03-11-2023 | 13:23

أزمة الهُويّة في رواية فرنكوفونيّة جديدة لسلمى المومني

"وداعًا طنجة" (Grasset 2023) هي الروايةُ البكرُ لسلمى المومني، من مواليد مدينة طنجة شمال المغرب وقبالة الأندلس حيث ترعرعت وتعلمت ثم انتقلت
أزمة الهُويّة في رواية فرنكوفونيّة جديدة لسلمى المومني
Smaller Bigger

يمكن الحديث الآن عن ظهور جيل جديد من الكاتبات والكتاب الفرنكوفونيين، يخلُف الأول الذي بدأ مع مرحلة الاستعمار التي أنجبت من تعلموا في مدارسه وجامعاته، وأصبحت اللغة الفرنسية لسانهم ومن ثم تعبير الموهوبين فيهم. كتبوا بها شعرًا وقصصًا ورواياتٍ، أشهرُهم في الجزائر: مولود معمري، كاتب ياسين وآسيا جبّار؛ وفي المغرب: أحمد الصفريوي وإدريس الشرايبي ومحمد لفتح، ومن تونس ألبير ميمي وصالح قرمادي، والأشهر من لبنان صلاح ستيتية. ثم جيلٌ ثانٍ في مرحلة الاستقلال بدأ يبرُز منذ بداية الستينات وصُعُدًا، من أعلامه في بلدان المغرب العربي ولبنان (عبد الكبير الخطيبي، الطاهر بن جلون، رشيد بوجدرة، أمين معلوف)...

 
 

هذا الجيل هو الذي أرسى الأدبَ الفرنكوفوني وقدّم نماذجه التمثيلية إلى جانب الكتّاب الأفارقة وهم علامات بارزة ومؤثرون في هذا الأدب. ورغم الانحسارِ التدريجي للنفوذ الفرنسي سياسيًّا وثقافيًّا في المستعمرات السابقة، واستردادِ العربية وآدابِها مكانةً مفقودةً أو هشّة، إلا أن تعليمَ الفرنسية تواصل، خاصة في أوساط النُّخب، وكذلك بين أبناء المهاجرين، نَجَمَ عنه ولادةُ جيل ثالثٍ مع الألفية الثالثة. هم مغاربةٌ وجزائريون ولبنانيون أو أصولهم من هذه البلدان، واللاّفت فيهم إناث أصبح لهنّ بسرعة وضعًا اعتباريًّا جيدًا وصرن مُهيئاتٍ لخلافة أسلافهم، منهن اللبنانية ديان مظلوم (من مواليد 1980) والجزائرية نينا بوراوي (مواليد 1967) والمغربية ليلى سليماني (1981)، ومواطنتها أيضًا سلمى المومني (1999).

 
 
 
من الجيل الأحدث

أخصّص هذه المقالة للأخيرة بوصفها آخرَ كاتبة انتماءً لهذا الجيل، وانخراطًا في التعبير، بالفرنسية طبعًا، والرواية جنسًا أدبيًّا، عن مواضيعَ وأحوالٍ وإشكالياتٍ نفسية وثقافية وسلوكية.

 Adieu Tanger "وداعًا طنجة" (Grasset 2023) هي الروايةُ البكرُ لسلمى المومني، من مواليد مدينة طنجة شمال المغرب وقبالة الأندلس حيث ترعرعت وتعلمت ثم انتقلت إلى فرنسا لتُكمل تعليمها بالمدرسة العليا للأساتذة بمدينة ليون، وهي تعيش حاليًا في باريس.

 

هي كاتبةٌ ناشئة، إذًا، وفتيّةُ العمر، أيضًا، وحديثةُ العهد في تجربة الغربة والانتقال للعيش في بلد آخر ولا أقول المنفى، وإن كانت بطلتُها أو هي من خلالها وبقناعها سيصبح وضعَها وأزمتَها.

 

تستهل المومني روايتها بتقديم بطلتها (عليا) في مسقط رأسها وهي تنتقل بين بيت العائلة والثانوية، حيث تدرس، عيون الرجال، الذكور، مسلطةٌ عليها تفترس أنوثتها، وهي جيئةً وذهابًا تتوجّس من هذه المطاردة وتحسّ بها في جسدها الموزّع بين مشاعرَ متضاربة ورفيقِ دراسة تتعلق به في الليسي الفرنسي، وهو فرنسي يشتهيها لا أكثر ويرتبطان بعلاقة مضطربة تمثل إحدى عُقد العمل وأزمة الشخصية المشوّشة.

 
 

وإذا كانت تستسلم لرفيقها (كانتان) المتعالي عليها بعائلته الميسورة، وخصوصًا جنسيته الفرنسية وهي أفقٌ وسقفٌ عالٍ بالنسبة إليها هي الواقعةُ في عقدة الشعور تجاهه بدونيّتها المغربية، فإنها تتقلّب باستمرار فوق جمر فتنة جسدها بممارسة لعبة اختبار جسدها بالافتتان به لتنقلَها الكاتبة إلى عقدة أو شرنقة ثانية، حين تعمد إلى تصوير أطرافها وثنايا جسدها بهاتفها المحمول، ستختلي بهذه الصور كل ليلة لترى وتفحص أنوثتها المرصودة في الشارع تحوِّلها إلى طريدة، فتعتز بها، بينما تتلاشى شخصيتُها بصُحبة كانتان هو الذي لا نتعرف عليه إلا عندها بمثابة انعكاس ردِّ فعلٍ شَرطي، إلى أن يتمادى في التّغرير بها بعد فضِّ بكارتها يقع هاتفُها في يده وبدون علمها يوزّع صورها الحميمية في الفضاء الأزرق فتصبح منذئذ فضيحة متنقلة في ثانويتها وأعين من يعرفها ويستولي عليها رعب شديد بعد هذا التشهير خوفًا من اطلاع أهلها وأبيها خاصة على الصور. لا يحفل كانتان بأزمتها، بل يستهزئ بها، وتلجأ إلى صديق لأسرتها يدعى إلياس، كبُرا معًا منذ ميعة الصّبا وتكونت بينهما علاقة ملتبسة أشبه بحبٍّ صامتٍ، فلا تجد عنده إلا النصح.

 

تنتأ العقدةُ الثالثة في حياة عليا لتصبح التركيب (Synthèse) وتتمدّد أطرافُها مثل تنّين يلتوي حولها ويتجاذبها وينهشها؛ تنينُ الهجرة الذي يضعها بين فَكَّيْ الغربة. فلكي تتخلّص عليا بعد أن حصلت على البكالوريا من عار الصور وخوف علم أهلها بها تسافر إلى فرنسا بدعوى الدراسة، لكنها ستخدع أباها ولن تلتحق بأيّ جامعة، فما هذا مرادُها الحقيقي، لكي تكسب عيشها تعمل نادلةً في مطعم، وذات يوم يتهيأ لها أنها لمحت كانتان الذي تخلّى عنها جالسًا في المطعم نفسه فاستولى عليها رعب أن يعثر عليها هي التي تركته مع ماضيها في طنجة. تنتابها عندئذ الوساوس، فهي تريد التّستر على وضعها في هجرة قسرية، والفكاكَ من ماض، تقاليدَ كبّلتها ومواضعاتِ عيش خنقت أنوثتها، حيث عاشت في فصام نفسي وسلوكي وثقافي. رأت في الهجرة إلى الغرب ملاذها الحتمي، لكن وصولَها إليه، حلولَها بمدينة ليون وعملَها وسكناها بمفردها لم يحُلّ المشكل، بل عقّده.

 

فهي تمشي في شوارع المدينة الفرنسية وتختلط بالسكان وترى وجهًا ومشاهدَ مختلفة عن بلادها، وفي الوقت نفسه تقلب لها هذه المشاهدات مرآة معاكسة ترُدُّ صورَ طنجة ومحافلَها الاجتماعية وحمولتها الثقافية وأنماط السلوك الاجتماعية، تنشدّ إليها بعصَبين: النوستاليجيا ورفض العودة.

 
 
 
في المدينة الفرنسية

من نحو آخر، ترى عليا أن حُلمها يَخيب، فالمدينة الفرنسية لا تقبلها، تُثبِّتُها في الإطار القديم، في كل نظرة تعيدها إلى من حيث أتت. ذلك أن ملامحها ولونَ بشرتها يدمغانها ويُلصقان على وجهها هويتها المغربية العربية.

 

من نظرة واحدة إما تلتقي أبناء بلدها فتقول عيونهم (هذه ديالنا [من عندنا])؛ أو يسألها الفرنسيون (من أين أنت؟) بعد أن اقتنعت خطلًا أنها باتت تنتسب إليهم بأقوى الأواصر، لغتهم التي تتقنها أولها. زمنان وثقافتان يطاردانها ويتناهشان كيانها في آن واحد، في توتر مستدامٍ لعيشها في المدينة الفرنسية، يسمح المونولوج الداخلي الذي تصطنعه لها السّاردةُ ببوْحٍ متدفقٍ لمشاعرها وتدافعٍ لصُورٍ شتّى عن واقعَين متضاربين وزمنَين متقاطعين، وهو توتّرٌ درامي في الكتابة نفسها، أسلوبِها، جديرٌ بالتنويه يكشف عن مهارة لدى الكاتبة في تطويع أدوات السرد المختلفةِ وتملُّكِ لغةٍ مناسبة لمزاج الشخصية التي تتماهى مع السارد ويتبادلان الأدوار، لولا نقيصةٌ واحدةٌ أن الساردَ يُهيمن على كلّ شيء، وهناك صوت واحد على الرواية جمعًا، والشخصيات الأخرى امتدادٌ لها ومُكمِّل وصدى، لا نراها تفعل ولا نسمعها تتكلم، اختارت الكاتبة بؤرةً واحدةً هي شخصية عاليا ويتم تبئير كلِّ شيء منها وعليها.  

 

هو اختيار فنّي أملته طبيعةُ الفكرة والتجربة، أي معضلةُ الهوية، أو فصامُها، وهي الإشكاليةُ التي تمثل التيمة المركزية في الأدب الفرنكوفوني مجتمعًا والرواية بصفة خاصة. شغلت المضامين وتخللت الحبكات كلها في آداب البلدان التي عرفت الاستعمار الفرنسي وتغلغلَ لغته وثقافته، مما أنجب نُخبًا إمّا متشبعةً مطلقًا بهذه الثقافة وتبّنتها، أو وقعت في منعطف بينها وثقافتها الأصلية. إذا كانت الهويةُ الموضوعَ الأساسَ في الفكر النهضوي العربي الحديث وامتدت إلى المعاصر بوصفها محورَ الصّراع والتفاعل بين قُطبي الشرق والغرب، فإنها هي ذاتها لها الحضور الكاسح في الرواية المغاربية والإفريقية الفرنكوفونية، يعيش أزمتها شخصياتُ رواياتِ كتابِها بحدة وتناقض وتمزّق، هم سجناء لغة (الآخر) الذي إمّا استعمرهم، أو يُلحقهم به بالتبعية،  فاللغة هوية، أيضًا؛ في الوقت نفسه فهم يسعون للتحرّر منه واكتساب هوية وطنية، معادلة صعبة مفارقة، حقًا. كذلك بطلة رواية سلمى المومني. غادرت طنجة لسبب قاهر إلى ليون كي تتحرر من عبء تقاليد وأخلاق وتكسب حريتها، فردّها الغرب مرة أخرى إلى صورتها الأصلية، وإذ تقرر تعود إلى بلادها فعليًا أو صوريًا تحلّ بمدينة الدار البيضاء الشاسعة والهجينة عند صديقها القديم إلياس تكتشف أنه تغير وانخرط في سلك حياة مختلفة، ليس لها مكان إلى جانبه، وهناك طنجة مسقط الرأس يستحيل العودة إليها، وتنتهي الرواية مفتوحة، بهذه الاستحالة، بـ"وداعا طنجة" لكن إلى أين، وهذا مفهوم تمامًا، لأن ليس لإشكالية أزمة وفصام الهوية حل. وتظهر الرواية في الأخير بمثابة أليغوريا لهذه الإشكالية.      

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.