ما ان تقع العين على عبارة "على فراش الحياة"، عنوان الرواية الجديدة للروائية الجزائرية سارة النمس الصادرة عن "دار الآداب"، في بيروت، حتى تدلف إلى الذاكرة عبارة "على فراش الموت"، الشائعة الاستعمال، ذلك أنّ العبارتين، كما الحياة والموت، وجهان لعملة واحدة.
وما ان يتوغّل القارئ في متن الرواية حتى تتبيّن له، من خلال الأحداث، صحّة هذه المقولة. والرواية هي الثالثة لصاحبتها، بعد "ماء وملح" و "جيم" الصادرتين عن الدار نفسها، مع العلم أنّ هذه الأخيرة وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة "البوكر" العربية للعام 2022.
نقاط انطلاق
في نهاية الرواية، تتساءل النمس على لسان إحدى شخصياتها: "ماذا لو عاد إنسان من الموت؟ ومُنِح فرصة ثانية، هل سيعود كما كان؟ وما الذي سيطمح لفعله بعد تلك التجربة العظيمة للفناء، ما الذي يُعقَل للموت أن يُغيّره فيه أو يُضيفه إليه؟" (ص 280)
هذا السؤال الافتراضي المركّب الذي كان ينبغي أن يُطرح في بداية الرواية، لا في نهايتها، هو ما تحاول الإجابة عنه في "على فراش الحياة"، من خلال الأحداث المتعاقبة، المتزامنة، فيها، بالتعاون مع آسيا التي تتّخذ منها قناعاً روائياًّ، وتتقاطع معها في كتابة الرواية نفسها.
وهي، منذ الصفحات الأولى، تطرح فرضيّة عودة جدّة إلى الحياة بعد ثلاث سنوات من موتها، تليها عودة زوجة ماتت منذ خمس سنوات، وعودة طفلة بعد ثلاث سنوات من الموت، في القرية نفسها.
تشكّل العودات الثلاث نقاط انطلاق غرائبية لسلسلة من الأحداث، يختلط فيها الغرائبي بالواقعي، وترصد الكاتبة فيها، بالتكافل والتضامن مع قناعها، التغيّرات الطارئة على العائدات الثلاث، من جهة، والتردّدات الناجمة عن زلزال العودة وانعكاساتها على شخوص الرواية، من جهة ثانية.
على أنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ما يجمع بين النساء العائدات هو: تحدّرهن من القرية نفسها، عودتهن في الفترة الزمنية نفسها، وجود أهداف من العودة، عدم تغيّرهن من الخارج، تغيّرهن من الداخل، والتأثير في محيطهن. أمّا ما يفرّق بينهنّ فيكمن في: العمر، صلة القرابة بالأسرة، هدف العودة، وطريقة تحقيق الهدف.
تداعيات العودة
تنتمي وقائع العودات الثلاث إلى فضاء الواقعية السحرية، باعتبارها منافية للعلم والمنطق، وعصية على التصديق.
أمّا التداعيات المترتّبة على هذه الوقائع فيختلط فيها الواقعي بالسحري، والحقيقي بالسوريالي، في إشارة روائية إلى تجاور هذه الفضاءات وتفاعلها في ما بينها في الحياة الواقعية. والجدير بالذكر أنّ كلّ عودة تشكّل نقطة انطلاق لمجموعة من الأحداث التي تترك تأثيرها على الشخوص المنخرطة فيها، من موقع الفعل أو ردّة الفعل. وإذا كانت هذه المجموعات منفصلة، بعضها عن البعض الآخر، فإنّها لا تعدم وجود نقاط تقاطع بينها.
وفي هذا السياق، نشير إلى أنّ الجدّة يمّة اليامنة تعود إلى الحياة بعد ثلاث سنوات من الموت، لتصفية الحساب مع الماضي، من خلال: العثور على ذاتها، طلب السماح من ابنتها فاطمة، وحلّ عقدة ابنتها آسيا.
ويتّضح من هذه الأهداف أنّ الموت لا يخمد فيها نار الأمومة، فتعود لتنجز ما فاتها على هذا الصعيد، حتى إذا ما فعلت تغادر من جديد.
ويكون من التداعيات المباشرة لهذه العودة سقوط الابنة آسيا غائبة عن الوعي، هلع الحفيدة ياسمين، وانخراط الابن عدنان في نوبة من البكاء وعدم التصديق.
أمّا التداعيات غير المباشرة فتتمظهر في: عثور الجدّة العائدة على ذاتها، وتحرّرها من الاهتمام بالآخرين، وفراغها من الماضي، وعدم تفكيرها بالمستقبل، واقتصار انشغالها على اللحظة الراهنة. عثورها على ابنتها فاطمة، وتكفيرها عن ذنب التخلّي عنها صغيرة، ونجاحها في نيل مسامحتها قبل رحيلها بداعي المرض.
نشوء علاقة بين ابنتها آىسيا وإمام المسجد فاتح تؤول إلى الزواج وتحلّ عقدتها الناجمة عن زواج سابق فاشل. على أنّ المفارق، في هذا الإطار، أنّ محاولة الأم مصالحة ابنتها مع الحياة كانت تُقابل بنفور من الابنة التي لا ترى فيها سوى جسد غادرته الروح: "الجسد جسد أمي ولكنه فارغ كلّياًّ من روحها" (ص 115)، ما تعذّر معه أن تحبّها أو تحزن عليها بعد رحيلها الثاني، بينما نجد الابن عدنان يحبّها ويحتفي بوجودها.
صدمة العودة
العائدة الثانية إلى الحياة بعد خمس سنوات من الموت هي الزوجة عليا التي تعود بهدف الحصول على حصّتها من الحب والسعادة، وهي التي رحلت عن سنة ونصف السنة من الزواج ولم تشبع من شهوات الجسد.
لذلك، تحصر رغبتها في زوجها: "لا أرغب برؤية شيء في العالم غير كمال". على أنّ هذه الرغبة الحصرية ليست التغيّر الوحيد الذي طرأ عليها بعد العودة، بل هناك ما تغيّر في سلوكها وعاداتها، فلم تعد تهتم بالزينة واللباس والمساحيق والعطور والطعام والحلويات، على المستوى الجسدي، ولم يعد شيء يضايقها أو يثير قلقها، على المستوى النفسي، وهو ما تتقاطع فيه مع العائدة الأولى، في إحالة روائية واضحة إلى أنّ الموت يغيّر الأجساد والنفوس، على حدٍّ سواء، وإلى أنّه لا داعي للقلق في هذه الحياة.
أمّا التداعيات التي تترتّب على عودتها فتتمظهر في: تعلّق كمال بها في البداية وانخراطهما في إشباع جوعهما الجسدي المزمن، مرض الزوجة الأخرى وانفصالها عن الزوج، تصرّم العلاقة بين عليا وكمال بعد تحوّل الحب بينهما إلى مجرّد علاقة جسدية، غرق الأخير في الشراب، نشوء صداقة بين عليا وآسيا ما تلبث أن تنقطع، انخراط عليا في علاقة حميمية مع عدنان شقيق آسيا. وهكذا، يتبيّن أنّ سلبيات عودة عليا تطغى على إيجابياتها بخلاف ما كان عليه الأمر مع يمّة اليامنة.
رغبة الانتقام
العائدة الثالثة إلى الحياة بعد ثلاث سنوات من الموت هي الطفلة ريهام، وهي تفعل بداعي الانتقام من أمّها، ما يشكّل مفارقة مزدوجة تتمثّل في طفلة تريد الانتقام من جهة، وفي أنّ فعل الإرادة ينصبّ على الأم، من جهة ثانية. وريهام لا تختلف عن العائدتين السابقتين في تعرّضها للتغيّر، الأمر الذي يتمظهر في: غرابة أطوارها، عدم قدرتها على التذكّر، تناقص ساعات نومها، زيادة شهيّتها، عدم اهتمامها بألعابها، تغيّر علاقتها بأختها الصغرى، نفورها من أمها، تعلّقها بأبيها، وميلها إلى الهدوء والصمت، وغيرها. وهكذا، يجمع بين العائدات الثلاث تعرّض كلٍّ منهن للتغيّر، واختلاف مكامن التغيّر من واحد إلى الأخرى.
أمّا التداعيات التي تترتّب على هذه العودة الأخيرة فتتدرّج من النفور المتبادل بين الطفلة العائدة وأمها، إلى مواجهة الأولى الثانية بتعنيفها الدائم لها وانحيازها إلى أبنتها الأخرى، إلى موت جدّتها لأمها من الهلع بعد مشاهدتها. وتبلغ التداعيات الذروة بقيام العائدة، عن سابق تصوّر وتصميم، بفتح قارورة الغاز، مستغلّة غياب الأم عن المنزل ونوم الأب، والعودة من حيث أتت مصطحبة أبيها معها، هذه المرّة، فتحرم أمّها من المخلوق الأعزّ على قلبها، وتُحقّق هدفها من العودة، ليتبيّن لنا أنّ ريهام كانت تضمر خلاف ما تظهر، وأن تعلّقها المزعوم بالأب كان مجرّد غطاء للانتقام من الأم.
مسرحة الرواية
هذه الحكايات الثلاث، المتزامنة، المتماكنة، المتقاطعة في نقاط، والمتفارقة في أخرى، تشغل ثلاثاً وثلاثين وحدة سردية، تقوم النمس بتوزيعها على ثمانية رواة، بوتيرة إحدى عشرة وحدة لآسيا، أربع وحدات لكلٍّ من عدنان وفاتح وكمال وبكر، ثلاث وحدات لياسمين، وحدتين اثنتين لسلوى، ووحدة واحدة لأماني، ما يحقق عدالة في التوزيع يتناسب مع أهمية الشخصية وحضورها النصّي. وهو ما لا يتحقق في تمحور الوحدات حول كل من العائدات الثلاث، المرموز إلى كل منهن بالحرف الأول من اسمها، فتفرد للأولى منهن ست وحدات تتمحور حولها بمعزل عن القائم بعملية الروي، وللثانية سبع وحدات، وللثالثة عشرين وحدة ما يطيح بمبدأ العدالة في التوزيع دون مبرّر لذلك، ولا يخفف من هذا الحكم التداخل بين الوحدات المختلفة بحيث تحضر العائدة الواحدة منهن في الوحدات المتمحورة حول الأخرى.
إلى ذلك، إنّ استخدام الكاتبة تقنية الراوي الشريك في الرواية، بحيث تتناوب الشخوص على الروي وفق وتيرة معيّنة تتحكّم بها، يفتحها على المسرح، ويجعل منها أشبه بمسرحية تُؤدى فيها الأدوار، ويحول المتلقي إلى مشاهد يرى ويسمع ويتفاعل مع المشاهد المتعاقبة. ولعلّ هذه التقنيات وغيرها هي ما يجعل "على فراش الحياة" رواية / مسرحية جديرة بالقراءة والمشاهدة.
نبض