تتجادل قصص "سوء تفاهم" للكاتب والأكاديمي المصري فهمي عبدالسلام مع الواقع، على نحو تعدّ فيه استجابةً جمالية لهذا الواقع، وليس انعكاساً ميكانيكياً له. فعلى الرغم من زخم التيمات والموضوعات (الفقر والزحام، الواقع الأكاديمي، الواقع الثقافي...) إلاّ أنّ الجدارة الحقيقية تكمن في آليات التعبير الجمالي عن هذه الموضوعات.
تُعدّ السخرية مركز الثقل في قصص المجموعة الصادرة في القاهرة (الهيئة المصرية العامة للكتاب) ، بدءاً من القصة المركزية "سوء تفاهم" التي يحيلك عنوانها على مسرحية ألبير كامو الشهيرة "سوء تفاهم"، حيث مسرح العبث واللامعقول، كان كامو ينحي باللائمة على اللغة بوصفها محطاً لسوء الفهم، ومن ثم خلق المأساة، فلو انّ الشاب قد نطق بجملة محدّدة للأم التي تركته صغيراً، وأعلن بوضوح (أنا ابنك) لما حدث كل ما حدث.
اما هنا في قصص فهمي عبدالسلام، فنجد انّ الواقع العشوائي المضطرب ذاته قد خلق مسافات التباعد، والخلط، والارتباك لدى شخوصه المتنوعين.
هنا يرصد الكاتب الواقع العشوائي في المفتتح والمختتم القصصي للمجموعة بنصوصها الثلاثة عشرة التي تشكّل المتن الحكائي لها.
يفتتح الكاتب مجموعته بقصته "من أجل صورة خلاّبة"، حيث نجد فخري حسن المسرود عنه والبطل في القصة، منتظراً بشغف لقاءً تاريخياً مع هناء في شقتها، وحينما تحين ساعة اللقاء تصرّ هناء على أن يحملها فخري كما الأبطال في أفلام السينما إلى غرفة النوم التي يتخبّط فخري في معرفتها في الشقة التي يدخلها للمرّة الأولى بعد طول انتظار؛ ليصل في النهاية إلى بغيته المكانية مقوّسَ الظهر لا يقوى على خوض المعركة، في مفارقة ساخرة تهيمن على بنية القصة والمجموعة معاً.
يستهل الكاتب قصته بالإشارة إلى تلك اللحظة المنشودة، موظفاً آلية التوصيف لشخصيته المركزية "فخري حسن"، ومستخدماً تكنيك التفاصيل الدقيقة في رسم ملامحها واستعداداتها لتلك اللحظة المبتغاة التي تنطلق فيها هناء من صورة ذهنية خلاّبة مستقرة في لا وعيها: "هذا هو اليوم الموعود، اليوم الذي ينتظره فخري حسن منذ خمسة شهور على أحرّ من الجمر، اليوم الذي كلّفه كل هذا الصبر وذلك التربص والانتظار، لهذا استكمل فخري كل أدواته، واستعدّ بعِدِة الشغل كلها، النظارة الشمسية الأنيقة، المارلبورو الحمراء التي تتألّق في يده مع مفاتيح السيارة، الكوفية الصوف الفاخرة حول عنقه في إهمال منظّم مدروس جدير بفنان مثله، الذقن الحليقة بعناية فائقة. الجاكيت الشامواه الفاخر الذي يتناغم لونه مع لون الحذاء الهافان الكلاركس الإنكليزي، الجورب الصوفي الوثير الذي يتناسب مع لون القميص الرائع. كان عطر الهاليستون الفرنسي الفاخر يسبقه وهو يسير برشاقته المعهودة، لكن لأنّه كان مشرق المزاج، تحوّلت الرشاقة إلى درجة الخطوة الراقصة".
يمنح الكاتب قارئه بعض التفاصيل الدالة على حياة شخصيته المركزية الأخرى (هناء)، وتكتمل دائرة المفارقة عبر تنويع الأداء اللغوي في القصة، في الانتقال من الفصحى الكلاسيكية إلى العامية المفجّرة للسخرية: "سيركب فكري سيارته، وسيلتقي مع هناء في شقتها في مصر الجديدة، وهي التي أصرّت على أن يكون لقاؤهما في شقتها، حينما قالت له أمس الأول في التليفون بصوتٍ كالفحيح:
" اللي عايزني يجيللي... أنا ما بروحشِ لحدّ"
وأطلقت ضحكة ماجنة أثلجت صدره.
تقترب هناء مثله من منتصف العقد الرابع من عمرها، وزوجها يعمل في الخليج منذ عشرين عاماً، والأعوام الخمسة الأخيرة، عادت مع ابنتها إلى القاهرة".
فضاء مغاير
يرتحل الكاتب إلى فضاء قصصي مغاير في قصته "في السباق"، حيث عالم مراهنات الخيل الذي يتشارك فيه أغنياء وفقراء، سادة وخدم، مراهنون ومساعدون، وعمال، في توتر درامي لا يخلو من مفارقة.
في"سوء تفاهم" تلوح ثلاث وحدات سردية: راوي القصة، المرأة الشرسة، الرجل المستسلم، ويصبح رصد التحول في السلوك عبر تكنيك عين الكاميرا أساساً تقنياً تُبنى عليه القصة، ففي مستهلّ النص، نجد هذه الروح العدائية للمرأة تجاه الرجل البائس، حيث يُدخل السارد متلقيه إلى أجواء القصة مباشرة:
"الذي لفت نظري لها كان غضبها الرهيب. كانت تلك المرأة الأربعينية الرثة تتجّه ناحيتي وهي تهدر وتتوعد وتسبّ وتلعن بيديها وبوجهها وبعينيها وبرأسها، وهي تحث الخطى مسرعةً ناحيتي، لم أميز تهديداتها ولا ِسبابها، ونظرت خلفي، وكما توقعت فقد اكتشفت أنّ المقصود بتلك التهديدات الرهيبة، هو ذلك الرجل المسن الرث الهيئة الذي يقف على الرصيف الأوسط للشارع. وهو يرتدي جاكيت ضيّقاً للغاية وقميصاً مهترئاً وبنطلوناً مهلهلاً وقصيراً. تباطأت في السير حتى أرى ماذا سيحدث".
وفي المختتم السردي للقصة نرى هذا التحول السلوكي في واقع عشوائي يأبى على المنطق، وإن ظلّ ثمة مسكوتاً عنه في الخطاب القصصي يكمل المتلقي فراغاته عن طبيعة العلاقات الإنسانية وتركيبها وصمودها أمام اليومي: "انصرفت ثانية، وغبت دقيقتين داخل المحل، وأخذت الأوراق من الشاب الرصين صاحب المكتبة، وخرجت كي أجد المرأة تسير مستكينة ووديعة وعاقلة، وإلى جوارها يسير الرجل المسن مهزوماً كما هو، متجاورين على الرصيف الأوسط يسيران هادئين منسجمين وكأنّهما أعزّ الأصدقاء".
يسائل الكاتب الواقع البحثي والأكاديمي في قصتيه "في حجرة الفئران" و"الامتحان"، حيث يضطر الباحث إلى رشوة "شمس" حارس معمل حيوانات التجارب، لأنّه يأكل الخس العطن ويشرب أكياس اللبن المقرّرة للفئران، أما صباح فهي مساعدة الباحث، والموظفة التي تأتي كل صباح بكدمات زرقاء أسفل العين، مقرّرة أنّ الأوتوبيس قد صدمها، ولم يكن هذا الأوتوبيس سوى زوجها وضحيتها بتوصيف السرد في الآن نفسه.
وفي "الامتحان" يتجادل السياسي مع الفني، حيث تنمو على ضفاف الحكاية إشارات زمنية لحوادث سياسية يدينها السارد الرئيسي من قبيل (جمعة قندهار) التي تعدّ من الأحداث المفصلية في محاولات الجماعات المتطرّفة لاستعراض قوتها وهيمنتها على المناخ العام.
مساءلة الواقع الثقافي
يقارب الكاتب الواقع الثقافي عبر قصص ثلاث: "لقاء تاريخي في الشيراتون/ الندوة/ المفكر والخرتي"، وتتسع مقاربة الواقع الثقافي ما بين الادّعاء عبر شخصية (مدحت) الذي يعتمد على ثقافة السماع، ويطنطن بكل ما يسمع من دون أية معرفة في "لقاء تاريخي في الشيراتون"، ومرارات الأديبين المغمورين المتخيلين: علي نصر وسامح فوزي، في قصة (الندوة)، حيث يسبغان كل نقيصة على الواقع المعيش، وينطلقان من تصورات صبيانية في ثرثرة فارغة لا تتوقف، والعلاقة المشبوهة التي تجمع المترجم الثري سليل الشريحة العليا من الطبقة البورجوازية" أمير زيادة"، والشاب التعس صاحب دبلوم التجارة "علاء" في" المفكر والخرتي".
وقد احتاجت بعض نهايات القصص إلى عدم الإفصاح عن المآلات والمصائر المتوقعة للشخوص.
وتظلّ قصة "النصبة" من أكثر نصوص المجموعة نفاذاً إلى المتلقّي بروحها المسكونة بالطرافة، والمساءلة الناعمة للعالم، والواقع، والأشياء، عبر شخصية "محمد كنكة"، الذي يحضر منذ لحظة القص الأولى، التي يوظف فيها الكاتب تكنيك الاستهلال السردي للتعبير عن جانب من المأساة/ الملهاة لشخصيته المركزية" كنكة"، عبر عيني السارد الرئيسي وتعقيباته أيضا: "(أرجو لك يا كابتن)".
هكذا كان ينطقها محمد كنكة ويمنحها للجميع بسخاء بعد مباريات الكرة الشراب، فيقول في جدّية شديدة:
- أرجو لك يا كابتن... أرجو لك قوي ... قوي.
لقد فهم محمد كنكة أنّ "هارد لك" هي "أرجو لك" وفهم بالفهلوة من استعمال بقية الفريق لها- وهم من أبناء المدارس- أنّها تعبّر عن استحسان لأداء أحد اللاعبين في الملعب. لم يكن محمد يستطيع أن يفهم أنّ "هارد لك" تعني "أنك سيئ الحظ"، لأنّ محمد كنكة لم يكن يعرف العربية، فكيف يتسنى له أن يفهم معنى" هارد لك".
في الحقيقة، أنّ محمد كنكة كان جديراً بأن يُقال له "هارد لك" أو "يا لك من إنسان سيئ الحظ".
وبعد... هذه قصص تتسمّ بالبساطة الآسرة؛ وقدرة السخرية على توليد المعنى؛ وخلق الدلالة بلا افتعال أو مبالغة.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض