30-10-2023 | 20:15

المصري محمد رفيع يبني قصصه على تراث الأمكنة وأساطيره

خمس عشرة قصة قصيرة، تتوزع على ثلاثة أقسام مركزية "أساطير لم تحدث بعد"، "أساطير ربما حدثت"، "نرسيس الأعلى"، لتشكل المتن السردي للمجموعة القصصية "أساطير لم تحدث بعد" (دار روافد) للقاص والروائي المصري محمد رفيع.
المصري محمد رفيع يبني قصصه على تراث الأمكنة وأساطيره
Smaller Bigger

خمس عشرة قصة قصيرة، تتوزع على ثلاثة أقسام مركزية "أساطير لم تحدث بعد"، "أساطير ربما حدثت"، "نرسيس الأعلى"، لتشكل المتن السردي للمجموعة القصصية "أساطير لم تحدث بعد" (دار روافد) للقاص والروائي المصري محمد رفيع.

 

 الأسطورة دالا إشاريا

تبدو مفردة الأساطير دالاً إشارياً في المجموعة، وفق التحليل السيميولوجي، يتيح للسارد استحضار مساحات أرحب من التخييل داخل النصوص من جهة، ويبدو جزءاً من العالم الإبداعي للكاتب من جهة ثانية؛ وقد تطورت علاقة محمد رفيع بفكرة الأسطورة في نصه السردي، ورأينا حضوراً متواتراً لها، ومختلفاً في الآلية في نصوصه القصصية المتعددة، من قبيل (ابن بحر، أبهة الماء، عسل النون)، وكان حضورها في روايته "أنا ذئب كان" لافتاً جداً.

وربما يحيلك عنوان المجموعة أيضاً على علاقة الأسطورة بالنص الأدبي، وهناك مدونة نظرية هائلة في هذا السياق، تحيلك على خطابات مركزية من قبيل صنيع جيمس فريزر في "الغصن الذهبي"، وتفسير فيرغسون للتراجيديا في كتابه المهم "فكرة المسرح"، وخطاب نورثروب فراي في "تشريح النقد" وكلامه المهم عن اتكاء الأدب على الأسطورة؛ بل واستفادة فرويد من جيمس فريزر، واستلهامه كذلك بعض العقد النفسية مثل (عقدة أوديب، وعقدة إلكترا) من الأساطير الكلاسيكية، ثمة تراث خصب ووافر في هذا المسار إذاً.

 

غير أن ما يهمنا هنا هو معاينة تجليات الأسطورة في النص القصصي؛ ودراسة جدل العلاقة بينهما، وأثر الأسطورة  في تشكل البناء القصصي، وهي أسئلة جمالية بالأساس تتحقق الإجابة عنها عبر تفكيك النص إلى بنياته الأساسية، وإبراز تكويناته العضوية؛ وآليات بنائه الفني.

 

 

نحو المستقبل

يأخذ العنوان منحى إشاريَّ الطابع، يحيل إلى المستقبل بينما الأسطورة جل حضورها يختص بالماضي؛ وتعتمد الأسطورة هنا في أحيان كثيرة على أساسات واقعية؛ لتقفز من خلالها إلى "الما بعد"؛ لذا نرى أن كوفيد 19 مثَّل إطاراً للسرد في القصة الأولى "اختناق مروري نحو السماء". ثم يرتحل النص إلى فضاءاته الجديدة التي تشكلها القصة ذاتها؛ ولا تتشكل من خارجها.

 

 يبدأ الكاتب مجموعته بمقدمة نظرية "قبل الولوج إلى الأساطير"، كان يمكن الاستغناء عنها، فالنصوص على تنوعها، بل وحتى أفكارنا عن الفن تقدم نفسها عبر الفن ذاته.

يختار الكاتب مقطعاً للشاعر الفذ محمود درويش في مستهل مجموعته، وهو انتخاب جمالي دال، نظراً لصلة النص بالمنحى الأسطوري الذي تتوخاه المجموعة، ويسبق ذاك إهداء متكئ على المجاز: "السمر ليل بطبعه، لكن سمراً صبحياً لا يحدث إلا في حالتها. إلى التي كانت تسامرني صباحاً، وحين حل الليل عليها سامرت أميرتي ثم ماتت، فبكينا وبكينا، ولم نجد من يسامرنا أنا والأميرة.  فإليها".

ثمة بطل متواتر في قصص المجموعة يحمل اسماً دالاً (آدم)، ويلعب القاص على تكوينات الاسم والدلالة لآدم الذي سيصير بطلاً مهيمناً على فضاء المجموعة؛ لنصبح أمام كاتب يدرك كيف يبني نصه جيداً.

 

 

 تنويعات قصصية

في القصة الأولى "اختناق مروري نحو السماء"، ثمة انطلاق من أساس واقعي يعمل إطاراً للسرد، حيث (كوفيد 19) الذي يجعل الموت على الأبواب باستمرار. هنا يلتقط البطل المركزي (الدكتور آدم) الخيط، فنرى هذا الجدل بين الحياة والموت، وهي تيمة أصيلة هنا، ويدفع الكاتب بالنص إلى مدى تخييلي أوسع حين يجعل تقاطر الموتى والمواليد في السماء يصنع تكدساً هائلاً، وازدحاماً مرورياً في مفارقة درامية ساخرة.

ويأتي الدكتور آدم ليحلل لنا بكاء المواليد وأصواتهم، مستكشفاً علاقات بنيوية بينها، من قبيل أن (الأم التعسة بكاء وليدها مغاير عن الأخرى المبتهجة)، ويلوح الموت من جديد، حين يصدر الأطفال بكاءً مختلفاً في حال وفاة قريب لهم من العائلة. وتؤول الأسطورة على نحو ديني بأنها رسالة من الله، وكان يمكن أن يحتمل النص تأويلات أخرى وجودية.

يستقطب الدكتور آدم جيراناً ثلاثة، بينهم رسام يصنع لكل منهم صورة صعوده إلى السماء، وفي الخلفية الاختناق المروري على شكل فقاعات. ويبدو البصري متداخلاً مع السردي هنا في تشكيل الصورة القصصية وهذه سمة جمالية من سمات المجموعة هنا.

وفي قصة (نظرية كل شيء) المنطلقة من محاولة علمية يوتوبية لها ظلال من الواقع ومن نظرية المعرفة في الوصول إلى نظرية حاكمة لكل شيء. ويخلق رفيع مشهده القصصي مستنداً إلى أربع لوحات قصصية يمنحها عناوين فرعية منتخبة بعناية (أفلاطون على شبكة عنكبوت/ الأرق قدر العارف/ نظرية كل شيء/ مناظرة في الحديقة الخلفية) وهي محاورة بين آدم العالم، وعلماء البشرية جميعهم فضاؤها متعدد، تخييلي بالأساس. تلعب التوصيفات القصصية والحوارات السردية جزءاً أساسياً في صناعة المشاهد القصصية. البشر جميعهم وفي لحظة واحدة يتابعون ما يدور، ويهتم الكاتب بالتفاصيل الدقيقة في تشكل البناء، ويجد منطقاً جمالياً لنصه هنا يحسب له في الحقيقة "الأمكنة التي لم تزل الشمس طالعة فيها".

وينتهي الاكتشاف لدى آدم بأن الأرض كائن حي وهي تحافظ على بقائها بطريقتها. ويدلل إلى ذلك بأمثلة كثيرة. وحينما يقارع آدم أستاذ فلسفة العلوم ينتهي الأمر بانتصار صاحب الاكتشاف بعد استدلالات منطقية لا تلبث أن تنتهي بصاعقة موت آدم وتحقق نبوءته.

 
 

 ثمة علاقة عضوية بين القصة الثالثة "كالقطة أيتها الأرض"، والقصة التي تسبقها "نظرية كل شيء"، حيث تبدأ "كالقطة أيتها الأرض" باستهلال سردي يحيل على ما قبلها "قبل أن يموت آدم في القصة السابقة، كي يثبت لكل البشر، أن الأرض كائن حي".

فآدم الذي عزف عن حكاية القصة من قبل يتوافر عليها هنا ليحكي حكايته مع مالتوس المطرود من الكنيسة والباحث هو الآخر عن سر الأرض، وحين يهم بالحديث يلدغه ثعبان ليموت في الحال! الانفتاح على المعرفي هنا وتضفيره بنعومة في البناء الهيكلي للقصة.

 

وتنتهي القصة نهاية فنية مستخدمة تكنيك كسر الإيهام، ومعتمدة على كسر أفق التوقع لدى المتلقي (وهنا أغلق باب القصة في وجهي).

 

ينهض نص "قصة غير موجودة في دفاتري" على تكنيك المحاضرة؛ وهي قصة ممتعة، يعزز الكاتب الاتجاه صوب توظيف المعرفي وتعميقه داخل النص.

وفي "كعصا موسى أو أمضى"، ثمة استحداث طريقة لمعالجة الجنون بدلاً من الصدمات الكهربائية؛ يصبح الجنس فيها ملاذاً عاصماً من الجنون. ويبدو الدكتور آدم "صاحب الفكرة"، في مواجهة الدكتور عبد الظاهر الرافض لها، والممثل لمنحى البطل الضد، ويبدو التباين بينهما متجاوزاً محض اختلاف بين شخصيتين قصصيتين، وإنما يبدو اختلافاً بين رؤيتين متعارضتين للعالم.

في "أثر الفراشة"، يبدو حاضراً التجريد بأكثر مما ينبغي، فيمحل الخيال أساس النصوص هنا.

في القسم الثاني "أساطير ربما حدثت"، تحضر مساحتا التجريد والترميز، كما في قصة "أحبك في أجساد الآخرين"، حيث يصير آدم هنا "آدم آمون".

وتتنوع اللوحات الست وصولاً إلى اللوحة السابعة التي أسماها في النص "السماء السابعة"، وليست اللوحة السابعة، في مراوغة تقنية دالة، وتعزز اللوحات جميعها فكرة الهوية المصرية وتنطلق منها.

في القسم الثالث "نرسيس الأعلى"، تبدو الإحالة على نيتشه وفكرته الأثيرة عن الإنسان الأعلى.

ثلاث قصص متصلة منفصلة "نرسيس الجديد، العنقاء تضرب من جديد، كمياء الحب"، تشكل جدارية في ما بينها عن حكاية آدم في صيغته المتخيلة، المعتمدة على الطموح النيتشوي الجامح.

يلوح هنا آدم أيضاً واللعب في الجينات والهندسة الوراثية واستنبات بشر جدد، وتغيير النوع؛ فآدم نفسه يصير ليليت. وفيروز تعاني مشاعر متناقضة، تعد خليطاً من المحبة والكراهية، جنينها الذي تعرف أنه سيكون ليليت التي ستكبر، فيتزوجها آدم أو تسكنه. ولعلها تنهي حياته بالسم الذي لن يبقبه هذه المرة لثلاثة أيام كما الوفاة الأسطورية المؤقتة.

 إن نيتشه إشكالي جداً، ومناداته بضرورة حماية الأقوياء من الضعفاء تبدو ملتبسة، وفكرته عن العود الأبدي أحد أساسات نتاجه الفكري، وتحت غطاء من إرادة القوة ثمة استعلاء لدى المفكر والفيلسوف الألماني على المشاعر الحارة.

وفي النصوص الثلاثة الأخيرة من المجموعة ثمة انتقائية في التعاطي مع أفكار نيتشه المربكة والملهمة في الآن نفسه.

وبعد.. يدشن محمد رفيع مساراً يخصه في السردية القصصية؛ وتمثل مجموعته "أساطير لم تحدث بعد" حالاً من اللعب مع الأسطورة وليس في فضائها حيناً، وخلقها واستنباتها حيناً آخر معتمداً على تراث المكان، والتفاعل مع المعرفي وتضفيره في بنية القص.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.