11-01-2024 | 06:30

دجلة الجريح: رحلة نهرية إيرلندية عبر مهد الحضارة

ما يعيشه العراق من اضطرابات، منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، كان تأثيره المرئي على البشر، حروباً ولجوءاً وموتاً. وفي الخلفية تتأثر بيئة العراق بكل ذلك الخراب. ودجلة، نهرها العظيم، يبدو رمزاً لهذا الخراب.
دجلة الجريح: رحلة نهرية إيرلندية عبر مهد الحضارة
Smaller Bigger

 
ما يعيشه العراق من اضطرابات، منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، كان تأثيره المرئي على البشر، حروباً ولجوءاً وموتاً. وفي الخلفية تتأثر بيئة العراق بكل ذلك الخراب. ودجلة، نهرها العظيم، يبدو رمزاً لهذا الخراب. 
 
كتاب الرحالة الأيرلندي، ليون ماكارون، الجديد "دجلة الجريح" هو قصة –ممتعة ولكنها مأساوية-عما ستخسره البشرية بموت نهر عظيم، وما يمكن أن يفعله العراقيون وجيرانهم والعالم لمحاولة إنقاذه. 
 
ينتمي الكتاب إلى جنس أدب الرحلات الواقعي. يوميات ومشاهدات وحوارات وانطباعات وصور مكتوبة بأسلوب أدبي رفيع وممتع، تحكي كلها رحلة الكاتب ورفاقه على طول مجرى النهر العراقي العظيم، مسلطاً الضوء على التهديدات التي تحيط بالنهر ومكوناته الطبيعية الغنية. 
ماكارون، كاتب ومذيع ومستكشف. وهو زميل الجمعية الجغرافية الملكية، والجمعية الجغرافية لمستكشف العام في فيلادلفيا، وقد عرف برحلاته الاستكشافية الطويلة وسرد قصص المغامرات على وسائل التواصل. وهو مؤلف كتاب "الطريق المتجه غربًا: مغامرة ركوب الدراجات عبر أمريكا الشمالية" (2014)، و"الأرض وراءها: ألف ميل سيرًا على الأقدام عبر الشرق الأوسط".
 
 
 
 
 
لقد شكل نهر دجلة شريان الحياة لبلاد ما بين النهرين القديمة والعراق الحديث، لكن الجغرافيا السياسية المتغيرة على نحو كارثي عراقياً وعربياً، وتغير المناخ تركا هذا الشريان المائي الفريد معرضاً لمخاطر الفناء. والنهر أكبر حجما من نهر الفرات، ويتصل به عن طريق القنوات القديمة، ويزود معظم المياه المستخدمة للري في الأراضي الواقعة بين النهرين. 
 
قبل ثلاثة آلاف سنة، قرر السوريون أن منبع نهر دجلة يقع في أعماق القمم والبحيرات العظيمة أسفل سلسلة جبال طوروس. هذه المنطقة، حيث نُحتت صور الملوك الآشوريين على الحجر، هي المكان الذي بدأ فيه ليون ماكارون ورفاقه رحلتهم الطويلة عام 2021، والتي تزيد عن 1600 كيلومتر عبر الجبال التركية، ثم شمال شرق سوريا إلى قلب العراق. 
 
وأثناء مروره بالمدن التاريخية مثل ديار بكر والموصل وبغداد، ظل ماكارون برفقة الصيادين والمزارعين، وكذلك الفنانين والناشطين وعلماء الآثار؛ معايشاً ومرافقاً لكل الفئات الملتصقة بالنهر في معيشتها أو نشاطها أو اهتماماتها العلمية والثقافية. 
 
لقد شكلت له رفقة هؤلاء الغرباء، سنداً أساسياً في استكمال مسار الرحلة وثراءً لمضمونها العلمي والأنثروبولوجي. ومن خلال أسلوبه الممتع في الحكي -والفكاهة أحياناً- ينقل لنا الكاتب أجواءً عراقية ساحرة، رغم ما ينغصها أحياناً من مشاكل أمنية واقتصادية. ومع ذلك يبدو الإنسان العراقي وقد رتب حياته، متأقلماً مع نكبات البلد وانتكاساته المتلاحقة، وحافظ على قدر من البهجة، ربما هي التي عصمته من السقوط.
 
لكن هذا الوجه الجميل للعراق والعراقيين، يقابله تحقيق معمق حول الكارثة البيئة والمناخية التي يعيشها البلد، والتي ربما تتطور في ظل غياب الحلول والسياسات. وهذا ما يكشفه ويركز عليه جزء كبير من الكتاب الرحلة.  
 
يعد العراق خامس أكثر دول العالم عرضة لتغير المناخ. وفي عام 2021، عانى ما يقرب من 40 في المائة من مزارعي القمح في العراق من فشل شبه كامل في المحاصيل بسبب نقص المياه. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن 13 بالمئة من سكان وسط وجنوب العراق هاجروا بسبب تغير المناخ والتدهور البيئي. 
 
ينقل الكتاب، من خلال الحوارات واللقاءات، صوراً كارثيةً عن مياه الصرف الصحي التي تنتهي في مجرى النهر، والتي واجهها نشطاء عراقيون بالفضح والتعرية. لكن قوى ذات نفوذ وقفت في وجه هذا النشاط. الأمر الذي جعل الناشط البيئي سلمان خير الله مؤسس جمعية "حماة نهر دجلة" يهاجر إلى خارج البلاد، على خلفية تعرضه للاعتقال والمضايقات والتهديد. 
 
ويعيد هؤلاء النشطاء هذه السياسات الرسمية إلى الفساد وسوء الإدارة. ويظهر ذلك على نحو أكثر وضوحاً في الجنوب. في البصرة، والكوت، حيث يتفرع دجلة إلى فرعين هما نهر الغراف والدجيل، تبدو صورة الكارثة أكثر جلاءً، فكل ما يجد طريقه إلى منبع نهر دجلة من المخلفات الصناعية والزراعية والبشرية والحيوانية، ينتهي به المطاف في البصرة. في عاصمة الجنوب العراقي يبدو دجلة جريحاً حقاً، فاقداً لوهجه التاريخي والحضاري. ويتعمق الأمر في الجنوب بسبب حرق الغاز والتلوث النفطي الناتج عن قطاع الطاقة. 
 
يرصد الكتاب مسار تحول دجلة من كونه رمزًا لازدهار البلاد، عندما كان العراق من أغنى الدول بالمياه في العالم العربي، إلى رمز لتردي أوضاع العراق. فقد وصل تلوث النهر إلى مستويات مرتفعة للغاية بحيث أصبح أولئك الذين يعتمدون على مياهه معرضين لخطر الإصابة بأمراض تهدد حياتهم. فعلى مدى عقود، أنتجت المدن المطلة على النهر كميات من مياه الصرف الصحي أكثر مما تستطيع محطات المعالجة الرئيسية الثلاث التعامل معه. لتتحول مياه النهر إلى أحد المصادر الرئيسية للسرطان لدى العراقيين. ومع ذلك، فإن المعالجة غير الملائمة لمياه الصرف الصحي ليست سوى قمة جبل الجليد.
 
يلقي الكاتب الضوء على دور التشكيلات العسكرية غير النظامية، وعلى رأسها داعش. بعد أن سيطر التنظيم على أجزاء من العراق في عام 2014، كان عناصره يقومون بانتظام بهدم السدود وتسميم الآبار لقطع المياه النظيفة عن القوات العراقية وإجبار المجتمعات المحلية على الطاعة. ولتلويث المياه الجوفية، يقوم داعش بإطلاق حطام النفط أو المعدن في منافذ مثل نهر دجلة. كما كانوا يقومون أيضاً بإلقاء جثث ضحاياهم في النهر. 
 
خلال الحرب والأشهر التالية، جرفت الجثث على ضفاف النهر من بغداد أو الموصل. وبقيت مئات الجثث غير المكتشفة في الماء وتحللت، مما ساهم في التلوث. كما استهدف داعش آبار النفط في البلدات القريبة من نهر دجلة، مما أدى إلى تسرب النفط الخام في الشوارع والأنهار. وحتى عندما لا تستهدف الهجمات بشكل مباشر المنشآت النفطية أو البنية التحتية للمياه، فإن الانفجارات ستلحق الضرر بشبكات الصرف الصحي وخطوط الأنابيب ومحطات معالجة المياه القريبة.
 
ومع ذلك، فإن المعالجة غير الملائمة لمياه الصرف الصحي ونشاط التنظيم الإرهابي الذي انتهى قبل سنوات ليست سوى قمة جبل الجليد. ذلك أن السبب الجذري للكارثة البيئية العراقية، هي غياب السياسات الحكومية المناخية، لأن بقية الأسباب هي نتيجة الفراغ الذي يحدثه غياب السلطة عن هذا المجال الحيوي، ولاسيما قطاع المياه، المهدد أكثر من غيره في بلد تشكل فيه الزارعة رافداً أساسياً، وفي عالم أخذ يبتعد عن الوقود الأحفوري.
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة