لا أعرف كاتبًا نابغة والتحق بالأبدية إلاّ وهو مسافر في الأمكنة والأزمنة، ومشاعرُه وذاكرته عابرة قارات، إلاّ أن يرسوَّ سفينُه عند نص يُنزل فيه حمولة تجربته الخصبة ثم يستأنف الإبحار. سنقول اختزالاً، من عهد هوميروس (VIIIق م) إلى زمن J.M.G. LE CLEZIO (1940ـ). نعني جان ماري لوكليزيو، يُنسَب عمومًا إلى فرنسا، وهو متعدّد الجنسيات بحكم أصوله العائلية متنوعة الأنساب ومخترقة الآفاق.
جدّه البعيد انتقل من فرنسا إلى جزر الموريشيوس حيث ولد أبوه، والجزيرة تابعة للحكم البريطاني، فاكتسب الجنسية الإنكليزية، التحق بها أبناؤه بعدما تزوج ابنة عمه الفرنسية من منطقة بروتاني، وأنجب منها جان ماري في مدينة نيس بالجنوب الفرنسي وهي تحت الاحتلال النازي.
غادرها وهو ابن الثامنة برفقة أمه وأخيه للالتحاق بالأب الذي يعمل طبيبًا في نيجيريا، وبعد ذلك بجنوب إفريقيا. عند نهاية الحرب عاد الفتى لوكليزيو إلى باريس لإتمام دراسته رسميًّا، بعدما بدأها متفرقة، ولينطلق في مسيرة حقيقية أعدّها القدر.
لوكليزيو، الروائي وكاتب النصوص والمدوّنات الرِّحلية غنيٌّ عن التعريف، ذاع صيته منذ توجته الأكاديمية السويدية بنوبل للآداب (2008)، فبأيّ مناسبة نعود إليه اليوم ونقدّمه مرّة أخرى للقارئ العربي الذي تعرّف إليه في ترجمات لبعض أعماله البارزة، منها" صحراء"، "الربيع وفصول أخرى"، و"ألما"؟
لا يحتاج الكاتب الأصيل لتبرير العودة إليه، لأنّ مائدته حافلة ومغرية بأشهى أطعمة العقل والروح، ما انفك يكشف لنا بكتابة فريدة تتزلّج على سطح شفاف تحته عمق محيطات الأدب والخيال، وغابات وحوار ثقافات وتزاوج حضارات وجسور بين شعوب وقارات، بلغة منسابة كالحرير تعاف التعقيد والتجريد وتعتنق الحسَّ والإحساس، معًا.
بهده الكيفية اختلف لوكليزيو، كتب الرواية على غير منوالها، والرحلةَ باختلاف عن الرّحالة، والشعرَ نصًّا دافقًا من منبع ثرّ. مادة كتابته التجربة أولاً وأخيرًا لاقترانها بالبحث وتفكيك ومحاولة تفسير مشروع الحياة والكتابة اللذين أنجباه كاتبًا ومنحاه هوية، هذه التي يفتح صفحاتها في كتابه الجديد: "Identité Nomade"(روبير لافون، 2024) وبترجمتها العربية تُصبح: الهوية رحّالة.
يوحي العنوان بنوع سيرة ذاتية للوكليزيو، فيه بالطبع كثير منه، وهو بطريقة ما لم يكتب إلاّ ما عاش ورأى وتعلّم، لذلك هو من فئة كتاب يتنقلون في العالم يدرّسون نصوصهم وتجارَبهم. وفي الوقت مزيجُ مشاهداتٍ وذكرياتٍ ومعارفَ تضمُّها باقة العنوان، وبذلك يمكن أن يقترح علينا تعريفًا مغايرًا للخيال ليس بالضرورة ما يفارق الواقع، وإنما ما تجنح إليه حين يخذلك هذا ويضيق بأحاسيسك ورغباتك.
نظيرَ ما حدث له حين نودي عليه لأداء الخدمة العسكرية، زمن الاستعمار الفرنسي للجزائر، ولم يتقبّل تنفيذ هذا الواجب باقتناع رفضِه الذهابَ لقتال شعب يحارب من أجل حرّيته.
له أقران اختلقوا أعذارًا غريبة، أما هو فاعتكف في مدينته نيس وكتب بسرعة رواية أرسلها لناشر هي الأولى، وصدرت وصنعت له عاجلاً اسمًا أدبيًّا، لذلك أُعفي من الحرب وأُرسل إلى تايلاند في مهمّة مدنيّة، وتورّط هناك وهو في وضع المجنّد، في فضح عملية متاجرة بالنساء بنشر مقال عنها، فأُرجع إلى باريس وبعد وقت أرسلته القيادة متعاونًا إلى المكسيك.
بين عالمين
منذ هذه الستينات وهو ينتقل بين البلدان والثقافات ويصوّر بعين الفضول. عاش طفولتين: فرنسية في نيس، وثانية في نيجيريا بين الأطفال والفتيان الأفارقة، فاكتشف الفرق، هذه نافذة تطلّ منها على العالم، الطفل الأوروبي مدلَّلٌ يعيش طفولته ويلعب، والإفريقي ينتقل إلى الرجولة باكرًا يمسك بزمام الحاجة، وإذا كان قد افتتن بالطبيعة والحياة الرّخيّة في إفريقيا كما عاشها برعاية والده في نيجيريا، فإنّه عاين مشاهدَ مرعبة لغياب العدالة وظُلم المستعمر، وهو ما كوّن قاعدة وعيه السياسي وانحيازِه للمحرومين.
من هذا التعدّد ومعاينة الاختلاف وِلدت مسألة الهوية؛ يقول لوكليزيو: "أنا إنسان عرَف عالماً آخرَ، وأحاول أن أعرضه، لا بدافع الحنين ولكن لانشدادي إلى كل ما أوجدني، كوّنني"(35). وهي عديدٌ جهاتٍ وانتماءاتٍ كونته، الجنسية واللغوية (بريطانية، فرنسية، بلغاتها) فسبح بين الجنسيات والمخاطر التي تتسبّب فيها الهويّات، وقد تنطبق عليه صفة الهوية الهجينة والتاريخ العائلي يُجسّد هذه الهجنة. يستنتج لوكليزيو منها أنّها هوية رحّالة (nomade) وأنّه تجب الحركة لنتعلّم، ويعثر على صيغة تناسبه: "لا أسافر لأكتب ما أكتب، ولكن أكتب لأستطيع السفر".
فهو كتب عن الصحراء من باريس، مثلاً، وصارت جزءًا منه مذ اقترن بزوجته جميعة من الصحراء المغربية من قبيلة سيدي أحمد لعروسي، فيربطه هذا بشيوخ صحراويين مثل الشيخ ماء العينين الذي حارب الاستعمار الإسباني بضراوة وكوّن في الوقت نفسه مكتبة عظيمة.

هويات مشتركة
يفهم لوكليزيو الترحال والهويات المشتركة بمعنى حضورها متعددة ثقافيًا في الشخص الواحد، هو الكاتب النوبلي لا يكفّ عن مساءلة الأدب والأدباء في العالم ودور هذا العطاء، باحثًا عن ضرورته في كتابه الجديد واجدًا بعد سعي طويل أنّ الكاتب شاهِد، ويحاول فهم معضلات حداثتنا. كما في غياب الثقافة فإنّها الأسلحة هي التي تتكلم، بما يذكّرنا بالقول المرعب لغوبلز. وفي زمن يبدو الأدب قد أضاع البوصلة، يعود لوكليزيو لمساءلة قضية الالتزام التي ظهرت في الثلاثينات عند ستاينبك وكالدويل الأميركيين، وسارتر وكامو الفرنسيّيْن، وكان بمثابة عقد يبرمه الكاتب مع المجتمع، ساد حقبة وفتَر بعد الحرب الثانية، واختفى بعدما لم يُلبِّ الرّغاب. لحقت به موجة الأدب الشكلي ممثلةً في (الرواية الجديدة) عرّابُها ألان روب غيريي، يرى أنّ جِدَّتها في تناقضها مع الأفكار السارترية لا غير وتخلّيها عن فكرة الالتزام، هي نوع من الفن للفن، ووصفَها بالسَّفر العمودي VERTICAL حيث الهبوط إلى العالم الداخلي.
وبحكم اهتمامه بإفريقيا لا يفوته الانتباه إلى عدم جدوى هذه المدرسة في قارة كتّابها لا يملكون رفاهية زملائهم في الغرب للاعتزال، وحيث الأدب معركة وحقائق الواقع حاضرةٌ لا تسمح للكاتب بالعزلة.
هؤلاء هم من يشايع لوكليزيو وينوّه بأدبهم الملتزم ، في كوريا بعد نهاية الحرب، وفي الصين مع كتّاب عانوا من تجاوزات الثورة الثقافية، وفي فيتنام.
يشيد بالرواية الفخمة لخوان رولفو في المكسيك، وفي البيرو بالروائي خوسي ماريا أرغيداس تتبنّى رواياته انتفاضة فلاّحي بلاده، كذلك في مدغشقر وجزر الأنتي وفانوتو الأدب فيها يأخذ صورة المعركة لإعلان هوية ضدّ الشطّط والسُّخرة، ولها كُتّابها من صُلبها هم فانون وإيمي سيزير، وإدوار غليسان ومارسيل كابون. الحق، لا أعرف من أكثرُ حماسًا لهموم القارة الإفريقية واعتناءً بأدب كتّابها مثل لوكليزيو، وقد انفصل عن التقوقع في الحميمية الأنوية لروائيي الغرب، يرى في إفريقيا خزّانًا للخيال الجديد وبجميع الأشكال واللغات المحلية وجّه الأدب الإفريقي طعنة نجلاء للّا مبالاة ونفخ روحًا جديدة في القيم.
هذا جزء من إيمانه بأنّ الأدب يسمح بالتعارف بين الشعوب والعيش المشترك وتقاسم الأحلام. هكذا اعتقاد لوكليزيو بأنّ إفريقيا هي اليوم حاملةُ مشعل الأدب الملتزم، حيث له رسالة أكثر منها في أوروبا التي عبرت بها إيديولوجيات متناقضة وأضعفت هذه المسؤولية. ينبّهنا صاحب الهوية الرّحالة وجوبًا إلى أنّه لا يخاطبنا بالأفكار والمبادئ، ولكن من وحي تربية متأصلة، ذلك أنّ والده وقد عقد العزم على الرحيل عند الأفارقة، استنكر محيطه قراره قائلين: "كيف، تذهب عند المتوحشين، فأجابهم بعنف: بل أنتم المتوحشون!"، أي أنّه تلقّى من أسرته تربية احترام حضارة الآخرين وممارسته، لذلك أن تكتب معناه عنده أن "تفعل"، وما الكاتب بالشخص الساكن والمنغلق، هو من يجعل كلماته قادرةً على خدمة قضية عادلة.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض