04-03-2024 | 06:10

امرأة من فيتنام: الكولونيالية والثقافات والهويات التعددية

في عام 1955 تعرّفت الفيتنامية فونغ بوي تران، على اللغة الفرنسية عندما كانت في الخامسة، وتحديداً في المدرسة الابتدائية الحكومية الفيتنامية في الجنوب.
امرأة من فيتنام: الكولونيالية والثقافات والهويات التعددية
Smaller Bigger
في عام 1955 تعرّفت الفيتنامية فونغ بوي تران، على اللغة الفرنسية عندما كانت في الخامسة، وتحديداً في المدرسة الابتدائية الحكومية الفيتنامية في الجنوب. لم يكن ذلك في البداية قصة حب. فقد حدث في اليوم التالي لمعركة ديان بيان فو، التي قادها الزعيم الفيتنامي هوشي منه ضدّ الاستعمار الفرنسي.
 
لقد ولدت بوي تران، التي ستصبح مؤرخةً وتشغل كرسي "العوالم الفرنكوفونية" في الكوليج دو فرانس، أعرق المؤسسات التعليمية الفرنسية، لأب مقاوم، في عائلة كانت رغم ذلك تتحدث الفرنسية، مثل جزء كبير من النخبة الفكرية الفيتنامية في ذلك الوقت.
 
 
 
 
في ظلّ الحماس الوطني الذي غمرها في طفولتها المبكرة، لم تحب دروس اللغة الفرنسية.
لا يغادر هذا الشعور المتناقض بين اللغة والمستعمر، الفتاة الفيتنامية أبداً. كانت مفعمةً بالشعور الوطني ومفتونةً في الوقت نفسه بالتعلّم، الذي كان بالفرنسية. لذلك تختار التاريخ تخصّصاً وتدافع عن أطروحة في التاريخ المعاصر، في جامعة ليون، بعنوان "فيتنام 1918-1945، النوع الاجتماعي والحداثة: ظهور تصورات وتجارب جديدة".
 
يركّز عملها على تاريخ الاستعمار باعتباره تاريخاً مشتركًا، مع مراعاة التفاعل والتأثير المتبادل بين المُستعمِر والمستَعمَر؛ تاريخ المرأة والجنس. تاريخ التعليم والمثقفين. وتوظيف المصادر الصحافية، وبخاصة الأدبية، في البحث التاريخي؛ والتعمّق في تاريخ الثقافات الآسيوية وتاريخ الثقافة الفيتنامية من منظور مقارن مع تاريخ الصين ودول أخرى في جنوب شرق آسيا.
 
ولأنّها تمتلك الثقافتين الفيتنامية والفرنسية، فقد قامت بالتدريس في جامعات فيتنامية وفرنسية مختلفة. وهكذا، قامت بتدريس تاريخ المرأة الفيتنامية في الجامعة المفتوحة في مدينة هوشي منه، التي أنشأت أول قسم لدراسات المرأة في فيتنام. كما شاركت بشكل كبير في إدارة وتطوير التعليم الجامعي، حتى وصلت إلى الكوليج دو فرانس، الذي أصدر كتاباً عنها وعن تجربتها في التأريخ للمرأة الفيتنامية المعاصرة، هو حصيلة محاضرات تحدثت فيها فونغ بوي تران عن ذلك انطلاقاً من تجربتها الشخصية، في تداخل بين التاريخ الموضوعي، والتاريخ الشخصي والذاتي.
 
تعالج بوي تران كل إشكاليات فيتنام المعاصرة، الاستعمارية والديموقراطية والاجتماعية، من زاوية فريدة، وهي تاريخ المرأة، كاشفةً عن أنّ المرأة الفيتنامية احتلت دائماً مكاناً مهماً في الأساطير والفولكلور والأدب والإبداع الفني والممارسات الدينية والثقافية، وكذلك في الإنتاج والتبادلات الاقتصادية، وفي الحياة الأسرية والاجتماعية. وعلى الرغم من عدم حضور إنتاجها بشكل كافٍ في التأريخ الرسمي، إلاّ أنّ حضورها محفوظ في أشكال أخرى من الخيال الشعبي والذاكرة الجماعية.
 
وفي إعادة قراءتها للتاريخ النسائي لفيتنام، تتساءل فونغ بوي تران عن المصادر والأساليب البديلة الممكنة لإبراز جوانب أخرى من التاريخ. ستلجأ أيضاً إلى تاريخ الأنا، وتناقش رحلتها الشخصية كمؤرخة تعمل في التاريخ الثقافي والاجتماعي، وستشرح لنا كيف اختارت النساء كموضوع للدراسة، وبشكل أكثر دقّة للتفكير في التعددية. هويات المرأة الفيتنامية.
 
تقول الكاتبة: "بعد حصولي على شهادتي في فرنسا، اخترت قطع دراستي للعودة والمشاركة في المقاومة المناهضة لأميركا، كما وعدت نفسي قبل مغادرة فيتنام قبل بضع سنوات. قمت بتدريس الأدب وتاريخ فيتنام في مدرسة ماري كوري الثانوية، وفي الوقت نفسه، الحضارة الفرنسية في جامعة كان ثو في دلتا ميكونغ. في عام 1976، وجدت نفسي في جامعة التربية في مدينة هوشي منه، في كلية التاريخ بالجامعة الفيتنامية. لقد بدأت بتدريس التاريخ المعاصر. وسرعان ما أدركت أنّ هذا مستحيل لأنّه، في ذلك الوقت، كان الوصول إلى الأرشيف الفيتنامي صعباً للغاية بالنسبة للباحثين الأجانب، وكان مغلقاً تماماً أمام الفيتناميين الجنوبيين، ناهيك بعدم توافق وجهات النظر حول العديد من القضايا والجو التقييدي الذي أحبط أي محاولة لتحقيق أهداف أكاديمية". اخترت العمل على تاريخ ما قبل ثورة آب (أغسطس) عام 1945، والذي يُعتبر في علم التأريخ الفيتنامي "تاريخًا حديثًا". وتحديداً تاريخ النساء".
 
على الرغم من أنّ دور المرأة يبرز في فيتنام على المدى الطويل وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية، إلاّ أنّ ما يسمّى بـ"الحداثة الغربية" قد هزّت بلا شك القيم والتقاليد، بينما كان لها تأثير على تاريخ المرأة، لذلك ركّزت الكاتبة على هذه الزاوية لفهم هذه الفترة الرئيسية التي تميّزت ببدايات الحداثة الفيتنامية وتحليل كل من التوترات وعمليات التوليف، والتوفيق بين المعتقدات، والتعايش المفترض بين القيم الثقافية والأخلاقية الفيتنامية، والصينية، والكونفوشيوسية، والبوذية، من جهة والقيم الفرنسية والمسيحية والغربية والشيوعية من جهة أخرى.
 
مدافعةً عن سبب اختيارها مصطلحات "الثقافات والهويات" بصيغة الجمع تقول بوي تران: "أولاً، لأنّ هذه الأسئلة كانت مشتعلة بداخلي منذ سنوات مراهقتي في المدرسة الثانوية، والتي واصلت محاولة الإجابة عنها بعد ذلك خلال مسيرتي البحثية. والسبب الثاني يرجع بلا شك إلى الموقع الجيوسياسي الذي تتمتع به فيتنام والضغوط المستمرة والساحقة التي تمارسها جارتها الشمالية الصين. وأخيراً، السبب الثالث يكمن في حاجة الفيتناميين العميقة (مثل أي شعب وأي مجتمع) إلى الهوية والثقافة. وفي حين أنّ التعليم الرسمي في البلاد لا يرى سوى تقليد الكفاح البطولي (المسلح) ضدّ الغزاة الصينيين، كما هو الحال ضدّ جميع الغزاة، مهما كانت قوتهم، أود أن أؤكّد على بُعد آخر لا ينبغي إهماله، هو الحاجة الحيوية للمرأة. وقد حرص الفيتناميون على أن يسجّلوا في أساطيرهم، لا سيما أسطورة تأسيس شعب فييت، هذا التعدد الثقافي والهوية، وهذا التهجين. لكن لا يجوز للآخر أن يفرض نفسه بالعنف. هكذا تصبح "القوى" و"الثقافات" و"الهويات" مفاهيم أساسية عندما نسعى إلى فهم التاريخ البشري".
 
ولفهم تاريخ المرأة منذ آلاف السنين وحتى بداية القرن العشرين، أولت الباحثة اهتماماً خاصاً للفولكلور، الذي أصبح أكثر أهمية منذ أن ظلّ الفيتناميون، وبخاصة النساء، أميين في الغالب حتى منتصف القرن العشرين. تبدأ بوي تران من نموذج جدّتها، التي كانت تجهل الكتابة والقراءة، ثم عملت على التعلّم ضمن شروط ذاتية، فتقول: "تتحدّر جدتي نغوين ثو فين من عائلة فلاحية فقيرة تعيش في ريف مقاطعة بين تري، ولم تذهب إلى المدرسة أبداً. لقد تعهّدت بتعلّم القراءة مرات عدة، أولاً مع ابن عمها الأكثر حظًا، ثم عندما ذهب أطفالها إلى المدرسة وأخيراً معي، كبرى أحفادها. كنت مقرّبةً جدًا من جدتي خلال طفولتي وحتى وفاتها، وقد تمكنت من تقدير ثقافتها الواسعة. كانت تحفظ عن ظهر قلب وتستمتع بالاقتباس، ليس فقط الأمثال، والأغاني والحكايات الشعبية، ولكن أيضاً العديد من أعمال مؤلفي الأدب الكلاسيكي، والقصائد المعروفة، وبخاصة الرثاء أو الروايات الشعرية. ومن خلال جدتي، كما من خلال شهادات أخرى لمؤلفين يستحضرون ذكرى أمهاتهم أو جداتهم، فهمت أهمية الأدب الشفهي في الحياة الفكرية والعقلية والعاطفية للفيتناميين الذين ولدوا قبل دخول الحداثة، عندما سمحت الكتابة بالحروف اللاتينية بمحو الأمية على نطاق واسع. الآن، يمكن الوصول بسهولة إلى الروايات الشعرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فهي تشكّل بالنسبة لي مصدراً مهمّاً في فهم المرأة ومجتمع ما قبل الاستعمار".
 
تعلّق الكاتبة أهمية خاصة على المصادر الشفهية وشهادات الناس لكتابة التاريخ المعاصر لفيتنام ونسائها، وذلك هرباً من المصادر الرسمية التي تريد توجيه التاريخ وجهةً طابعها إيديولوجي، وذلك من خلال حملة واسعة لتسجيل شهادات من النساء المنتميات إلى أجيال مختلفة. حول التجارب والتأملات التي ميّزت لحظات مهمّة في حياتهن كنساء خلال الفترات الاستعمارية ثم في عهد الاستقلال، وكيف شكّلن التصوّر للمرأة الفيتنامية والعلاقات بين الذكور والإناث بين الفيتناميين أو بين امرأة فيتنامية وشريك من ثقافة مختلفة. ومن خلال الحفاظ على سرّية هوية الشهود، عملت على مقارنة التجارب ووجهات النظر من أجل تمييز نقاط التقارب والاختلاف بشكل أفضل. كما أدارت جلسات نقاش جماعية، بشكل أكثر رسمية مع طلابها (الأميركيين والفيتناميين)، وبشكل أكثر حرّية مع الجهات الفاعلة الاجتماعية، في المصانع والحقول والمقاهي.
 
ينتهي الكتاب إلى فكرة تبدو مشتركة بين تجارب الدول التي خاضت مسارات تحرّر وطني عنيفةً وقاسية، كفيتنام أو الصين أو الجزائر. وهي هيمنة الرجال على المشهد، لأنّ تجربة العنف الثوري المسلح، تجعل من الرجل رمزاً وبطلاً، رغم المشاركة القوية للنساء في كل هذه التجارب، إلاّ أنّ تاريخ النساء يبدو صغيراً دائماً مقارنة بتاريخ الرجال، الذين يمسكون بالسلطة بعد خروج المستعمر. لذلك يبدو البحث عن مسارات بديلة لكتاب تاريخ موازٍ للثورات وحركات التحرّر من منظور نسائي أو نسوي، ليس فقط مهمّة فونغ بوي تران في فيتنام، بل جميع المؤرخات في عالمنا العربي، حيث عاشت دول كثيرة حروباً تحريرية وثورات وطنية، شاركت فيها النساء بنصيب قوي، ثم توارت خلف النسيان.

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة