية العراقية، ومع هذا تستمرّ المقاومة بشكل ما حتى لا يحصل الإجهاض مرّة أخرى. 
المقاومة من خلال الوطنيين بالعراق والمقاومة على المسرح من خلال فكرة حرّرها الجسد التائق للتحليق. 
يعيدنا التّرميز في المسرحية إلى هويّتنا، حيث كلّ واحد منّا من بلده وبيئته يحمل صوراً ومشاهد مفزعة ومرعبة، وكلّ واحد منّا يريد ألا يذهب دم الشهيد سدى. 
تدور القصص عن العراق لكنها سرعان ما تتحوّل إلى قصص خالدة عن الإنسان وصراعاته في العالم المعاصر. هي وجه فلسطين وغزة في معاناتها، وهي وجه كل دولة عربية أخرى. من هذا المنطلق كانت "أمل" مساحة الجمهور المواكب للدّورة لتمثّل المقاومة بالفن، وتحديداً بالفن المسرحي، ومن هذا الأمل تنبثق أيضاً حياة على شاكلة "طلقة الرحمة" للمخرج العراقي محمد مؤيّد. 
وكانت "طلقة الرحمة" الرّجة الفكرية لجمهور الدورة. فرصة لقاء حرّ مع جسد. مع موسيقى الجسد. مع موسيقى ندوبه. مع موسيقى اشتهاء الانعتاق. الشغف بالتحليق. فـ"طلقة الرحمة" إيقاعات ندوب الروح حين تكتبها أجساد متنافرة حيناً متلاقية وأحياناً فوق ركح داخل فضاء تتحاور فيه الرّموز والمعاني بحثاً عن ضوء ما قد ينفجر كبركان على أمل ما. 
وكان نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي حاضراً رفقة أحمد حسن موسى، المدير العام لدائرة السينما والمسرح، وأبديا دعمهما التام لهذين العملين المسرحيين اللذين قدّما صورة المسرح المقاوم بالعراق.
 
وتستمرّ المقاومة مسرحياً عسانا نفهم شيئاً من هذا العالم، ولو أنّنا نتفق مع تشيخوف على أنه لن نفهم شيئاً منه لأنّنا لن نفهم شيئاً من هذا الإنسان وقدرته على إنتاج الشرّ حين نرى مجازر فلسطين ونرى في المقابل تهاوي سلطة المثقف وتهاوي الإرادة، وصمتاً يخيّم كأنّ موت طفل حادث عابر أو تقتيل مدنيّ واستعراض لنشرات إخباريّة. تحوم حولنا حالة من الصمت تشبهنا نحن الشعوب حين نتسمّر أمام التلفزيون ونفتح المنصات الاجتماعية تقضياً عمّا يحدث في غزة، ونصبّ كلّ تركيزنا على ما يعرض وعزاؤنا دمعة ترافقنا إلى مضاجعنا.

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
لبنان 5/2/2026 7:19:00 PM
 انتشار عدد من الصور المسيئة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حملةٍ تتجاوز حدود التعبير عن الرأي