ينتمي ساردُ رواية "أخبار الأيام الأولى" (دار مرايا - القاهرة) للكاتب ماجد وهيب، إلى الزمن الراهن، مع أن الأيام المقصودة في العنوان ترجع إلى زمن خلْق آدم وحواء، وبداية تعميرهما الأرض، وإلى ما قبل ميلاد المسيح.
أما أخبارها فهي عن بشر تلك الحقب وترحالهم من مكان إلى آخر في الأرض، وتشرذمهم ما بين معرفة الله والجهل به. وكذلك بين معرفتهم بانتمائهم إلى آدم وحواء، وعدم إدراكهم تلك الحقيقة التي هي دينية بالأساس.
يعيد ماجد وهيب إذاً إنتاج القصص الديني، في سياق روائي، مركزاً على الأسئلة الوجودية التي لازَمت الإنسان منذ خلقِه وإلى الآن، وتكرارها من عصر إلى آخر، بلا انتهاء؛ وعلى رأسها سؤال: لماذا يلجأ أخٌ إلى قتل أخيه، مباشرة، أو عبر الحروب التي تبدو سمة مميزة لعلاقات البشر بعضهم ببعض على مر الأزمان. ومنها ماهية الخالق، وعلاقته بخلْقه، وديمومة إغواء الشيطان للبشر، ومغزى الحياة والموت، وما بعد الموت، وحقيقة الإيمان، وإشكاليات العلاقات الإنسانية اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، ودينياً...
يبدأ ساردٌ عليم بسرد حكاية جماعة بشرية تفنى بسبب وباء غامض (ربما يعادل ذلك الطوفان في القصص الديني وفي الأساطير المنتمية إلى ثقافات شتى)، ولا يتبقى منها على قيد الحياة سوى شاب في مقتبل العمر؛ يدعى "نوح"، يجد مصادفة فتاة (كأنه هنا آدم جديد وهي حواء جديدة)، مات أهلُها هي الأخرى عن آخرهم، فيتزوجها ويشترط عليها ألا ينجبا، ظناً منه أن العالم لم يعد فيه بشر سواهما.
لكنهما يفاجآن بشيخٍ وشاب وصَبيّة، يطرقون عليهما الباب ويطلبون السماح لهم بالعيش في المكان ذاته. وبعدما نبَّه الشاب الوافد ويدعى "وائل" الزوجة واسمها "خليلة"، إلى أنها تستطيع أن تنجب من زوجها، بما أن بينهم صَبيَة يمكن لذَكرٍ تنجبه أن يتزوجها وتكون هذه بداية جديدة لاستئناف إعمار الأرض.
تصارح زوجها باقتناعها بهذا المنطق، ويوافقها خوفاً من أن تتركه وتقترن بـ"وائل"؛ هذا الذي لا يخلو من سمات تجعله معادلاً روائياً للشيطان، على الأقل في نظر "نوح" الذي لم يشعر تجاهه بالارتياح مطلقاً. ينجبان ذكريْن، وبعد أن يبلغا سن الشباب تختار الصَبيّة التي كبرت هي أيضاً أحدهما، ليتزوجها، فيحنق عليه أخوه ويقتله (تكرار لقصة قايين أو قابيل، وهابيل) بأن يُغرقه في النهر، ويدعي أمام الجميع، أنه حاول إنقاذه من الغرق ولكنه لم ينجح في ذلك.

تاريخ يكرر نفسه
سيتضح أن "وائل" رأى ما حدث، ووعد القاتل بألا يفشي سره، وزيَّن له فكرة الزواج من أرملة أخيه، وتتوالى الأيام لتتحول هذه الجماعة البشرية إلى أمّة، لا تصدق ما رآه كبيرها "نوح" في منامه من أن هناك على الأرض بشراً غيرهم. وبعد أن تنتهي تلك الحكاية ينطلق السرد مباشرة إلى حكاية أقدم شهدت حدثاً مماثلاً، خلَّدتْه الكتب السماوية، وهي حكاية خلق آدم وحواء وطرْدهما من الجنة، وقيام أحد ابنيهما بقتل أخيه، "لأن الله تقبَّل قربانه، ولم يتقبل قربان الأول".
وهي بالطبع قصة معروفة، لكن وهيب أعمل خياله ليغوص في تفاصيل ما أجمله العهد القديم، ومن بعده القرآن الكريم، خصوصاً في ما يتعلَّق بحياة هذا الثنائي على الأرض وتأقلمهما مع صعابها، والأهم ائتلافهما كزوجين مأمورين بإعمار الأرض، من خلال الزواج والإنجاب، وإعلام ذريتهما بحكايتهما وبأن عليهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا بعبادته أحداً.
يفترض وهيب بعد أن يسهب في قصة خلْق آدم وحواء، وخروجهما من الجنة عقاباً على معصية أمرِ ربِهما والخضوع لغواية الشيطان، أن "هابيل"، القتيل، عاد إلى الحياة بعدما قتله أخوه قايين، وأن الأخير هام على وجهه نادماً على جريمته. يجد "هابيل" نفسه بين جماعة من البشر، دون أن يدرك أن زمناً طويلاً يفصله في الواقع عن زمنهم، معتقداً أنهم ليسوا من نسْل والديْه اللذيْن كان يظن أنهما لا يزالان على قيد الحياة. ويجد أن حياته بين هؤلاء الذين لا يؤمنون بروايته عن أنه أحد ابني رجل وامرأة طردا من الجنة، وأن للعالم إلهاً واحداً لا ينبغي الشِرك به، تضطره إلى القتل، مرة دفاعاً عن نفسه، ومرة دفاعاً عن زوجته. يتعجَّب مِن تحوله مِن قتيلٍ إلى قاتل، ويرحل بإيعاز من مَلاكٍ أخبره من قبل أنه مكلفٌ برعايته، أينما حلَّ.
اقتباسات دالة
يصل مع زوجته، بعد أن يتركا قومها لحكمٍ إلهي بإفنائهم عقاباً على كفرهم به، إلى أرض أخرى يعيش فيها بشرٌ أكثر منهم تحضراً، يعرفون أن هناك إلهاً لا ينبغي الشرك به، لكنهم لا يتذكرون شيئاً عن أصل خلْقهم. وهناك يتلقى أمراً إلهياً بأن يذبح ابنه، فيمتثل له على مضض، فيفتديه الرب بكبش، لتتلاقى هذه الأمثولة مع ما ورد نصاً في العهد القديم، ثم في القرآن الكريم، كذلك؛ مع اختلاف في الزمن وفي اسمي طرفي هذه التجربة.
تتألف الرواية من 15 فصلاً؛ يستهل الكاتبُ كلاً منها باقتباس من شاعر أو روائي أو فيلسوف من القدامى والمعاصرين؛ على حد سواء. ومن هؤلاء المؤرخ الروماني لاكتانتيوس (240 – 320م) وقوله: "لقد طرد الرب الإنسانَ من الجنة، وكي لا يقترب منها ثانية أحاطها بجهنم". وهو اقتباس تعبر عن تبني مضمونه في هذه الرواية فقراتٌ عدة تتحدث عن محاولات متكررة من جانب آدم وحواء للعودة إلى الجنة لكنها تفشل بسبب ما أحيط بها من موانع تعيق التسلل إليها. وتأتي الاقتباسات الأخرى دالة إلى ذلك النحو، ما يجعلها غير مقحمة على المتن، بل إنها تؤكد مبتغاه وهو أن لقصة الخلق روايات شتى، سواء في القدم، أو في الوقت الراهن، وبعضها يقول بأن آدم ليس أباً لجميع البشر. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، وجاءت الاكتشافات العلمية الحديثة لتؤكد أن للإنسان الحالي أسلافاً، وأنه التقاهم وتزاوجوا.
تفكيك وتناص
في روايته، يتناص ماجد وهيب مع القصص الديني ويفككه ويعيد إنتاجه، كما أسلفنا. فمثلاً، "يوسف"؛ في الرواية، هو ابن "هابيل" و"ثمرة"، وقتله إخوتُه؛ لاعتقادهم أن أباهم يفضّله عليهم. وهو هنا أكبر منهم سناً، على خلاف القصة الدينية التي تقول إن يوسف عدلَ إخوتُه الأكبر منه سناً عن قتله وتوافقوا على إلقائه حياً في بئر. إخوة الرواية سيندمون على ما فعلوا، ثم سيقرر أبوهم، وهو ملكٌ على قومه، الهجرة إلى مصر. قبل ذلك سيتضح أن قايين انتهى به الترحال إلى المدينة التي صار هابيل حاكماً عليها بعدما بدأ حياته فيها مزارعاً وراعياً للأغنام، فأكرم الأخير وفادته، ثم قدّما قربانين، تقبلهما الله، بما يعني أنه قد غفر للقاتل الذي ندم طويلاً على فعلته القديمة.
كان هابيل بعدما أعاده الله إلى الحياة، في حيرة من أمره، وكان يردد في نفسه: "ما نفع الحياة بعيداً عمَّن أحب، بعيداً عن أمي وأبي، وحتى عن أخي الذي قتلني" (ص 129.).
قال له واحد من القوم الذين حلّ عليهم إن اسمه نوح على اسم جده الكبير، وهو غير نوح الذي نجا ومن معه من الطوفان، إنه نوح هذه الرواية، رواية ماجد وهيب.
ولكن اتضح أن ذلك الحفيد لا يعرف شيئاً عن قصة الخلْق التي يعرفها هابيل. قال له: قيل لنا من آبائنا إن الأرض كان بها بشر غير أسلافنا. خلفاء نوح كانوا يعبدون الشمس، لأنها تنير لنا كل يوم، ونعبد النار التي تنير لنا الليل. أما زعيم تلك الجماعة فكان يدعى "نائل"، على اسم جده المذكور في هذه الرواية. أي أن الزعامة استقرت في أحفاد "نائل"، بينما أحفاد "نوح" يكنون لهؤلاء البغض؛ لأنهم يرون أنهم الأحق بالزعامة. نسل الشرير صاروا سادة على نسل الطيب. "نائل"، في حكايتنا هذه، مثل الحيّة، في الحكاية الدينية. هو الذي أغوى كلاً من "نوح" و"خليلة"، بالإنجاب. ولما مات "نوح" تزوّج "نائل" من "خليلة".
شيوع القتل
يقول السارد الذي ينتمي إلى أيامنا: "قبل أن نكمل سرد هذه الحكاية، حكاية بزوغنا وتكويننا الأول، حكاية أجدادنا، القتلة والمقتولين، المعروفين والمجهولين، على حد سواء، سنعود سريعاً إلى الدقائق التي سار فيها هابيل برفقة نوح..." (ص 145).
ويزعم السارد نفسه أن القوم الذين عاش بينهم هابيل وتزوج من إحدى بناتهم؛ "لهم أنوف مفلطحة وشَعْر مُجَّعد وبشرة داكنة". ويقول أيضاً، معبراً عن انتمائه للزمن الراهن، وموجهاً حديثه إلى متلقين افتراضيين: "لا مجال لواحدٍ أن ينال الإعجاب لأنه أنيق الملبس ويرتدي ماركة غالية في حين يرتدي الآخر ملابس رخيصة، ولم يكن لأحدهم أن يتميَّز بقَصَةِ شَعْرٍ لائقة تجعله وسيماً، ولا بعطر غالي الثمن يفتن من يمر بهن".
يسأل هابيل الملاك: "هل سيعيد الرب إلى الحياة كل إنسان سيموت مقتولاً؟"، يجيبه: "ستأتي أيامٌ سيكون القتل فيها أسهلَ طريقة للموت وأكثر الطرق شيوعاً" ص 101. سينبئه أيضاً أنه سيأتي يومٌ تتعدد فيه لغاتُ الناس، لكنه سيظل قادراً على أن يتكلم مع الجميع، كل حسب لغته. يفكك وهيب المستقر عن أن الناس جميعاً جاؤوا من نسل آدم وحواء، ليقول على لسان الملاك إن من يعبدون غير الله، ليسوا من نسل آدم وحواء، ومع ذلك فإن الله هو الذي خلقهم. فلماذا خلقهم وهو يعلم أنهم لن يعبدوه وسيرتكبون أفظع الشرور؟ قال له: "لولا الشر ما عُرف الخير". وحين استنكر الملاك سؤالاً رأى فيه جرأة ممن قبِل الرب قربانه، قال الأخير: "أنا أفكر والتفكير ليس خطيئة تمنع قبول الرب للقربان. فقط أريد أن أعرف وأفهم".
ترحال للمعرفة
هي رواية الترحال البشري نحو المزيد من المعرفة، ولكنه يبدو بلا انتهاء. مع أن ماجد وهيب يختم روايته بأن يقرر هابيل التوجه إلى مصر. وهنا سنلاحظ أن كل الأماكن في هذه الرواية بلا أسماء، باستثناء "عدن"، حيث الجنة التي طُرد منها آدم وحواء، ثم مصر التي لا تقول الرواية شيئاً بشأنها باستثناء أن هابيل قرر نزولاً على أمر إلهي أن يصحب أهله ويسافر إليها ليستقروا فيها. فهل مصر المذكورة هنا كانت معمورة في تلك الحقبة؟ أم أن نزوح آل هابيل إليها سيكون بداية لعمرانها وتأسيس حضارتها التي يعرفها العالم اليوم، ولكنه لا يزال في حيْرة إزاء كثير من خباياها؟ وعلى أية حال فإن دلالة التوجه إلى مصر بالذات لا تخفى دلالتها الدينية في معتقدات اليهود والمسيحيين والمسلمين، على حد سواء، وكذلك معتقدات قدماء المصريين أنفسهم لجهة ما يقال عن أنهم ربما كانوا أول شعب عرف الله الواحد الأحد، وربما سيصبح "هابيل" في رواية ماجد وهيب أول نبي تطأ قدماه هذا البلد، إذا مددْنا خيط نهاية روايته على استقامته لنبني حكاية جديدة تنتمي إلى تلك الأيام الأولى. في رواية "أخبار الأيام الأولى"، ما يجعل من الصعب أن تمر من دون أن تثير جدلاً أبعد من جدل النقد الأدبي، كما سبق أن حدث مثلاً مع "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ" و"المسيح يصلب من جديد" لنيكوس كزانتازاكيس، و"عزازيل" ليوسف زيدان، و"آلام يهوذا" لماجد وهيب نفسه.
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض