منذ القرن التاسع عشر، عصر تفتّح الرواية وازدهارها واستقراها فنًّا كاملًا انطلاقًا من منتصفه، شغلت تيمةُ الحرب اهتمامات كبار روائيّي هذه الحقبة ووضعوا قصصهم وأبطالهم في أتونها، خاصة التي جرت في عهد نابليون وتقاطعت فيها مصائر بلدان بمصير شخصيات. يحفظ لنا تاريخ الأدب عملين مؤسِّسين لفن الرواية الواقعية التاريخية في نضجها، ولها وهي حاضنةٌ للحرب وفي قلبها تشكيلُ البنيات الاجتماعية والثقافية ومشاعرُ الأفراد: الأولى، الرواية الرائدة لستاندال La Chartreuse de Parme(1839)؛ الثانية هي الأشهر لكاتبها ليون تولستوي (1828ـ1910): "الحرب والسلم" (نشرت مسلسلة بين 1865 و1869) ويمكن أن تضاف لها "أنا كارنينا"(1877) حيث تمرح طبقة الحكّام في مسرح خلفية الحرب، بيد أن الأولى هي التي اعتُبرت نموذجاً في تاريخ الأدب الغربي، فكانت رواية مثلت فيها الحربُ ظاهرةً وفلسفةَ حياة وقدرًا وحوت حكمة مؤلفها، كما عُدّت منعطفًا في تكوين هذا الفن.

بعدها انتقل العالم إلى حروبه العظمى، فجاءت روايات جديدة كما عند همنغوي (1899ـ1961)، ثم تصبح الحرب جزءًا من الحياة وسياقًا فيها، كما عند سيلين (1894ـ1961) في الرواية المكتشفة أخيرًا "حرب" (2023).

في الرواية العربية
بعد حرب/ نكسة حزيران 1967، ستهتز أرض الرواية العربية وتجدُّ فيها مواضيعُ ورؤى وأساليب، منها تيمة الحرب، خاصة ما خلفته انتكاستها من خيبة وهزيمة نفسية فأنتجت ذاك النصَّ الفجائعيّ "أنت منذ اليوم" (1968) لتيسير سبول (1939ـ1973)، انتحر وتبعه الشاعر اللبناني خليل حاوي (1919ـ 1982) كلاهما بسبب الاحتلال الإسرائيلي.
تلت بعد ذلك روايات مصرية بعد حرب أكتوبر 1973، برز منها روايات "لحن الصباح" (1995) لمحمد ناجي يتحول عنده أبطال الحرب إلى معاقين عالة على المجتمع وينتصر الانتهازيون.
الفكرة ذاتها عالجها إبراهيم عبد المجيد في "هنا القاهرة" (2014) وتبقى رواية يوسف العقيد "الحرب في برّ مصر" (1978) ما حظي بالحفاوة النقدية وأحداثها قبل حرب أكتوبر وبعدها. تحصيل حاصل القول إن الرواية العربية اللبنانية هي بنت الحرب الداخلية، في الموضوع والمحيط وفضاءاته وشاغل الشخصيات فعلًا وشعورًا وانعكاسًا، أذكر على سبيل المثل "الوجوه البيضاء" (1981) لإلياس خوري؛ "حارث المياه" (1998) لهدى بركات؛ و"شريد المنازل" (2010) لجبور الدويهي (1949ـ2021).
وبطبيعة الحال، فإن الرواية الفلسطينية كلها رواية حرب بحكم دفاعها عن وطن محتل ومقاومة الاغتصاب والتشريد والمحو، في كمّها الهائل المتنوع لا يصح استثناءُ أحد.
وتكاد الرواية العربية في سوريا تتحول في غياب ظرف السلم بدورها إلى رواية الحرب كفعل عنف وعدوان داخلي وخارجي يهيمن علي مضامينها وفي أحداثها تعيش وتموت الشخصيات، لنقرأ سمر يزبك في "المشاءة" (2017)، وخالد خليفة (1964 ـ2023) في "لا سكاكين في مطبخ هذه المدينة" (2013) و"الموت عمل شاق" (2016).
رواية الحروب ونقدها
كنت في حاجة لهذا العرض قبل أن أصل إلى حضور تيمة الحرب في رواية المغرب العربي، وهو حضور قوي على الخصوص في الرواية الجزائرية، عربية وفرنسية، بحكم الزمن الاستعماري الطويل الذي امتد قرنًا وحرب التحرير الوطنية دامت سنوات.
وفي هذه الأجواء، وُلدت رواية الحرب ومثلت مشاهدَ اجتماعية وكفاحًا وطنيًا فيأتي تأسيسُ أدب مرتبط بموضوع وحدث، فكُتبت باعتبارها وثيقة تاريخية وإعادة تأسيس لهوية حاربها المستعمر بضراوة.
وتصحّ قراءتها وفق نظرية ما بعد الاستعمار (Postcolonialisme) التي تندرج في نطاق خطابات النقد الثقافي الذي ظهر في الولايات المتحدة الأميركية في الثمانينات ولاحقًا في أوروبا الغربية، واقتدى به بعض العرب.
كان إدوار سعيد من رواده في كتابه الأشهر عن "الاستشراق" (1978)، الجانب الأدبي منها يزوّدنا بالأدوات النقدية التي تمكننا من تحليل ما أنتجه كتاب أبناء المستعمرات السابقة، وعمومًا كل ما يحمل نظرة نقدية جذرية للاستعمار.
بالإضافة إلى أنها تكشف عما ارتكبه من فظاعات من قتل للسكان ونهب للخيرات والثروات ومحو للثقافة الوطنية والهوية، ما جعل الذات تتأسّس وتحاول تشكيل كيان في مواجهة الآخر، يصبح النص الروائي تعبيرًا عن ثقافة مضادة وأيديولوجية مناهضة للعنف الذي مورس عليها ونقدًا جارفًا للقيم التي تستّر بها الغزو، وصرخةً في وجهه ممتزجةً بحرقات ومصائرَ ذاتية جريحة.
من هذا المنظور ننوّه بالدراسة التي أنجزتها الأديبة والباحثة السورية شهلا العجيلي في كتابها "الهوية الجمالية للرواية العربية ـ رؤية ما بعد استعمارية" (مجاز، 2020) ويستحق وقفة خاصة لاحقة.
حرب الكوم
في الرواية المغربية العربية حضرت تيمةُ الحرب بطريقة ومن منظور مختلفين تمامًا عن غيرها، وإن اشتركت معها في العنف الممارس عليها، وقد التقطها وقدّمها بصيغة روائية مميّزة الأديب المغربي محمد المعزوز، استخرجها بوعي عالمِ الاجتماع ودارسِ الأنتربولوجيا السياسية وهذا اختصاصه، من ركام الغُفل والمنسيّ في تاريخ المغاربة، في روايته: "حرب الكَوم" (المركز الثقافي للكتاب، 2023).
أبطالها نوع غير مألوف في الرواية والحياة العربية، لأنهم - هم وكثير من أفارقة القارة السمراء - اقتُلعوا من أرضهم وأُلحِقوا قسرًا بالجيش الفرنسي الذي كان يحتل إمّا الهند الصينية ويحارب فيها، أو يواجه الهجومات الألمانية في الحربين العظميين، في الوقت الذي كانت فرنسا قوةً استعمارية في بلدان المغرب العربي وعدد من الدول الأفريقية، وهكذا كان الأهالي يُسامون بطشَ المستعمر مرتين. لا تزال هذه القوة إلى اليوم حاضرة في صفوف الجيش الفرنسي وتُدعى "اللفيف الأجنبي" ولها تاريخ مجيدٌ مأساوي.
هو مأساوي خلافًا للسردية الفرنسية التي تتحدث عن متطوعين للالتحاق بجيوش فرنسا في الخارج، وهم الذين كانوا يُجنّدون إجباريًّا بقوةٍ تطوف الأرياف والجبال خاصة، وتفرض على الشباب التجنيد بكل الوسائل في صفوفها. هؤلاء المجندون المقتلعون الذين أبلوا البلاء الحسن بانتصارات مدوّية على الألمان في الحرب العالمية الأولى لُقِّبوا "الكَوم" وخاضوا أشرَس الحروب ضمن قوات الحلفاء في مواجهة الألمان في تونس وليبيا وإيطاليا بعد ذلك، عُرفوا ببسالة لا متناهية، يتحدّون جميع الصعاب ويدفع بهم قادتُهم حطبًا للنيران الأولى للمدافع، وهم ذوو أخلاق بذل عالية، وعقيدة إسلامية صافية، ولهم زيّ مخصوص، وتكافلٌ وتفان في التضحية. يلتقط محمد المعزوز في روايته الفريدة هذه الشريحة البشرية والعيّنة التاريخية في سجل الاستعمار الفرنسي والظلم الذي حاق بالمغاربة والمغرب الذي خضع للحماية الفرنسية ابتداءً من 1912 ثم للاستعمار بعد ذلك إلى استقلاله سن 1956 ليرسم لوحة مختلفة عن الحرب المعتادة في الرواية العربية، ويقدم في عمله حكاية تمثلهم وفي الوقت مرافعة هجائية ونقدية قادحة ضد الاستعمار وعنف وأخلاق القيم الغربية، تيمّنًا بسلفه فرانز فانون رائد هذا الطريق.
في قرية "كولوش" ضاحية مدينة وجدة في المغرب الشرقي قرب الحدود مع الجزائر تعيش عائلة متواضعة من أب وأم وثلاثة إخوة وأخت، المهنة مطحنة وبعض الفلاحة يتعاون الجميع على العيش في بيئة بدوية زمن الاستعمار، وله أعوانه مسلطون على السكان. تعيش الأسرة مأساة خصوصية بسبب الابن الأصغر علي الذي عاد من فرنسا بعد نجاحه في الدراسة وتعلقه بفرنسية لقيت حتفها في حادث سير فيصدم جرّاءها ويفقد عقله ويصبح عارَ العائلة لما يُلحقه بها من هوان خارج البيت ليقرر أبوه سليمان قتله. بعد هذه القتل الشنيع يموت الأب متأثرًا، ثم تحلُّ الطامة الكبرى باستدعاء الأخوين عيسى وموسى للفيف الأجنبي عنوةً يرحلان معًا تاركين الأم والأخت بلا عائل وتحت رحمة شيخ القرية المتعاون المستبد سرعان ما يمدّ سلطته للزواج من الأخت زليخة التي تذعن مرغمة بعدما مسّها وأمَّها الإملاق، فيما الأخوان يحاربان مع الكَوم.
يسرد علينا المعزوز قصة ترحّل الأخوين وهما يخوضان معارك الكَوم تحت إمرة القادة الفرنسيين كلٌّ في جبهة، عيسى في تونس لمواجهة الألمان، وموسى في الجزائر. يختص الكاتب عيسى بالذات بدور البطولة، سواء في المعارك الحربية التي يخوضها هو ورفاقه ببسالة منقطعة النظير في حرب لا تعنيهم هم وقودُها وسلاحُ النصر فيها، ما يثير استغراب والإعجاب الشديد لرؤسائهم الفرنسيين وحتى الأميركيين الحلفاء، وهذا سيثير حفيظة أكثر من جنرال فرنسي فيتآمرون عليهم في الجبهة الإيطالية وينسبون إليهم أفعال اغتصاب وجرائمَ لم يرتكبوها للحطّ من قيمتهم وتأليب السكان عليهم، وهذا رغم كل استبسالهم وأعداد موتاهم الكبير وخلقهم الرفيع؛ ونرى عيسى بعد ذلك بطل مغامرة عاطفية مع فتاة يهودية ينجح في تهريبها مع عائلتها المهددة من النازيين إلى المغرب بعد موافقة قائده، ويصبح نفسه ضحية شجاعته في معارك تثير الغيرة منه فيُرحّل إلى مسقط رأسه يعود بلباسه العسكري فقط. في قريته يكتشف مصير أمه وأخته التي ماتت ويقتص من قاتلها، ثم ينتقل مثل فارس مغوار لمغامرة أخرى ضد المستعمر في مدينة وجدة بعدما أصبح مطاردًا من قواته ولينتزع المحبوبة اليهودية أدارا التي تتمرد على العائلة والتقاليد وتهرب مع الحبيب في نهاية رومانسية تذكّر بقصص الفروسية.
نخلص إلى أن النسيج الحكائيّ في رواية "حرب الكَوم" وهو واقعي تاريخي ومحبوك جيدًا تُسربله لغةٌ متينة وغُلالة شعرية، حاكمَ فيه الاستعمار وأدانه بعنف وشجبَ سلبَه للحرية وتنكُّرَه لقِيم مدنيّته، وقد كتبه المعزوز بخطاب مباشر وعينُه على خيانة الغرب لمبادئه، فكأنه استبق ما حدث مما نعيشه اليوم من خيبة تجاهه، وهذه من مزايا رواية ما بعد الاستعمار.
نبض