14-03-2024 | 14:16

ليالي بدر وأسامة العيسى يسترجعان الهويّة الفلسطينيةَ روائياً

منذ نشأة الرواية الفنية وبعد تحوّلها جنسًا أدبيًّا قارًّا في الأدب الغربي، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، أصبح لها قطبان اثنان يصنعان كيانها اللغوي ونسيجها السردي
ليالي بدر وأسامة العيسى يسترجعان الهويّة الفلسطينيةَ روائياً
Smaller Bigger
 
 
منذ نشأة الرواية الفنية وبعد تحوّلها جنسًا أدبيًّا قارًّا في الأدب الغربي، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، أصبح لها قطبان اثنان يصنعان كيانها اللغوي ونسيجها السردي، من جهة، وحولهما ينهض هيكل الوجود الذي تبنيه والحياة الذاتية الجمعية التي تعتمل بمعضلاتها فيها، من جهة ثانية. 
 
هذان القطبان هما: الفرد إذ يتكوّن في تقاطع مسلسل التغيّرات الكبرى لعصره مع صراعه ضمن القيم مهيمنة سابقًا هي تربيتُه وتوتُّره وبحثُه الشخصي في سياق مختلف؛ والمجتمع الذي يغلي بالتناقضات ويعتمل بالصراعات حيث تولد ثقافةٌ مغايرة، وتنشأ مدنيّةٌ حديثةٌ ٍبنيات مادية ورؤيةَ عالم، الرواية تعبيرُها الجديد ومضمارُها. بعبارة أخرى، كيفما كانت الرواية ومنشأُها، فإنّ مبعثَها ومرماها هو إقرارُ الفرد ( ونزعته) بصفته كيانًا مستقلا منفكًا عن أواصرَ قديمة ومتطلعًا إلى أناه كي تتخلق هويةً جديدة ضمن شروط قسرية.
 
ما بالُكم وهذه الرواية كتبها ويواصل من نُهبت منه هويتُه، عندما اغتُصبت أرضُه، أولاً، وطُرد منها، ثانيًا، وتعرّض تاريخُها للتزييف، ثالثًا، وتصبح أرضه، مكانُه الوحيد هو اللاّ مكان، وهو سليل الشتات. لا توجد ولا تُكتب رواية بدون أرض، بلا مستقَرّ، الذين يكتبون في المنافي تلتفت عيونهم إلى الوراء، من حيث جاؤوا وهُجِّروا، ولأنّ الرواية تقتضي، أساسًا، هذا، فنًّا. إنّه حال ومعضلة الروائي الفلسطيني الذي يزدوِج عنده الوعيُ بأهمية استرجاع الذات مع أو ضمن السّردية الوطنية المعرّضة للزوال والمحو، وهذا ما سنتعرّض له ونرسم ملامحه من خلال روايتين حديثَتي الصدور في الفترة العصيبة جدًّا من حياة الشعب الفلسطيني وقضيته.
 
الأولى: "على يمين القلب" للفلسطينية ليالي بدر (دار العين، 2024)؛ والثانية: "سماء القدس السابعة" للفلسطيني، أيضاً، أسامة العيسة (منشورات المتوسط، 2023). 
 
لكل رواية قصةٌ وشخصياتٌ وعوالمُ مفردة، وحبكةٌ مستقلة، ولهما جامعٌ تلتقيان فيه بل إنّ جميع الروايات التي أبدعتها الموهبة الفلسطينية منذ النكبة (1948) إلى هذين النصين وسواهما مما سيليهما، له تيمةٌ واحدة: الوطن المغتصب تتعدّد وتتنوّع صورُ وضعه وتصويره: الأرض المحتلة، الطّرد منها، اللجوء، العيش في المخيم الملاذ للبقاء، أشكال الشتات (الدياسبورا) وتجارب الأفراد فيها... 
 
عندنا عديد نماذجَ للحضور المهيمِن لهذه التيمة لا بديل عنها بوصفها الدامغة لها وشرط وجود، لا يملك الكاتب الفلسطيني، شأن غيره، فسحةَ بل ترفَ تخيّرِ مواضيعه ومعضلاتِ شخصياته، فلسطين المغتصبة قضيتُه إنسانًا وكاتبًا (بَةً)، وبهذا الارتباط عُرف الأدبُ الفلسطيني لحدّ الجناية عليه بالتساهل في تقويمه والنظر إليه تعبيرًا عن المقاومة وامتدادًا لها قبل كل شيء، ما أغضب الراحل محمود درويش عن حق، فأطلق عبارته الشهيرة:" أنقذونا من هذا الحب القاسي!".
 
استجابةً لهذا النداء الأليم قرأت دائمًا هذا الأدب، لا نسبة إلى جنسية مؤلفيه وحدها، آخذها باعتبار قويّ، ولكن، احترامًا له بإيلاء العناية اللازمة للمقتضيات الجمالية المؤهّلةِ له في جنس تعبيرها. هذا عندي قاعدة مطّردة، أيًا كان الشفيع، وهذه في مذهبي الخدمة التي يمكن أن يقدّمها النقد لأدب فلسطين في الداخل والخارج، وللشعب وقضيته ومِحنه المأساوية المتواصلة. 
 
من حسن الحظ، نجد نصوصا تخدُمُ هذا الهدف ولإعلاء شأن هذه القيمة يجب أن تُقرأ، منها الروايتان المنوّه بهما أعلاه. كلتاهما، بلغة الاقتصاد، تستثمران في الذاكرة الفلسطينية وبها، وتعملان، أي تسردان، بتشغيل (تسريد) آلية التذكّر، وتجسيد مناطها (مرابع الصبا عند ليالي بدر)؛ ورسم الخريطة التاريخية الأنتربولوجية الدينية العرقية الأثرية المعمارية السياسية والاجتماعية (عند أسامة العيسى) وفي المثالين معًا الغرضُ واحدٌ وإن اختلفت سبلُ الوصول إليه، نعني إحياء الذاكرة، خبريًا وإعادةَ تأسيسٍ لمكان اغتُصب فيعيد ويُعاد بناؤه مثل السابق، وإنسانٍ طُرد من المكان يُبعث حيًّا يمشي في الأسواق ويحزَن ويفرَح وحده ومعه الجماعة. بتشخيص هذين الأداتين وتوظيفهما يتحقق للروائي (يَة) الهدف، أي استعادةُ الهوية المطلب.
 
 
 
 
 
زمن الطفولة
عمَد ليالي بدر في "على يمين القلب" إلى استرجاع زمن الطفولة، ابتداءً من موقع بطلتها (غرام)، سنعرف تدريجيا أنّها قناعُ المؤلفة نفسها، الناطقة الحاملة لمسار سيرتها، إذ تجلس في شرفة فندق بالجانب الأردني من البحر الميت يطلّ على مدينة أريحا مسقط رأسها، فتشرع في سرد حكايتها الشخصية والعائلية، تلمُّ خيوطها بالعودة إلى الجذور، أي الجد والأب والأم، لتستقيم أمام القارئ شجرة العائلة، وهي تتسلّقها غصنًا بعد غُصين إلى أن تصبح كثيفةً وترتدَّ إلى وضع البطلة محرُّكها الخفيُّ حافزُ وفكرةُ العودة. 
 
ترسم الكاتبة، السّاردة، لروايتها، لسيرتها، خطّين متوازيين مرةً، ومتقاطعين مرّات، وفي الحالتين فهي حكاية اقتفاءِ الأثر لاستنبات جذور السلالة المتشابكة، وتنقلاتها المتعددة تضطر الطفلة معها إلى ارتحالات تحرمها من الاستقرار وفي الوقت تصنع شخصيتَها ووجدانها: المنطلق من بلاد الأندلس من حيث رحلت عائلة يهودية من السفارديم إلى (أرض الميعاد) لتستقر في القدس، منها تتسلسل الجدة اليهودية ثم الأم جويا التي ستتزوج الأب رشيد، أب طبيب يضطره انتماؤه الوطني إلى الترحال من أريحا إلى القدس إلى الكويت. تتخلّل وتشترك في مسيرته الحياتية والمهنية مساراتُ شخصياتٍ وأحداثٌ واقعة في قلب مراحل من التهويد للأرض الفلسطينية والإعداد لدولة يهودية وصولاً إلى زمن النكبة وما تلاها من تهجير. متصلٌ كله بما يُسمّى التغريبة الفلسطينية، نجدها مرويةً بصيغ وحكايات ومشاهدَ مختلفة من روائي لآخر، عاشها مثل جيل غسان كنفاني ويحي يخلف ورشاد أبو شاور، فكتب تجربته مازجًا الواقعي بالتخييلي في أعمال مرموقة؛ ومنها لاحقون ورثوا النكبة نراهم يجمعون شظايا انفجارها في ذكرياتهم، أغلب هؤلاء ينسجونها على منوال السيرة الذاتية، أي  البوْح الشخصي وإن في سياق تاريخي اجتماعي عام وبأبعاد ثقافية فولكلورية لإثبات كينونة وطنية في وجه المحتل الغاصب، نصّ ليالي بدر ينتمي إلى هذا النوع ويمثله في فصول قصيرة تجسّد (أنا) و (هم) وتلحَم بين الاثنين بكتابة الحكي العفوي من ساردة طفلة مما يضع الساردة موضوع سؤال كيف حمّلتها الكاتبة عبئًا أكبر منها، فوعيُ الطفلة دون مقدرة سرد وجمع كل ذلك التاريخ. فيما الأهمّ، هو محاولة تصفية الحساب مع إشكالية النسب المزدوج بين أب مسلم وأم يهودية، وهو ما تجد له المسوّغ في فكرة التعايش، وانتصار الحب على حاجز الأديان.
 
 
 
مع "سماء القدس السابعة" ننتقل إلى مجال أوسع وخطّ سردي أفقي طويل وإلى حكي أقلّ ما يوصف به طابعُه الموسوعيّ الشموليّ، القدس محورُه، منبعه ومصبّه، ومضمارُ الصراع فيه والعيش وفي مساحاته الجغرافية تحتاج إلى خرائط بيانية ومعلومات وشروح مصاحبة كي تُرى بالوضوح الكافي ويشاهِد يعرف قارئ الألفية الثالثة فلسطينيًّا وعربيًّا المجال الهائل الذي اختاره أسامة العيسة لنا بعد وعلى غرار روايته السابقة:" مجانين بيت لحم" (نوفل 2014). من تتبع تاريخ بيت لحم ومخيّمها ومشفاها عبر حقبة طويلة بمقاطع طولية وتفاصيل عرضية، ينتقل إلى القدس، وهذه مدينةُ العراقة محفلُ الأديان وقِبلةُ الفقهاء والرهبان والمؤمنين، حيث المسجد الأقصى أولى القِبلتين وثالث الحرمين وإليه تمّ الإسراء من النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج، وحيث كنيسة القيامة. فلو أضفت إلى هذه الحمولة الدينية المقدسة السجلَّ السياسيّ لهذه الحاضرة بالقوى التي تناوبت على حكمها، والثقافات الناشئة والتقاليد السارية فيها عبر قرون والأعراق والديانات التي عاشت فيها بين التعايش والاحتراب، ستجد نفسك أمام تاريخ ملحمي يبلغ أوجَه في أوائل القرن الماضي امتدادًا إلى النكبة مع استيلاء الاحتلال الإسرائيلي على القسم الغربي من المدينة، ثم بعد هزيمة 1967 تدخل في طور جديد يعاني فيه الفلسطينيون الباقون فيها الأمرّين، وما زالوا بالرغم صامدين. 
 
 
 
وإنّه لرهان خطير ارتاده العيسة للإحاطة بهذا التاريخ بجميع مكوناته والأطراف المشتركة، ما احتاج منه إلى قرابة سبعمائة صفحة من القطع المتوسط، مجزأةٍ إلى ثلاثة أسفار بعناوين مميزة: "سفر للحياة"؛ "سفر للحزن والحياة"؛ "سفر للبقاء والحزن والحياة"، أغلبها يسرده هنا أيضًا طفل يرافق أباه منذ البداية في تنقلاته داخل القدس وهو سائق عربة يروي له مثل مرشد سياحي قصةَ كل ما تقع عليه عيناه وهم في غدو ورواح أو بأي مناسبة تتاح؛ أماكنُ ومعالمُ وآثارٌ، تشهد على عراقة المدينة وسكانها الأصليين وما تعرضت له من تعدّيات سلبت بيوتهم وحقوقهم والتنكيل بهم وهم يقاومون، مرورًا بجميع المراحل المعلومة للنكبة ونتائجها الكارثية، اقتضابًا نقول من أعماق التاريخ إلى اتفاقيات أوسلو. لا بدّ للقارئ أن يتساءل كيف يمكن احتواء هذا الزمن بأكمله في رواية، وأي صبر يحتاج لتتبع مئات التفاصيل جميعُها معلوماتٌ بحثيةٌ دقيقةٌ من ميادين التاريخ والجغرافيا والتقاليد والأنساب والأنثروبولوجيا والثقافة واللاّهوت وكل شاردة وواردة لرسم اللوحة البانورامية للقدس، مدينةً حيّةً ورمزًا لمجموع فلسطين المحتلة، يمثل اقتفاءُ أثر تاريخها الكلّي مسعى لاسترجاع هويةٍ ضائعة ومكانٍ محتل وللحفاظ على ذاكرة وطنية بأداة التذكّر، أي السرد الروائي، الغالب عليه في هذا العمل المظهرُ التوثيقي، فهي رواية وثائقية أكثر منها تخييلية، وإن توفرت لها ذخيرتها من هذا الجانب بشخصيات طريفة جدًا، السّبع أبرزها، والأب السائق المقاوم، وخصوصًا الطفل الإبن، إذ يعبُر أزمنةً متقلبّةً برفقة صديقته لور ومعهما يتوالى شريط القضية الفلسطينية إلى مشارف القرن الجديد.
لنقل ختامًا، إنّ روايتيْ ليالي بدر وأسامة العيسة تبرهنان على حيوية الذاكرة المقاوِمة عبْرَ سيرةِ الذات، وملحميةِ تاريخٍ موضوعي وإنساني موثّق، وهذا بمقتضى روائيةٍ ناضجةٍ وهو المطلوب.
 
 
  
  
  
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.