يتكئ الناقد صبري حافظ على "ذكريات شخصية" مع عميد الأدب العربي طه حسين، ليتأمّل منجز صاحب كتاب "مستقبل الثقافة في مصر". وهو إذ يفعل ذلك، فإنّه يقدّم ما تيسّر له من سيرته الذاتية الزاخرة بتحدّيات، يمكن أن تستدعي إلى الأذهان العقبات التي تحدّاها طه حسين، بوصفه مثلًا أعلى في الكفاح المعرفي ما بين ثقافتين متناقضتين، إلاّ أنّ اتصالهما ليس مستحيلًا.
بل انّ صبري حافظ يربط ما حقّقه على الصعيد الشخصي عقب سفره إلى بريطانيا في خريف العام 1973 إلى "مصادفات"، شاء بها القدر أن يستجيب لدعاء طه حسين له بالتوفيق.
هذا الدعاء كان آخر ما سمعه حافظ من طه حسين، بعدما حدَّثه عن رغبته في السفر إلى بريطانيا تحديدًا. كان ذلك في خريف عام 1972. ولم يمر سوى عام واحد على هذا الحديث المتبادل، حتى تحقق ما تمناه صبري حافظ، واكتملت دائرة "المصادفات"، بأن طُلِب منه التحدث عن طه حسين عقب وفاته في 28 تشرين الأول (أكتوبر) 1973.
يقول حافظ: "طلبوا مني أن أقدّم ندوة الشرق الأوسط الأسبوعية الشهيرة وقتها في جامعة أوكسفورد بحديث عن طه حسين، بدأته بالقول إنّه لولا دوره الكبير في الثقافة المصرية، وما أرسى من قيم وركائز تعليمية، لما كنتُ أنا هنا الآن".

محفورة في الذاكرة
كان صبري حافظ في نحو الثلاثين من عمره عندما كان يحضر جلسات لجنة تابعة للمجلس الأعلى للآداب والفنون، يرأسها طه حسين، وذلك بوصفه موظفًا في المجلس نفسه، وتنحصر مهمّته في تدوين ما تشهده تلك الجلسات. وأتاح له ذلك أن يرى عميد الأدب العربي عن قرب لثلاث مرات في عامي 1971 و1972، فقُدِّر له أن يستمع إلى تحاوره مع مثقفين بارزين في ذلك الوقت، في أمور مدرجة على جدول الجلسة، وفي أمور أخرى تدور حول هموم وشجون ثقافية وسياسية عامة.
كما أُتيح له أن يتحدث إليه مباشرة، سواء قبل بدء الجلسة أو بعد انتهائها. وكان طه حسين يطلب منه أن ينتظر حتى ينصرف الجميع ليملي عليه محضر الجلسة.
يقول صبري حافظ: "هذه اللقاءات لا تزال محفورة في ذاكرتي وكأنّها حدثت بالأمس". وانعقدت هذه اللقاءات في بيت طه حسين في الجيزة، المعروف باسم "رامتان"؛ لأنّ حالته الصحية كانت تمنعه من الذهاب إلى مقرّ المجلس الأعلى للفنون والآداب في الزمالك. ولاحظ حافظ من الجلسة الأولى أنّ لقاء طه حسين مع أعضاء اللجنة ومنهم سهير القلماوي وإبراهيم بيومي مدكور ومهدي علام وحسين مؤنس، كان سرعان ما يتحوّل إلى ساحة للجدل في الواقع الثقافي، "في وقت كان حراك المجتمع الثقافي محدودًا بسبب الاستبداد والتضييق على الحرّيات"، وهكذا انشغلت الجلسة، "بتراجع دور المثقف في الواقع وتآكل تأثيره وتدهور مكانته، وكان الحضور شديد الحساسية لتآكل استقلال الجامعة ولكل ما يشكّل اعتداءً مباشرًا أو غير مباشر على مكانة المثقف واستقلاله" (ص 82).

عالم خصب
في مقدّمة كتابه "طه حسين... ذكريات شخصية معه" (منشورات سشات – القاهرة 2023)، يقول صبري حافظ: "بدأت حياتي الجامعية بقراءة كتاب "الأيام" مع طلاب اللغة العربية عام 1973 في جامعة أكسفورد. ثم الحديث عن صاحبه بعد رحيله في سيمنار "مركز الشرق الأوسط" الأسبوعي الشهير في الجامعة نفسها. ثم عدتُ إليه أكثر من مرّة حينما درّستُ بعد ذلك في عدد من الجامعات الغربية".
ومن السهل ملاحظة أنّ الطابع الشخصي يهيمن على قسم كبير من الكتاب، إذ يرى حافظ أنّ العمل عليه أعاده إلى عالم خصب، "استحال إلى مرآة رأيتُ فيها من جديد ما جرى لنا بعد عصره، وكيف أنّ كلمته المُرّة لي بأنّه سيكتب على جيلي محاربة المعارك التي خاضها جيله في ظروف أسوأ، هي التي وسمت مسيرة حياتي وحياة عدد من الأنقياء من أبناء جيلي، أو لنبقى بعيدًا من الصفات القيمية، وأقول مَن حرصوا على الوفاء للقيم الثقافية والضميرية التي أرساها".
حديث الذكريات هذا هو الذي دفع صبري حافظ للتوقف أمام طه حسين وأثره المتشعب في الواقع الأدبي والثقافي وفي الاجتماعي العريض، وذاك هو الأهم في تصوره. وفي هذا السياق يرى أنّ صيحة طه حسين الشهيرة عن ضرورة التعليم للإنسان كالماء والهواء، هي التي غيّرت وجه مصر على مرّ العقود، واستقرّت في لا وعي الشعب المصري كله، حتى تغلغلت في أفقر شرائحه. ويرجع حافظ ذلك إلى أنّ التعليم هو رافعة الحراك الاجتماعي الأساسية من ناحية، وسبيل الأمم للوعي والنهوض والتقدّم من ناحية أخرى.
تنوّع سردي
وأخيرًا، فإنّ الأهمية اللافتة لهذا الكتاب الذي يضع طه حسين في بؤرة اهتمامه، لا تكمن فقط في تقديمه صورة قريبة وفريدة للعميد من قلب بيته الشهير "رامتان"، وهو وسط زواره من نجوم الأدب والثقافة والسياسة في عصره، بل أيضًا في تقاطعه مع حقول عديدة، دون أن يعطي ذاته بالكامل إلى حقل بعينه، مما يجعل قارئ الكتاب يطوف من رحلة خلال الجغرافيا والتاريخ إلى رحلة ما بين الأنواع السردية والمعرفية.
من الدراسة في مدرسة الخدمة الاجتماعية في القاهرة إلى الدراسة والتدريس في جامعة أكسفورد، ثم الدراسة كطالب دكتوراه في جامعة لندن. رحلة ممتدة في الزمان والمكان من تقديم صفحات نادرة عن واحد من أهم مثقفينا في كل العصور، إلى رحلة كاتبنا التي تترسم خطى العميد في تحصيل العلم، وخوض غمار صعوبات التعلّم على الرغم من تحدّيات العمر واللسان.
يضع الكتاب بين أيدينا رحلة أخرى تشكّل إضافة بارزة في كل من أدب السيرة وأدب الرحلة، وتقترح فيهما الثقافة كوسيلة أساسية لإعادة إنتاج وجودنا الأصيل في عالم يزداد تعقيدًا.
نبض