يمدّد سليم العبدلي الشاعر الدنماركي من أصل عراقي، شعور الحب باتساع الكون: "حبك بحر/ لا مرفأ له ولا ميناء/ فنار وجهك نجمة/ ترشدني إلى شاطئ جسدك/ أرسو إليه ثم أبحر ثم أرسو وأبحر.."، كأنّ للذات الشاعرة ملاحاً مغترباً تائهاً يبحث عن المرأة سكنًا ووطنًا.
وفي ما يلي قراءة لمجموعته الشعرية "لا لغة للحب" الصادرة حديثًا عن دار ميريت في القاهرة، في طبعة أنيقة مصحوبة برسومات ليزبيت فان دورس.
بين هويتين
من ذلك التناقض بين الرسو والإبحار، المدّ والجزر، وحركة الموج ذاهبة آيبة، نلج العالم الشعري للعبدلي غير المنفصل عن ذاته وتجربته الحياتية. فهو يحمل تناقضاته وازدواجيته بين هويتين: عراقية حيث الشرق الدافئ العاطفي، ودنماركية حيث الغرب المعتّم البارد العقلاني. كما يعمل مترجمًا ما بين اللغتين، إضافة إلى انتسابه إلى الأدب وقصيدة النثر رغم أنّه في الأساس عالم وأستاذ للفيزياء في إحدى الجامعات هناك.
إنّه دائم البحث عن ذاته والحفر في تلك الهوة، بامتداد برزخ مشدود بين جغرافيتين، ولغتين، ومجالين للعمل والتعبير.
لا يمجد العبدلي انتماءه الأوروبي بل ربما هو أكثر حساسية وحنينًا إلى مشرقه العربي: "على صفحة ما تبقّى من ماء الفرات/ أتمرى/ أشاهد خلقًا يركعون ابتهالًا/ لجند يرتدون السواد/ أغراب يملأون الضفاف/يحملون أسلحة من زمن قادم".
في هذا المقطع المؤسس كأنّه نبوءة، ثمة حنين لا يُخفى إلى الفرات: النهر والحكايات والبشر، وغضب لما آلت إليه أموره من شح الماء والعنف المدجج بالسلاح لمصادرة المستقبل.
ثم يتسع الحنين أكثر في الجزء الرابع، مستعيدًا الطفولة البعيدة، وذلك العراق الذي لم يعد له وجود، لكنه لا يؤسس لسرديات ولا ذكريات بالمعنى المباشر، وإنما يراقب ذلك الشعور بالزمن الآفل، والحنين، وتلاشي الأيام، والمحو كما صدر هذا الجزء: "لا أثر لخطواتي على دروب الحياة"، ثم يقول: "في خزانة العمر/ أجد أيامي تتسكع هناك/وحيدة/ تترحل بين رفوف سنواتها/كيفما اتفق".
إنّ الذات الشاعرة ترتّب أزمانها المتشظية والمتلاشية، بوعي حاد من أستاذ فيزياء يدرك قوة الترابط الفلسفي والمادي بين الزمان والمكان، فهما قطبان يدوران في فلك بعضهما البعض حضورًا وعدمًا: "لكل قول زمان/ وللزمان مكان/ كان يومًا لي".

عن العشق
لا يتثبّت العبدلي في موقع العاشق، ولا معالجة ثيمة الحب على نحو مباشر، يتجلّى ذلك ابتداءً في العنونة القائمة على نفي موضوعها: "لا لغة للحب" فإذا لم تكن ثمة لغة تسعفنا في التعبير عن ماهية الحب، فكيف ستولد القصيدة؟
إنّه ينطلق من الحب كمعنى مُلتبس عصي على الإحاطة والتوصيف، ومنفتحًا برهافة وكثافة على تجلّياته الروحية والحسية، بمفردات لا تخلو من نزعة صوفية.
كأنّ الحب ليس سوى عتبة تصعد بالمجموعة الشعرية إلى مستويات أكثر تعقيدًا، ربما تكون المرأة مبتدأها ومنتهاها، لكنها لا تتوقف عندها فحسب: "لكنه الحب/ يبقى/ لا لغة له ولا صوت".
مراوغة اللغة
هل اللغة امرأة؟ هل لها ما للأنوثة من سحر وغموض ومراوغة؟ ربما لا نستطيع أن نجد لغة للحب، لأنّ كل اللغات ناقصة لا تسعفنا. على حدّ تعبير مفتتح الجزء الثاني: "وصل الإبلاغُ صحيحًا وتخلّف المعنى". فما نقوله دائمًا ليس سوى إشارة عمّا يعتمل في القلب، كأننا نحبس بحرًا لا نهائيًا في كلمة من ثلاثة أحرف.
يقول العبدلي: "هنا/ أتأمّل في صورتك/ عسى أن ترسل لي أبجدية جديدة/ تضيء/ الجمل المعتمة في القلب/ وتتيح فسحة/ الكلام".
إنّ وجه الحبيب أو صورته، هو ما يخترع الأبجدية، ويعيد المعنى للكلام. لكنه سرعان ما ينسلّ من وراء عجز لغة، إلى مشاعر الاغتراب والمقاربة بين لغة الأم واللغة الأجنبية، لغة الماضي والتاريخ ولغة الحاضر: "في منافي اللغات الأجنبية/ يندثر الكلام تحت تربة الماضي/ يترقّب للنطق/ ربيعًا".
إنّ العبدلي العالق بين لغتين، ولسانين، يستثمر خبرته الفيزيائية في انتقاء مفردات شفافة كالبلور. جمل بسيطة قصيرة خالية من البهرجة والاستعراض، والمجازات غالبًا. يكتفي بكلمات بسيطة قارة في القلب ومحركة للشعور، يجمعها في مقاطع لا تخلو من مباشرة تفقدها أحيانًا ظلالها الشعرية، ومن ذلك قوله: "في أعوام المدرسة الأولى/ كنا ننشد: الفلسطينيون عائدون إلى ديارهم/ قريبًا/ في نهاية أعوام المدرسة كنا نغني: حان أوان الاشتراكية/ في الأعوام الجامعية كنا نشدو/ إنّ السلام سيعمّ العالم".
يفضح الشاعر زيف الأوهام والشعارات التي عاش عليها أجيال من العراقيين، لكنّ اللغة هنا رغم نزوعها السردي بدت ذهنية أكثر مما يجب، ليس لها شفافية ورهافة معظم سطور النص.
كأنّه يقرّ بمراوغة اللغة، ثم يقع تحت وطأة الافتتان بها، ويعلق في شرك أفكارها وصورها الجاهزة.
.jpg)
إغتراب الروح
تنقسم المجموعة الشعرية إلى 5 أجزاء لكنها أقرب إلى روح قصيدة واحدة ممتدة، رغم الفواصل الرقمية بين مقاطعها. لذلك لم نهتم في قراءتها باستقلالية كل جزء.
فالحب وهو عتبة المجموعة كلها، يتحول إلى اشتباك مع الأبجدية، ثم إلى معنى وجودي عن الاغتراب بكل ما يعنيه من ألم الفقد، وهو ما انشغل به الجزء الثالث: "في كل وطن حللتُ/ أجد الشوق يجرّني/ ليرمي بي/ في أحضان/ وطن جديد". إنّها حركة عنيدة، فبدلًا من أن يدفع الشوق الذات إلى استعادة وطن الماضي، تنطلق وترمي نفسها في وطن جديد.
هذا الاغتراب الوجودي هو ما يبرّر حضور المرأة وطنًا، ومع ذلك يفرض السؤال نفسه: "هل لقلب عاشقٍ/هناء؟".
رتابة الزمن
يأخذنا الجزء الرابع إلى ذلك الوعي الحاد بالزمن، ما بين ذكريات تتلاشى، وحاضر مكرّر رتيب: "كل مساء/ اغسل يومي، أنشفه وأكويه/ وباعتناء فائق أعلقه/ جاهزًا/ ليوم غد". مقطع يتسمّ بملمح سردي ساخر، حيث تتحول بنا رتابة الحياة إلى يوم يتكرّر إلى ما لا نهاية، ونعيد استعماله بعد غسله وكيه.
ثم تصل المجموعة إلى جزئها الخامس والأخير وكأنّه تتمة لانشغاله بالزمن، مع ومضة حنين إلى طفولة بعيدة، واغتراب اللحظة، وشحوب الذكريات البعيدة، وهو ما تؤكّده الذات الشاعرة بجملة تقريرية: "اليوم/ وفي فراش الغربة/ تحتضر ذكرياتي". كأنّ الإنسان يموت، ليس بالموت الجسدي، بل بدخوله في البياض ومحو ذكرياته.
وأخيرًا يعيد العبدلي تجميع كل مشاعره عن الحب والطفولة والرحيل والاغتراب والوطن والمرأة والزمن تحت عنوان "خاتمة"، مؤكّدًا سيرورة وحركة الذات النابضة مع دقات الساعة، وتلاشيها فيها: "في عمر الوقت/ فقط لنبض القلب/ أن يتلاشى".
نبض