"أن تحكي شيئاً معناه أن تتوافر على شيء خاص لتقوله لنا"... هكذا عبّر الناقد الألماني الشهير تيودور أدورنو عن فكرة الحكاية.
والحكاية جوهر في رواية الكاتب المصري حمدي الجزار "العروس" (ديوان للنشر، القاهرة)، وهي تأتي بعد رواياته الثلاث "سحر اسود" و"لذّات سرية" و"الحريم".
يعاين الروائي حمدي الجزار في نصّه الجديد عالماً جديداً يختلف عن سابقه، ويتقاطع مع نصوصه الثلاثة في الآن نفسه، بخاصة وتحديداً في ما يتصل بأنماط البناء، وبنية السرد داخل النص.
كانت العوالم المبناة على مهل والمشيدة مثل كاتدرائية عتيقة هاجساً أصيلاً لدى حمدي الجزار في تصوره عن فنّ الرواية، ويتجادل مع هذا أيضاً ذلك الاستدعاء المتواتر للحكاية باستمرار في نصه، وهذا التداخل الكثيف ما بين الحكايات المتعددة التي تشكّل خطوطاً متجادلة للسرد.
بنية الرواية
يوظف الكاتب ضمير الغائب في الحكي، على خلاف ما صنعه في رواياته السابقة التي استخدم فيها ضمير المتكلم، والفارق ليس فارقاً بين صيغتين لغويتين، أو نحويتين؛ لكنه تعبير عن موقف السارد من العالم المحكي عنه. أو وفق السرديات الجديدة وجهة نظر الراوي في المروي عنه.
وقد جعلنا هذا الاختيار الجمالي أمام سارد على تخوم الحكاية، ومن ثم تكتسي تعقيباته على المسرود عنه بأهمية مغايرة.
دونما إهداء او تصدير يُدخل الكاتب متلقيه إلى أجواء عمله الروائي مباشرة، حيث "العروس" المفردة المركزية التي تتصدّر العنوان، والتي تحيلك على المكان المركزي داخل الرواية (أبرز مطاعم القاهرة وموطن الطبقة الراقية).
ولا يتأخّر الإفصاح عنها بل تأتي الإشارة إليها منذ الصفحة الأولى؛ لنصبح أمام كاتب يتجّه إلى بغيته مبكراً.
ويتواتر الحكي عن "العروس" حتى نصل إلى مقطع دال يشير إلى جوهرها: "برواز ذهبي عريض يؤطر صورة فوتوغرافية كبيرة، أبيض وأسود؛ تجمع الأسلاف الذين أوجدوا العروس في قلب القاهرة، ثلاثة رجال في أواسط أعمارهم، يرتدون سترات سهرة، وتعلو رؤوسهم طرابيش أنيقة، ومعمم حديث السن يرتدي عباءة سوداء واسعة الأكمام، وفي يده مسبحة طويلة، بيضاء الحبات. وجوه المُلاّك جادة، ومتباهية بالعروس التي أصبحت بمرور السنوات أفرد درة بين مطاعم القاهرة، وملتقى الطبقة الراقية وكبار رجال العاصمة. عاينت الأشخاص في الصورة فعرفت الحاج مرزوق عشم الله، الشاب المعمم، صاحب المسبحة، والوحيد الباقي على قيد الحياة. وكانت امرأة تتوسط الصورة التذكارية، شابة بيضاء في فستان سهرة أسود، مموجة الشعر، ممتلئة الوجه، وباسمة". (ص ٤٥).
وتصبح اللوحة بشخوصها تمثيلاً لتنويعات الرواية المتعددة التي تقوم على جدل الحكاية الأم، والحكايات الفرعية، حيث حكاية "العروس"، وما يتصل بها، ويتناثر عنها، ويشتبك مصيره مع مصيرها.
22 فصلاً سردياً تشكّل مجمل المتن الحكائي للرواية تتفاوت في ما بينها في الطول والقصر من حيث المساحة الكمية للسرد.

شخوص وحكايات
ثمة زخم هائل من الشخوص والحكايات (سامية بشندي، مرزوق عشم الله، عمر عبدالظاهر، محسن الهراوي، سماهر، الموسيقار واصف عزيز وابنته الدكتورة نانيس، خالد عبدالباري، النحات مطر، الشيخ عبداللطيف، الكابتن ميدو، المذيعة هايدي كمال،ثروت بك، طلحة، بندق، عم شاهين، الريس بشندي، أم سامية، صفية أم خالد، فؤاد بك، أهالي السيدة زينب، عمال العروس...).
خليط هائل تتشكّل على ضفافه الحكايات وتنمو، تأخذ طريقة استعادية تقنية عبر الفلاش باك، أو تتنامى في طريقها مرصعة ببعض من ماضي الشخوص.
ويعدّ الاستهلال الروائي هنا مؤشراً زمنياً على أحداث الرواية وأجوائها، حيث ليلة رأس السنة، والجميع يستعد للاحتفال، ليس الجميع في الحقيقة، لكنّ جميع من هم هنا في "العروس".
تدور الأحداث في زمنيتها الراهنة في أجواء هذه الليلة، لكنها سرعان ما تعود إلى الوراء كلما اقتضى المسار الروائي، فالأشخاص الذين يتحرّكون أمامنا لهم خلفيات اجتماعية متعددة لا يمكن الكشف عنها الاّ عبر استدعاء هذا النثار من الماضي الذي لم يزل فاعلاً، ومحرّكاً في سيكولوجية الشخوص، وتصوراتهم، قبيل سامية بشندي، ابنة "الريس بشندي/ ريس الفواعلية"، والتي لا ترضى بأي شيء، تريد النهل من المزيد، تحب زوجها خالد وتؤلمه في الآن نفسه، تريد الفكاك، وتخشى من المصير المجهول لو غاب زوجها عنها وعن ولديها كريم وندى.
أما عبدالظاهر المحاسب القانوني خريج الحقوق والتجارة معاً، وابن بائع الكرواسان، فتنقلب حياته رأساً على عقب بعد لقائه بالرجل المهيب مرزوق عشم الله، الذي يحيل أحلام عمر إلى واقع.
مثل عمر شخصية مركبة شأن شخوص آخرين متعددين في الرواية، استقرأ الكاتب ملامحهم النفسية كما اهتم بتوصيف قوى الشخصية الأخرى، أو آليات بنائها.
نجد سامية الفاتنة التي لا تخطئ إحساس كل من يراها، من الكابتن محسن لاعب كمال الأجسام السابق إلى ثروت بك إلى عمر عبدالظاهر الذي جعله مرزوق عشم الله رئيس مجلس إدارة العروس؛ لتبدو سامية المنطلقة مثل مهر مرتبك لا يعرف الرسو أو الأمان.
تتسع جغرافيا السرد في الرواية لتشمل أحياء وامكنة عديدة: السيدة زينب، وسط المدينة بشوارعها الحية، وتماثيلها الرابضة طلعت حرب ومصطفى كامل، حي المقطم، ونزلة السمان، وسقارة، وغيرها.
أزمنة متداخلة عن حيوات متقاطعة وأماكن معبأة بالبشر والحكايات.
تكنيكات سردية
تتعدّد تكنيكات الرواية، ومن أبرزها الاتكاء على آلية الوصف، التي تتعدّد مداخله ومراميه هنا، ما بين التوصيفات للأمكنة (العروس من الداخل)، أو التوصيفات للبشر وملامحهم، وصولاً إلى التوصيفات للطبيعة المحيطة بالأمكنة من قبيل (رقاد النيل/ سكون الموج)؛ والأهم ربطها بالموقف السردي من قبيل اللحظة التي يشرب فيها (شاهين) من نهر النيل وموجه ساكن، فيصير من أصحاب القوى الخارقة كما في المعتقد الشعبي.
وقد عززت هذه التوصيفات التي أخذت منحىً بصرياً من وجود الصورة الروائية في مقاطع عديدة من النص، حوت بعضها قراءات نفسية لما في داخل الشخصية (مشهد عمر وهو يحمل الصندوق منتظراً أي همسة من الحاج مرزوق): "كان الصندوق بين يدي السيد عمر يشبه صندوق (أنوبيس)، الصندوق الذي وضعت فيه أعضاء (أوزوريس). لا، إنّه يشبه تابوت العهد الذي فيه بقايا ألواح (موسى). لا، إنّه يشبه اي صندوق موجود في السيدة أو الحسين. لا أبداً، إنّه صندوق نادر، ندرة وجود شخص يشبه الحاج مرزوق". (ص 39).
ويوظف الكاتب في المقطع السابق تقنية التعليق السردي من الراوي الرئيسي للعمل الذي يستدرك الكلام أكثر من مرّة كما رأينا.
تغرق الرواية أحياناً في الوصف الى حدّ الاستطرادات المجانية في بعض مواضعها، والتي لن يختل البناء حال حذفها؛ لأنّها قد تخلق ما يسمّى بالترهلات الفنية.
نرى أيضاً استخداماً لآلية الترصيع السردي من خلال الحكايات الفرعية عن ماضي الشخوص.
مثلت "العروس" مسرحاً للأحداث، ومركزاً للسرد، يكشف فيه الكاتب عن جانب من ذلك المخبوء، من قبيل الإحالة على عالم الصفقات، والليل المتخم بالمال والنساء، وعوالم المدينة المضمرة والظاهرة؛ لتقابلنا أيضاً هايدي كمال، مذيعة النشرة التي تود أن تكون صاحبة برنامج "التوك شو" الرئيسي في فضائية ثروت بك. ولا تتواني أن تعمل أي شيء من أجل ذلك، وتتعهد أمامه بأن تحضر له سامية بشندي في اي وقت مقابل عقدين من اللؤلؤ، وبرنامج تلفزيوني.
وهناك أيضاً طلحة، وميدو المعلّق نصف المغمور، في مجتمع من الأنصاف، غير أنّهم قد يحرّكون بعض حيوات الواقع.
وكل زبائن المكان، يمثلون علامة على تكوينات اجتماعية تتجاوز أبعاد الذات الفردية، دون أن تتحول إلى شخصيات نمطية.
يمثل الحوار هنا أحد أبعاد الرؤية السردية؛ وعنصراً مركزياً في البناء.
وبعد.. تبدو الحلقات السردية المرقمة من 1 الي 22، والممثلة للتكوين البنائي للنص بحثاً عن المعنى، معنى الحب، والرفقة، والأيام، والصداقة، ومعاينة الخسة والغدر والنهم، من دون معاظلات أو جمل تقريرية.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض