إيمان يحيى يستعيد أجواء العشرينات في "رصاصة الدلبشاني"
عقب ثورة 1919 بثلاثة أعوام، اندلعت حملات القبض على الشيوعيين والاشتراكيين، بواسطة البوليس المصري الخاضع للإدارة الإنكليزية. ثم وقعت حادثة محاولة إغتيال قائد الثورة ذاتها سعد زغلول، وكان وقتها زعيم أكبر حزب سياسي هو حزب الوفد ورئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية، فترتب عليها ما يشبه الزلزال في الأوساط الشعبية والرسمية على حد سواء.
عقب ثورة 1919 بثلاثة أعوام، اندلعت حملات القبض على الشيوعيين والاشتراكيين، بواسطة البوليس المصري الخاضع للإدارة الإنكليزية. ثم وقعت حادثة محاولة اغتيال قائد الثورة ذاتها سعد زغلول، وكان وقتها زعيم أكبر حزب سياسي هو حزب الوفد ورئيسًا للوزراء ووزيرًا للداخلية، فترتب عليها ما يشبه الزلزال في الأوساط الشعبية والرسمية على حد سواء.
تلك الحادثة يستعيدها الكاتب إيمان يحيى في روايته "رصاصة الدلبشاني" (دار الشروق – القاهرة) ليسلط الضوء على حال البلاد في تلك الحقبة الزمنية متنقلًا بأحداثها بين ثلاث مدن هي القاهرة والإسكندرية والمنصورة.
وحظيت المدينة الثالثة بنصيب وافر من الاهتمام، باعتبارها موطن واحد من أبطالها الرئيسيين ويدعى "عبد الحميد الطوبجي"، الذي زامل المتهم بمحاولة الاغتيال عبد اللطيف الدلبشاني في الدراسة في برلين، وكان يخشى من استدعائه للتحقيق معه لمعرفة بما إذا كانت له صلة بإطلاق رصاصة على سعد زغلول ترتبت عليها إصابة "زعيم الأمة" بجرح طفيف، لينجو من الموت بمعجزة.
ومن خلال الطوبجي تحضر المنصورة المطلة على النيل في شمال القاهرة بناسها المنتمين إلى أصول يونانية وإيطالية وأرمنية وشامية وألمانية، وشفة فندق "وندسور" المكتظ في حفلاته بسيدات ورجال، قليل منهم من المصريين من كبار ملاك الأراضي الزراعية.
وكان كثير من اليونانيين وبعض الإيطاليين المقيمين في تلك المدينة منضوين في تنظيمات شيوعية واشتراكية وديموقراطية مقتصرة عليهم.
أما الإسكندرية فتحضر من خلال ما يتذكره إنغرام بك الذي سبق له العيش والعمل فيها ومن ثم الاحتكاك بوجهائها، وكان كثير منهم من جنسيات أوروبية وكانوا مقدمين على أهل البلد الأصليين عمومًا ولهم محاكم تنحاز لهم في أي نزاع قضائي، على حساب المصريين، وكانت تسمى "المحاكم المختلطة".
ضمير المتكلم
تتوزع فصول الرواية وعددها 13 فصلًا بين "الدلبشاني" و"الطوبجي"، و"إنغرام بك"، باستثناء الفصل قبل الأخير وتولى فيه السرد، السياسي المقرب من الملك فؤاد وهو حسن نشأت، والفصل الأخير الذي يسلم فيه الكاتب زمام السرد لسعد زغلول نفسه، والذي بدأ نجمه السياسي يأفل لدى السلطة الحاكمة التي ازدادت استبدادًا عقب محاولة اغتياله الفاشلة.
وفي الفصول الأخرى تولى بقية الشخوص الخمسة السرد بضمير المتكلم، بمعدل أربعة فصول للطوبجي وثلاثة للدلبشاني وأربعة لإنغرام بك، وهي فصول غير متتابعة بالنسبة إلى كل واحد من هؤلاء.
والأخير كان يتولى منصب نائب حكمدار العاصمة وهو ضابط إنكليزي، بعد محاولة الاغتيال اتسعت حملة الاعتقالات لتشمل قيادات في الحزب الوطني، الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل في عام 1907، وكان مواليًا لتركيا ويعمل على إعادة الخديوي عباس حلمي المعزول إلى الحكم.
يصنع الكاتب في هذه الرواية صورة واضحة المعالم لشخوصه، ومنهم هذا الضابط الإنكليزي الذي ترك الانشغال بالحادث الجلل لينغمس في التمتع بمفاتن عشيقته الإيطالية التي سرعان ما ستقطع علاقتها به لرفضه إعلان ما بينهما، لمنصبه الحساس ولخشيته من رد فعل زوجته الإنكليزية، ليموت في النهاية من جراء إصابته بالتيفويد.
وهو بعد ثلاثة أعوام من محاولة اغتيال سعد زغلول، واغتيال القائد الإنكليزي السير لي ستاك، حصل على رتبة "باشا" وعين حكمدارًا لبوليس مدينة الإسكندرية، التي كان خبيرًا بعوالمها بحكم عمله السابق فيها وقتما كان لا يزال ضابطًا برتبة صغيرة.

الحقيقة والخيال
أما الطوبجي الذي درس في ألمانيا الاقتصاد والتجارة، وكانت له ميول يسارية، فآثر العمل في إدارة أطيان والده المتوفى، على تقلد أي وظائف رسمية، اعتزل النشاط السياسي طلبًا للسلامة، بعدما تعلق قلبه بفتاة من أصل يوناني، لقرب اليونانيين من وجهة نظره من السياق المحافظ الذي يميز المصريين من خارج المجتمع البرجوازي المختلط بأجانب آخرين يتسمون بالتفلت تحت غطاء التحرر من القيم المتخلفة، فبات ينظر إليهم على أنهم هم المتخلفون وليس المصريين العاديين من طبقة المزارعين والعمال.
وكانت بنات العائلات المصرية قد بدأن في ذلك الوقت في خلع اليشمك، لكنهن لم يتمكنّ من الفكاك من تخلف مجتمع مدينة المنصورة البرجوازي، كما يقول الطوبجي، الذي يضيف في مونولوغ: "في المنصورة مسرح ومقاه وكازينوهات على النيل وحدائق، لكن التخلف والرجعية ما زالا في العقول يحاربان معركتهما الأخيرة".
ينطلق إيمان يحيى كما سبق أن أشرتُ من تعرُض الزعيم سعد زغلول لمحاولة اغتيال فاشلة، وهي حادثة حقيقية، وقعت صباح يوم 12 يوليو 1924 في محطة القطار في القاهرة؛ لينسج من مزيج من الحقيقة والخيال عمله هذا، الذي يعتبر الرابع في مشواره مع كتابة الرواية والذي بدأه برواية "الكتابة بالمشرط" عام 2014، وتلتها "الزوجة المكسيكية"، ثم "قبل النكسة بيوم".
ورغم أن إيمان يحيى ينتمي إلى جيل السبعينات عمريًا، إلا أنه انتظر حتى قارب الستين من عمره، قبل أن يبادر بنشر عمله الروائي الأول، والذي عكس من حيث موضوعه، خبرته المهنية كطبيب وكأستاذ جامعي وناشط في سياق اليسار السياسي.
تعدد أصوات السرد
ينتهي الفصل الأول بعبد اللطيف عبد الخالق الدلبشاني، وهو ينتظر وصول سعد زغلول (1859 - 1927) إلى محطة القطارات الرئيسة في القاهرة ليغتاله، قبل أن يستقل القطار المتوجه إلى الإسكندرية، ليقدم للملك في مقره الصيفي التهنئة بحلول عيد الأضحى.
هو أصلًا طالب جامعي يدرس في برلين، يحصل على المسدس من صديق له يدعى "سعدني" يعمل مع وكيل وزارة الأوقاف حسن نشأت الذي عادة ما يتولى تدبير والإشراف على أعمال قذرة يطلبها منه الملك فؤاد.
عشية الحادث يتلقى إنغرام بك تأكيدًا من ضابط استخبارات يعمل في السفارة البريطانية في القاهرة، ما يؤكد أن سعد زغلول سيتعرض لمحاولة اغتيال وأن عليه أن يتحفظ على أداة الجريمة؛ سواء نجحت المحاولة أو فشلت؛ تمهيدًا لإخفائه تمامًا. يقول نائب حكمدار القاهرة لنفسه: "مصر بلد غنية، مرتباتها مجزية لنا. أمامها وقت طويل لكي تربي كوادرها".
وقال له جورج وهو ضابط استخبارات إنكليزي: "لو قتل زغلول فستضطرب الأحوال في البلاد، ولكننا سنكون قد تخلّصنا من مفاوض عنيد. أما إذا نجا فسيكون ضعيفاً، لن يقوى على مقارعتنا رأسًا برأس". ضابط المخابرات قال له أيضًا: "نريد منك سلاح الجريمة بعد وقوعها".
كان الغرض من ذلك هو إخفاء الدليل الوحيد إلى أن الملك هو من يقف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء. تتوزع أحداث الرواية على 13 فصلًا، ينطلق كل منها من حكي إحدى الشخصيات الرئيسة: عبد اللطيف، إنغرام بك، عبد الحميد الطوبجي، حسن نشأت، وسعد باشا زغلول. ومن ثم تتعدد أصوات السرد، بتعدد فصول الرواية التي جاءت في 184 صفحة من القطع الوسط.
وطنية متطرفة
كان دافع عبد اللطيف هو اعتقاده بأن سعد زغلول خان دماء الشهداء الذين سقطوا في أيام الثورة. تفاوض مع المستعمرين وقَبِل أن يساوم على الجلاء. حضر حسن نشأت التحقيق معه أمام النائب العام. أنكر في البداية أنه أطلق الرصاص. كان ذلك في ليلة عيد الأضحى. لكن عقب القبض على أشقائه الثلاثة واستدعاء والدته للتحقيق اعترف بأنه حاول قتل الزعيم. وعبر إنغرام بك تنقل لنا الرواية أجواء القاهرة في ذلك الوقت حيث كانت تزخر بعملاء سريين، وأوكار دعارة أوروبية، وتنظيمات سرية: "اليد السوداء"، "جماعة الانتقام"، "الجهاز السري". يقول إنغرام بك: "أعتقد أن تلك الأسماء هي لجماعة واجدة من القتلة الإرهابيين".
كان سعد زغلول ينوي التوجه عقب لقائه مع الملك في الإسكندرية، إلى إنكلترا لاستئناف مباحثات الاستقلال. "كانت الإصابة التي لحقت بالساعد الأيمن للباشا طفيفة، لكن إصابة مصر ستكون بالغة. الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت" (صـ 49)، هذا ما قاله ضابط الشرطة الإنكليزي لنفسه.
أما عبد الحميد الطوبجي، فقرأ في صحيفة "الأهرام" أن سعد قال عقب إصابته: "نموت ويحيا الوطن، ولكن ما كنت أتوقع أيها الإخوان أن تقع هذه الجريمة عليَّ من وطني، وفي أرض الوطن". يتذكر الطوبجي أن الدلبشاني ذهب إلى المنصورة قبل أسبوعين من إطلاقه النار على الزعيم، ومكث في لوكاندة "وندسور" ثلاثة أيام. التقيا في مقهى "أندريا" القريب من شاطئ النيل، علمًا أن صداقتهما بدأت في برلين. كان عبد الحميد قد تعرض للاستجواب من قبل، بعد اتهامه بالانضمام للحزب الشيوعي. كان تطرف عبد اللطيف - في تصور الطوبجي - ناجمًا عن اختلاطه ببعض المتعصبين في جناح للحزب الوطني، يقوده الشيخ عبد العزيز قاويش. ويضيف: "غادر قطاري محطة الرومانسية الوطنية بلا رجعة، وارتضى الولوج إلى مرفأ تتزاوج فيه الوطنية والاشتراكية" (صـ 57).
حرص إنغرام بك، على أن يكون بين مودعي سعد زغلول في محطة القطارات، ليتمكن من الحصول على أداة الجريمة. ونجح في ذلك وأنكر أمام سلطات التحقيق ما شهد به شهود حضروا الواقعة، من أنه دس المسدس الذي وقع من يد مطلق النار لحظة القبض عليه، في جيبه. ثم سلم المسدس إلى جورج الذي كان غرضه أن يضعف هذا الإجراء الادعاء ويثير بلبلة في أوساط الوطنيين المصريين، ومن ثم تتعطل عملية التفاوض مع رئيس وزراء بريطانيا.
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض