22-02-2024 | 12:13

وحيد الطويلة يُنزِل الحكايةَ إبدالاً في الرواية العربية

ورث الروائي المصري وحيد الطويلة عن أسلافه الرواة والحكّائين أنّهم رحالةٌ ما ينفكّون ينتقلون من رَبْع إلى آخر، يَجمعون الأخبار وينفُذون إلى مخابئ الأسرار كما يرصُدون الأحوال، ثم يعجِنون مادتهم لتستوي حكايةً
وحيد الطويلة يُنزِل الحكايةَ إبدالاً في الرواية العربية
Smaller Bigger
                  
ورث الروائي المصري وحيد الطويلة عن أسلافه الرواة والحكّائين أنّهم رحالةٌ ما ينفكّون ينتقلون من رَبْع إلى آخر، يَجمعون الأخبار وينفُذون إلى مخابئ الأسرار كما يرصُدون الأحوال، ثم يعجِنون مادتهم لتستوي حكايةً يسمعها أصحابُها السُّمّار بعد شهر أو عمر، فكأنّها تأتيهم من غابر الأزمنة وهي من قلب معيشهم وعاداتهم ومشاعرهم ومِخيالهم الجمْعي، قد عرف هذا الرّاوي العابرُ كيف يضمُّها وينسُجها خيطًا خيطًا وهي من مألوف حياتهم ستبدو لهم ولنا مدهشةً، وذلك لامتلاكه أمرين لا غنى عنهما لكل من يأخذ هذا الموقع ـ وهو مُركَّب وخطير، الوسيط الذي بدونه ما وُجد فنّ الرواية واستقرّ جنسًا أدبيًّا حديثًا، نَعني من يُسمّى السارد.
1ـ الطريقة: تسمّى فنّيًّا الأسلوب.
 2ـ المخيّلة: وهذه مزيجٌ من خيال وإعادة تركيب للواقع معه.
هذه خميرة من السّيرة الأدبية (الروائية، وحدها) لوحيد الطويلة، بدءاً من" ألعاب الهوى" (2004) وصولاً مع" أحمر خفيف" (2008)، تلتهما اللتان سترسّخان فنّه "باب الليل" (2013) و"حذاء فلليني"(2016) إلى نصَّيْ التتويج "كاتيوشا" و"جنازة جديدة لعماد حمدي"(2019).
تفيدنا بمسيرة كتابةٍ متصلة في عقدين لها نهجُ المشروع لا بالانتظام والتواتر وحدهما بل ويعلنه خطةً في رأس صاحبها لكتابة الرواية وجعلها صوتَه الخاص للحوار مع الناس بتصوير مفارقات حياتهم نفّذها على مراحل: الأولى، سأسمّيها التمرين على السرد بوصفه لعبةً وطريقةَ إعادةِ تشكيلٍ للحياة بنّسق التخييل. 
الثانية، أن تُسيطر على الجنس الأدبي ببداية تجاوز معاييره المتبعة في الرواية الواقعية الغربية، نسقًا وموضوعا وشخصيات، وتنقيحِه بالمادة الخام لبيئتك وشخصياتها ومِخيالها، ونقلِ خطابها بالشفاهة، خاصة. 
الثالثة، كالعابرة، تعالج تيمة الاستبداد وشخصية الدكتاتور وحِيَل التمويه وازدواجية الخطاب. الرابعة، كأنّ الطويلة وجد أخيرًا الأرض التي تصلح له، لسرده، مُقامًا، والبشر (الشخصيات) المناسبين للرواية خارجَ الأنماط المألوفة، في "جنازة جديدة"، مثلا، يصبّ قديم المجتمع (المديني) في قالب زمن بطولات رعناءَ وتسيُّد قِيمٍ هجينة، رسم ذلك بحيل ومهارة ورقص بهلوان على الحبال، صار عالماً له.
 
 
  
 
هكذا، إنك لن تُصبح روائيًا إلاّ وقد حُزت عالمًا، وأصبح لك أسلوب. لم تَكْفِ الطويلة هاتان الحيازتان، كتّاب الرواية تكاثروا كالفُطر (على قفا من يشيل!)، والأهمّ، أنّه لم ينقطع عن البحث عن لونه الخاص، صوتِه المنفرد، من لحنِ وخامةِ بلاده ولوعةِ ومعضلات ناسها، وُجدوا قبل بلزاك وتولستوي وتشيخوف ونجيب محفوظ، هم أبناء النّاي والقمر والسِّحر والأرواح الخفية والأسرار؛ إنّهم باختصار سُلالة الحكاية، وهذه هي الفن الأزلي الأول للبشرية، منها تفرّعت فنونُ السرد ملحميةً تراجيدية، وأرضيةً إنسانية. هي منجمُ الغموض الملاصق للطبيعة، وسماءُ الخيال. 
ظلُّ وملاذُ الإنسان في أرض ومرتعِ الغرائز. تعُجُّ بالقسوة والشهوات والأهواء والحسرات، لا شيء يُطفئ عطش ابن آدم فيها ويُشفي جراحه ويهدّئ قلق الروح إلاّ الحكاية، دنياه وآخرته. ترك الآخرين يتعثرون في عباءات السرد الفضفاضة بأشكاله وتنويعاته ومقاساته شتى، وهو متمثّلٌ لها كلَّها غزَلَ صوفَها ونسجَ ثوبَها وخاطها في ما سلف، بعدها قال للحكاية أنا راعيك وراويك ونايُك وإنسُك الجنّي؛ وهكذا جاءت" الحبّ بمن حضر" (بتّانة، 2024).
 
 
 
المكان ودلالاته
الرواية مكانُها المدينة وفضاؤها أجواؤها. محدّدةٌ بالضرورة ولو بعلامة، لا تقبل التجريد. الحكاية عكسُها تقبلُه إن لم تُلزمه لأنّها تسبح في المطلق وتُعنى بالماهية واللاّمتناهي وما لا يُعقل، لا نعرف أين توجد "مدينة النحاس". 
 
كذلك في "الحب بمن حضر" قرية أو بلدة موقعها غير محدّد ولا يمكن أن توجد جغرافيًا في المدينة العدوّ اللدود للفطرة والأصل.
هنا كل شيء أصلٌ وقديمٌ كأنّه من جذر التكوين ومستدام، قابلٌ للنظر أفقيًا وبئرٌ عميقة تهبط إليها بسلالم الروح وبجسدٍ يتخيّل أو خيال يتجسّد، أنت وما تختار، لكن بشريةَ هذه الرّقعة تقع على طريق الإسفلت، مستقرين وعابرين، وهم كلّهم أحياء يرزقون يعملون يتناكحون كأنّهم في حلم يرحلون وأفعالهم لا تخطر على الشيطان، لكنهم يَجمعون تلك الخصال المتناقضة التي ضمّها صلاح عبد الصبور (1931ـ1981) في قصيدة" الناس في بلادي" كتبها الطويلة على طريقته.
لنعرفهم يجب لمُّ الحكاية من أطرافها وهي شاسعةٌ لها مركزٌ ومحيط: الفتى موعود صانعُ الطّوب الذي آلت إليه (القمينة) من رجل عجوز كان يتوقع حضوره وهو يجهله، فهو موعود، والفتاة بهجة التي سيتعرف إليها تمرّ أمام معمله وتنشأ بينهما علاقة ودّ وألفة تطول زمنيًّا، وتؤلف قصتُهما لازمةً، أي فصلاً يتردّد بتناوب (موعود وبهجة) مع لازمة ثانية، فصل ثانٍ، (راوي الناي) نتعرف فيه على حيوات عديد أفرادٍ في هذا المكان اللاّمسمّى هم كمٌّ غُفلٌ بلا أسماء، ستدِبُّ الحياة بينهم، في الحكاية، طبعًا، بسبب مكيدة تقلب حياتهم رأسًا على عقب: مع وقت المغيب تسقط  يوميًا في شرفة كلّ بيت رسالةٌ موجّهةٌ للزوج بوشاية أنّ زوجته تخونه مع فلان، ويتكرّر الفعل ليصل إلى عشرين، فتقضّ مضاجعَ الأزواج وينغَص عيشهم ويتكتمون ثم تذيع الرائحة وخلال ذلك نتعرف على بيوتهم ومجالسهم في ذهابٍ وإيّابٍ، بينهم وعلاقة موعود وبهجة تنمو صاعدةً علّيقا على جدران الأيام كما هو حبّها ينحت اسمَها على الطوب.
 
 
حكواتي
راوي الحكاية حكواتي، من البداية ينبّه (السارد) لهذا: "الحكاية من أوّلها" (10) وبما أنّها عنده ستتفرع أكثر: "الحكاية طبقاتٌ مثل الدنيا نفسها طبقات،" أولى طبقاتها (القمينة) هي سرّ المكان: "كلّ الناس تعرف أنّ البلدة تموت كل مائة عام (...) تحترق كما يحترق الطوب في القمينة" (13) منها حريق موعود لطوبه في التهابها، ولوعة حب مكتوم.
منها الطبقة الثانية في شخصية (مسعد) يُدخلها الراوي للحكاية لكسر جمودها بعد مكيدة الرسائل. معه نتعرف على شخصية لاـ نمطية، سائق سيارة نقل حشّاشاً محترفاً ويرتكب المدنّس، اعتلاءُ منبر الجامع وإزاحة الإمام الخطيب والحلول مكانه بهذيان يكشف المستور يتفتّق بفضائح توسّع من دائرة شخوص المكان وغرابة الحكاية، يحكيها راويها هو نفسُه محكيٌّ فيها، في فقرات كبرى، فهو (الراوي العليم) ومهارة الكاتب قدرتُه على تخلّله الشخصيات في آن، فكأنّها من يتكلم ولا كلام ثم انسلالُه منها كالشّعرة من العجين.
يضيف إليها الزمّار علعول، وحربيّة عشيرة شيخ الجامع، وصباح الأنثى زوجة ابن الأب تُسعف عِنّته وتتحول إلى الحاجة صباح تأخذ منه سرَّ فكِّ السحر (العمل) في المقابر وتلهف الميراث.
كان يا ما كان، لا ننسى حكاية عزّة مع صاحب الدكان.
ولمسعد سطوةٌ وهذيان وانتشارٌ كالوباء، اسمه الأصلي مظلوم خطفته امرأة من أهله الغجر وعلّمته وورث منها وفي الأخير هو ورفيقه علعول رئيس فرقة عازفين مكونة من (مقاطيع) يقيمون في الطرف الثاني من البلدة وراء الإسفلت ينشدون في الأفراح ويتحششون ويمارسون طقسا غريبا حرقَ آلاتهم كل عام كأنّهم يغتسلون من الذنوب ثم يقتنون آلاتٍ جديدة ويستأنفون. 
 
 
هذا كلّه والبلدة ما أن ينطفئ حريقٌ إلاّ وشبّ آخر. تتجدّد المكيدة، فإذا رسائل تُبعث إلى النساء أنّ فلانةً نامت مع زوجِك، وتقوم القيامة ثم تهدأ شكلاً كنوع الاستكانة، فالمصيبة إذا عمّت هانت. لكن من المُرسل صانعُ المكيدة؟
خيطُ تشويق يُمسك به الحكواتي الأسماع ويلفّه على أكثر من عنق يجعله مغزل محكيّات، نتوءات، الجميع متهمٌ وبريءٌ، لتُمسي مصدر وسواس يدمّر في النهاية العلاقة الملتبسة.
وِدٌّ وأُلفةٌ وعشقٌ موسوس بين موعود وبهجة تشكّ في أنّه المرسل مصدر القلاقل، فيقرّر الرحيل تاركاً القمينة ونحن القراء معه.
ثم يغادر الكاتب أخيرا- علناً- عباءة الحكواتي والراوي ويخاطبنا ليُعلِمنا بأنّ "الحكاية لم تنتهِ بعد يا سادة سيغنّيها شعراء الربابنة والمغنون الشعبيون سيصنعون منها العجب (...) سيجلس راوٍ في مقهى أو مندرة ويقصّها لأجيال" (262).
يُشهر ما كنا نعرفه من البداية، أننا مع حكاية، خرافة، أسطورة، صناعة خيال، ومفارقتها أنّها "صحيحة" (بلاغيًّا هي جِناسٌ لفنّ الرواية) فحواها: "كلُّ مائة عام يفنى المكان بسبب قصة حب"، ثم يعود الحب ينقذه. لو سألنا مَن أبطال القصة الجديدة؟ يجيبنا وحيد الطويلة الحكواتي الراوي الرّوائي بصريح العبارة: "الحبّ بمن حضر".
 
بقي السؤال الأهم للكتابة، ترى على أيّ طرْز كانت الحكاية تُروى؟
بداهةً، يُفترض أنّها شفاهية. نعم، فيها شيءٌ من هذا. وعلى لسان مَن؟ بداهةً، على لسان الرواي، قُل الحكواتي ظلّ يذكّرنا بهويته وحضوره بعبارة "كان يا ما كان".
يوجد بعض من هذا. وهل كان الراوي يروي وحده أم هو لسان رواة؟ نعم، إنّه مَحفلٌ واحدٌ وجامعُ رواة. البداهة الأخيرة أوضحُ من الشمس، أنّ الحبَّ تيمةٌ مركزية في هذه الحكاية. عاطفةٌ عارمة، مشبوبةٌ، صِنو ضِرام (القمينة) مع فارق أنّ هذه إذ تُنضِج الطوب، يحضُر هنا بين أقوى شخصيات ورموز الحكاية، المصنوع من الطين أصل الخليقة؛ تبقى العاطفةُ في قلوب المحبين شعلة ًحارقة، نارُها لهبٌ وحيرةٌ وشكٌّ ولا يقين عصيٌّ على الشرح لأنّه ليس من منطق المعقولات، ولذلك لغة وعبارات الحكّاء والراوية تلتهب وتبرَد، تعطّش وتبلّ، لها اصطخاب وسكون. على قلقٍ لا يقرّ لها قرار، بين مدّ وجزْر، فتحتاج إلى زمّارة علعول، ربابة الحكواتي، فتختلف عن بينة الجملة السردية. بهذا وغيره خاضه وحيد الطويلة محقّقًا إبدالا للرواية العربية لتوجد بهويّة أخرى؛ أجل، لقد أَوْجَدَها.     
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.