25-03-2024 | 18:59

باسم مروان فليفل... يؤرّخ لأبي العلاء المعرّي

حين أطلق ابن رشيق القيرواني، في القرن الحادي عشر الميلادي، على معاصره أبي الطيّب المتنبّي لقب "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، لم يكن يعلم أن هذا اللقب نفسه ينطبق على معاصر آخر له هو أبو العلاء المعرّي. ذلك أنّ الأخير، منذ رحيله عن هذه الدنيا، منتصف القرن المذكور، لا يزال يملأها ويشغل ناسها، فيختلفون في ميلاده وحياته ووفاته، في دينه وإيمانه، في فكره وفلسفته، وفي شعره ونثره. ويضعون فيه الكتب والدراسات. ولعلّ كتاب "الشافي في سيرة أبي العلاء المعرّي" للمؤرّخ باسم مروان فليفل، الصادر عن "دار نلسن" في بيروت، هو آخر ما صدر في هذا الإطار، في مقدّمتين، وستّة فصول، وأربعة ملاحق، وتراجم أعلام، وفهرس للأعلام والأماكن، وآخر للمصادر والمراجع، ما يجعلنا إزاء عملٍ متكامل، في الشكل والمضمون.
باسم مروان فليفل... يؤرّخ لأبي العلاء المعرّي
Smaller Bigger
حين أطلق ابن رشيق القيرواني، في القرن الحادي عشر الميلادي، على معاصره أبي الطيّب المتنبّي لقب "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، لم يكن يعلم أن هذا اللقب نفسه ينطبق على معاصر آخر له هو أبو العلاء المعرّي. ذلك أنّ الأخير، منذ رحيله عن هذه الدنيا، منتصف القرن المذكور، لا يزال يملأها ويشغل ناسها، فيختلفون في ميلاده وحياته ووفاته، في دينه وإيمانه، في فكره وفلسفته، وفي شعره ونثره. ويضعون فيه الكتب والدراسات. ولعلّ كتاب "الشافي في سيرة أبي العلاء المعرّي" للمؤرّخ باسم مروان فليفل، الصادر عن "دار نلسن" في بيروت، هو آخر ما صدر في هذا الإطار، في مقدّمتين، وستّة فصول، وأربعة ملاحق، وتراجم أعلام، وفهرس للأعلام والأماكن، وآخر للمصادر والمراجع، ما يجعلنا إزاء عملٍ متكامل، في الشكل والمضمون. 
 
  محرّر أم مؤلّف؟
على أنّ السؤال الذي يطرحه الكتاب في مقدّمتي المحرّر والمؤلّف يتعلّق بالعلاقة بين الاثنين ودور كلّ منهما في وضع الكتاب، لا سيّما أن المحرّر ميشيل نقولا بكني يستخدم في مقدّمته عبارات تشي بأنّه ليس مجرّد محرّر بل هو شريك في التأليف، من قبيل: "وقد حرصنا على تناول مباحث الكتاب تناولاً عاماً... وارتأينا أن نقسّم الكتاب إلى فصول مستقلّة...، وابتدأنا الكتاب بعرض نسب المعرّي...."، على سبيل التمثيل. فهل نحن إزاء محرّر أم أنّنا إزاء شريك في عملية التأليف، على طريقة "من نقد عليك فقد ألّف معك"؟ 
وبمعزل عن هذا التساؤل المشروع، يُستفاد من المقدّمتين أن الكتاب في الأصل هو مقالة في موسوعة ويكيبيديا جرى تطويرها، بالاستناد إلى أمّهات كتب التراث والدراسات المعاصرة، وتحويلها إلى كتاب، يهدف إلى التعريف الموجز بأبي العلاء المعرّي وشعره وفكره وفلسفته. 
 
 
  مصادر ومراجع
  في إطار تحقيق هذا الهدف، يقتفي المؤلّف أثر المعرّي، في المصادر القديمة والدراسات الحديثة، منذ ولادته حتى وفاته، مروراً بنسبه وأسرته وشيوخه وأساتذته ورحلاته وشعره وفلسفته وإيمانه، ويعود من اقتفائه بمعلومات وافية، يدرجها تباعاً في سياق دراسته، في عرض محايد لا يبدي فيه رأيه الخاص ولا يرجّح معلومة على أخرى في حال التضارب بينهما، وبذلك، يقوم بدور المؤرّخ الموضوعي الذي يقدّم الوقائع ويُحجم عن الانحياز إلى إحداها، ما يضفي على الكتاب الطابع التجميعي التوثيقي. وإذا كان هذا الدور يُشكّل الأداة المناسبة لاستقصاء سيرة المعرّي، فإنّ هذه الأداة قاصرة وحدها عن دراسة شعره وفلسفته ومعتقده الديني، ممّا يحتاج إلى حقول معرفية أخرى، من قبيل الأدب والفلسفة والنقد الأدبي، وهو ما يشير إليه فليفل في مقدّمته معبّراً عن تهيّبه الخوض في غمار أبي العلاء المعرّي. 
 
  وقائع حياة
في حياة المعرّي، تطالعنا الوقائع الآتية: تحدّره من قبيلة قضاعة التنوخية التي أقامت في الحيرة بالعراق من جهة الأب، ومن بني سبيكة الذين أقاموا في حلب بسوريا من جهة الأم. ولادته في معرّة النعمان في 25 كانون الأول عام 973، ووفاته فيها في 8 أيار عام 1057. نشأته في أسرة عالمة مثقّفة. دراسته القرآن على بعض الشيوخ، والنحو واللغة على أبيه وآخرين، أخذه الحديث عن جدّه وجدّته وأبيه وأخيه، خروجه في رحلات طلب العلم إلى حلب وأنطاكية واللاذقية وطرابلس وصنعاء وبغداد، وهو ما كان موضع خلاف بين المؤرّخين القدامى والدارسين المعاصرين، ففيما يجمعون على رحلته البغدادية، نراهم يختلفون على رحلاته الأخرى، فيشكّك الباحث محمد سليم الجندي في كتابه "الجامع في أخبار أبي العلاء المعري وآثاره" الذي شكّل مصدراً أساسياً للكتاب في قيام المعرّي بتلك الرحلات لأسباب موضوعية، مستثنياً من تشكيكه الرحلة إلى بغداد. 
وعلى اختلاف الدارسين في وقائع كثيرة تتعلق بالمعري، فإنّ الرحلة البغدادية ليست نقطة التقاطع الوحيدة بينهم، فنراهم يتقاطعون على إصابته بالجدري والعمى صغيراً، ونتوء إحدى عينيه وبياضها وضمور الأخرى، ودمامة وجهه، وضآلة قامته، على المستوى الخارجي. ويتقاطعون على حدّة ذكائه، وقوّة حافظته، وطول أناته، وصبره على المكاره، واجتنابه النساء وأكل اللحم، ونقديّة عقله، واستقلالية تفكيره، وغموض عقيدته، ونفاذ بصيرته، واعتزاله الناس، على المستوى الداخلي.
 
 
 
  الشعر والفلسفة
  في شعر المعرّي، يحمّل فليفل نفسه ما لا طاقة له به، وهو المختص في التاريخ، بينما تحتاج دراسة الشعر إلى أدوات أخرى، يعترف بتواضع العارف أنه لا يمتلكها. 
من هنا، تقتصر دراسته على رصد آثار العصر، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، في شعر أبي العلاء، باختصار كبير، يقتصر على الاستشهاد ببضعة شواهد شعرية على كلٍّ من تلك الآثار. 
وهي شواهد تعكس مجتمعةً: صراع  الدول وتنافس الحكّام وفساد الأحكام، الانحطاط الاجتماعي، التدهور الاقتصادي، والانقسام الديني والمذهبي، ممّا كان يغرق فيه العصر العباسي الثاني. على أنّه، لا بد من الإشارة، إلى أن مساحة هذا الفصل لا تتعدّى الثلاث عشرة صفحة، بينما تقتضي الإحاطة بموضوعه دراسات كاملة. 
  الأمر نفسه ينطبق على دراسة فلسفة المعري، فالباحث يتناول محاور تلك الفلسفة في نيّفٍ وعشرين صفحة، وهي أقصر من أن تحيط بفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة الذي طبّقت شهرته الآفاق وشغلت أفكاره الناس. ويتعدّى الغوص فيها حقل اهتمام الدراسة، المتمحورة حول سيرة الرجل، أساساً. لذلك، يكتفي الباحث بإلقاء نظرة سريعة على كلٍّ من محاور الفلسفة العلائية، مستنداً إلى المصادر القديمة والدراسات الحديثة حول الموضوع، فينقل عن الآخرين دون أن يُجشّم نفسه عناء الغوص على تلك المحاور في مظانّها، وهي مسألة تتعدّى اختصاص الدارس ونطاق الدرس. وعليه، يتبيّن، من خلال الفصل المختص، أن فلسفة المعري تقوم على: الزهد في الدنيا، التعفّف عن الرغبات، الجود بما ملكت يمينه، التشاؤم الوجودي، تلازم الخير والشر، والترفّع عن الإنجاب. وهي محاور عاشها في حياته، وكتبها في شعره، ما يجعل شعره، من هذه الزاوية، مجلى لحياته.
 
 
 
 
 معتقده الديني
 على أنّ أكثر ما شغل المؤرّخين والدارسين في المعرّي هو معتقده الديني، فانقسموا فيه بين قائل بشكّه وإلحاده وزندقته، استناداً إلى ما أُثِر عنه من قول أو فعل، وفي هؤلاء ابن الجوزي وابن كثير والقزويني وغيرهم، وقائل بصحّة إسلامه، مستدلاً على ذلك بمسلك المعري وزهده وصومه وتقشّفه، وفي هؤلاء نرجس توحيدي فر وعمر فروخ وبنت الشاطئ وطه حسين ومحمد سليم الجندي وحسين فتوح وغيرهم. والمفارق، في هذا السياق، أن القائلين بزندقته هم من معاصريه دون أن ينفي ذلك وجود معاصرين آخرين قالوا بصحّة عقيدته، وأن القائلين بصحّة إيمانه هم من المحدثين دون أن ينفي ذلك وجود آخرين يمكن أن يشكّكوا في هذا الإيمان. أمّا الباحث فيخرج، هذه المرّة، عن نطاق التحفّظ الذي التزمه في دراسته، ويميل إلى الفريق الثاني القائل بصحّة عقيدة الرجل، استناداً إلى أبيات من شعره وفقرات من رسائله، عازياً سبب رميه بالزندقة إلى الخصومة والغيرة والحسد وسوء التفسير، وهو ما ورد على لسان الشاعر نفسه.
  إلى ذلك، إن الفصول الستة في الكتاب تفتقر إلى التوازن في ما بينها، ففيما يقتصر الأول منها المتعلّق بنسب المعرّي على سبع صفحات، يمتد الثاني المتعلق بحياته على ستٍّ وستين صفحة. وتتموضع مساحات الفصول الأخرى بين هذين الحدّين. وعلى الرغم من ذلك، فإن كثرة المصادر والمراجع التي تحيل إليها، وعدد الهوامش الكبير الذي يبلغ ستمئة هامش، يشيران إلى الجهود الكبيرة المبذولة في وضع الكتاب. ويأتي ثبت المؤلّفات والملاحق الأربعة وتراجم الأعلام والفهارس المختلفة لتشكّل قيمة مضافة إلى تلك الجهود، وتضفي على العمل صفتي التكامل والضبط المنهجي، وتعزّز الفائدة منه والإمتاع به. والكتاب، بكلّ مندرجاته، يؤكّد أن أبا العلاء المعري، كان ولا يزال، مالئ الدنيا وشاغل الناس.
            
   
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية