24-01-2024 | 07:20

قصائد "غياب حرّ" تولد من قلق الأسئلة!

لا بدّ للشعر الجديد من مداخل نقدية جديدة أيضاً، لا تكتفي بمعاينة القصيدة من داخلها، أو المزج ما بين الداخل والخارج، حيث يصبح خارج النص منفتحاً على العالم بأكمله.
قصائد "غياب حرّ" تولد من قلق الأسئلة!
Smaller Bigger
 
لا بدّ للشعر الجديد من مداخل نقدية جديدة أيضاً، لا تكتفي بمعاينة القصيدة من داخلها، أو المزج ما بين الداخل والخارج، حيث يصبح خارج النص منفتحاً على العالم بأكمله. 
بل يجب أن تتكئ التصورات الجمالية والفكرية على ذلك كله، مرتكزة على اكتناه الداخل الثري داخل القصيدة، وتتبّع المسار الشعري للنص والتحولات الفنية للشاعر.
 
من هنا يأتي الحضور الواعد للديوان الثاني عشر للشاعر المصري عاطف عبدالعزيز "غياب حرّ"، والصادر في القاهرة حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. 
14 قصيدة تمثل المتن الشعري لديوان "غياب حرّ"، تبدأ بقصيدته "الكتانة" وتنتهي بنصه "حديث صامت في المدينة الضاجة".
 
هل صارت الدراما مرتكزاً في النص الشعري لدى عاطف عبدالعزيز، أم أنّ مداها قد اتسع أكثر، وصارت أكثر كثافة تعبيرية، هذا ما يمكن تلمّسه من القصائد جميعها. وبما يعني أيضاً من تسرّب رهانات جمالية ابنة حقول فنية أخرى، حيث تبرز السينما تحديداً في قصائد مثل  master scene، و "صباح الخير يا إسكندرية" و"الليل" وغيرها.
 
 
بنية النص
ما الذي يميّز هذا الديوان حقاً في منجز عاطف عبدالعزيز الشعري؟ وما الذي يُميّز هذه الشعرية بشكل عام، وما هي الأبنية/ التكنيكات التي يعتمد عليها ديوانه "غياب حرّ". تبرز شعرية الثنائيات المتعارضة من خلال جدل الذات الشاعرة ورفيقتها. 
ثمة وحدتان شعريتان تنهض عليهما النصوص أحياناً كما في القصيدة الأولى "الكتانة": "وها أنت/ تكتبين شعراً لا يخلو من الأخطاء،/ تلك التي تجعله أعمق إيجاعاً/ وأكثر لياقة بالحياة/ التي هي أخطاء/ فوق أخطاء/ تحت أخطاء/ أما عني/ فصرت رجلاً يحوز مكعباً من الطمأنينة/ يقلبه بين أصابعه قلقاً كل ليلة/ ثم يعيده إلى رفّ الأيقونات/ صارت عندي عائلة لها حنان معتق/ يذكّرني بقنينة العطر التي جاءتني/ ذات يوم/ كهدية من صديقي الهندي/ كتب إليّ الرجل مرّة بحذّرني: "في دولابك الآن لغم يا عاطف/ اجل.. لديك عطر مسحور، لا يؤمن/ له جانب" (ص 17).
وهاتان الوحدتان المركزيتان تنتجان في جدلهما الخلاّق مدلولات شعرية منفتحة على ما يجاوز الذات الشاعرة ورفيقتها المصاحبة.
 
وفي الديوان أيضاً تبرز ما أسميته شعرية الخروج عن المسارات المتوقعة، اتكاء على توالد الحكي الشعري بلا استطرادات او زيادات لفظية، وهذا يتجلى في مواضع عديدة من الديوان منذ قصيدته الأولى "الكتانة"، وحتى قصيدته الأخيرة "حديث صامت في المدينة الضاجة"، والمهداة إلى الشاعر والأكاديمي الراحل محمود نسيم، ومروراً بقصائد من قبيل (في مديح القسوة، جنة المطاريد، ليس بالقرب منا دير، أيام اللالا،..)، وغيرها.
 
 
 شعرية الخطاب
 تتوجّه الذات الشاعرة بالخطاب الشعري إلى متعين محدّد تلعب الهوامش دوراً في توكيده. ومن ثم كان يمكن حذف بعض الهوامش التي وردت في نهاية الديوان لمصلحة فنية في العمل؛ من قبيل ما نراه في قصيدة master scene التي تحوي خطاباً شعرياً إلى الشاعر صلاح جاهين، يكسر فيها عاطف عبدالعزيز إيقاعات اللغة المنسجمة، بجملته (شفت.. شفت يا صلاح)، ويعاين فيها مأساة الفنانة الراحلة سعاد حسني، وكان جديراً بالفن أن يدخل عاطف هنا إلى هذا العالم الذي كان من مدخل ذاتي. وليس عبر مداخل مفتعلة، أو من قبيل الاجترار العام، وهذا هو مناط الجدارة في القصيدة: "بوصفي واحداً من جيل وطأته الأوهام/ والأيام الدول/ ثم بوصفي ممن عدوا في الشوارع/ خلف كرة من إسفنج الكراسي قبل/ اختراع الأسفلت/ أشاطرك الغرام بفتاة الاستعراض/ أعرف أنك تعرف أنني أعرف/ كيف سوف أنتهز - في ما بعد فرصة غيابك/ لأنفرد بالبكاء عليها/ عندما ستحلّق بسماء لندن/ دون جناحين" (ص 21).
 
وفي قصيدة "في مديح القسوة"، نرى هذا البناء الشعري المتدرج، والمتصاعد، ليكمل جدارية الموت والأحلام.
وفي "صباح الخير يا إسكندرية"، يستعير نص "كفافيس" على نحو يماثل تلك السردية الجاهزة، ثم تنحو القصيدة صوب تشكيل فضاء أبعد عبر هذا الخروج من إيقاع السائد، وعبر الخروج بالتناص مع السينما وفيلم "هي والرجال" إلى حيز التفاعل النصي المنتج لمعنى جديد: "للموج إذن أن يتذكّر بقلب فارغ، كيف كان ذات يوم، أمين سر العاشقين المهووسين بفكرة الإخلاص، كيف كان أنيساً للخادمة التي فرّت - في الفيلم العربي - من خيبة الأمل إلى المزيد من خيبة الأمل".
تنهض قصيدة "جنة المطاريد" على البناء على الجملة الشعرية وصنع الاختلافات في كل مرّة ترد فيها الجملة المتواترة: "نهار حذو النهار"، "ليل حذو الليل".
 
 
 
ليس بالقرب منا دير
 الانفتاح على الرواية والدراما، حيث يتماس مع رواية "خالتي صفية والدير"، التي تحولت أيضاً إلى مسلسل تلفزيوني شهير.
تحوي قصيدة "عادة سرّية"  المفردة المركزية التي تتصدّر عنوان الديوان، حيث الانعتاق من كل شيء، والتبدد في انشودة حر، وغياب حر.
 
وبعد... إنّ قصيدة عاطف عبدالعزيز قصيدة تؤرقها الأسئلة أكثر من أى شيء آخر، حيث يتوجّه الشاعر دوماً – بحسب ماكليش: "نحو أشياء العالم، لا لكى يُكوّن أفكاراً عنها بل ليكشفها، وبذا يكتشف نفسه".
وقد راكم عاطف عبدالعزيز مشروعاً شعرياً يخصّه وحده، بدءاً من "ذاكرة الظل" و"حيطان بيضاء"، ومروراً بدواوين "الفجوة فى شكلها الأخير"، و"سياسة النسيان"، و"سيرة الحب"، و"ترجمان الروائح"، و"برهان على لا شيء"، و"شيء من هذا الغبار"، وغيرها، ووصولاً إلى ديوانه "غياب حر" الثريّ المفعم بالمحبة والرغبة والإخفاق والتبدد، والتحنان، والمواعدة.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.