30-09-2023 | 14:21

لينة كريديّة ​تطرح قضايا الواقع في روايةٍ سوريالية

لعلّ سوريالية الواقع العربي، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، هي التي حدت بالروائية اللبنانية لينة كريدية إلى اعتماد السوريالية لتصوير هذا الواقع، في روايتها القصيرة "العُرجون اللُّجين"، الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت، وهي الخامسة لها بعد "خان زادة"، "نساء يوسف"، "ما ودّعك صاحبك"، و"غانيات بيروت".
لينة كريديّة ​تطرح قضايا الواقع في روايةٍ سوريالية
Smaller Bigger

 لعلّ سوريالية الواقع العربي، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، هي التي حدت بالروائية اللبنانية لينة كريدية إلى اعتماد السوريالية لتصوير هذا الواقع، في روايتها القصيرة "العُرجون اللُّجين"، الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت، وهي الخامسة لها بعد "خان زادة"، "نساء يوسف"، "ما ودّعك صاحبك"، و"غانيات بيروت".

وفيها نكتشف مع الكاتبة أنّنا لا نزال نعيش الجاهلية ولو بأشكال معاصرة، وأن التاريخ لا يزال يعيد نفسه ولو بوقائع مختلفة. والمفارق أن تجمع رواية قصيرة لا تتعدّى المئة صفحة ونيّفًا أحداثًا من مرحلة زمنية طويلة، تمتدّ من الجاهلية حتى أواخر القرن العشرين.

 

  أسئلة الرواية

  في روايتها الجديدة، تطرح كريدية أسئلة: الأقلّيات، التعصّب القَبَلي، الصراع على السلطة، الأنظمة العسكرية، الحرب الأهلية، استنقاع التاريخ، جمود الواقع، الهوّة العلمية بين الشمال والجنوب، والموت والمصير، في العالم المرجعي للرواية، منذ الجاهلية حتى اليوم.

وهي تفعل ذلك في سوريالية واضحة تتعدّى الإطار إلى المحتوى، من خلال شهادة بطل الرواية، اليهودي اللبناني أبراهام عزرا دافيد، المتحدّر من حي وادي أبو جميل البيروتي، على الأحداث وانخراطه فيها وقيامه بروايتها.

وبذلك، تقوم هذه الشخصية بوظائف الشاهد والمشارك والراوي الروائية، ما يثبت محوريّتها في النص، ويجعلها تعبيرًا عن المنظور الروائي فيه. على أن هذه الأدوار تنهض بها الشخصية في إطار سوريالي تستعيد بواسطته أحداثاً تاريخية ومعاصرة واقعية. فكيف تتمظهر السوريالية في الرواية؟ وما هي الأحداث المستعادة التي تشي باستنقاع التاريخ وجمود الواقع العربيين؟

 

  سوريالية الإطار

  أمّا السوريالية فتبدو من خلال الوقائع الآتية: إسناد مهمة الروي إلى راوٍ متوفّى، تقييده بعد وفاته في مرآة البيت اليهودية وعدم تمكّنه من المغادرة، تَجاوُر ثلاثة عقول في جمجمته، تَنَقُّله بين أقمصة عديدة وتَذَكُّره ما شاهد واختبر خلالها، انخراطه في حوارات مع المرايا والروائية البوليسية البريطانية أغاثا غريستي، عبوره البوابات السومرية السبع في طريقه إلى الحساب الأخير، مشاهدته في طريق الذهاب بشراً مبتوري الأيدي وآخرين متوحّدين في الكايوس الذي يحفظهم من الأوبئة والفيروسات، رؤيته في طريق الإياب باروخ سبينوزا وفرانز كافكا يصطادان السمك في نهر شيئول عقابًا لهما على تمرّدهما على الناموس، والتحرّر من أسر المرآة بعد تشظّيها بفعل ارتطامها بحافّة الدرج.

 واقعية المحتوى

أمّا الوقائع التاريخية والواقعية المستعادة فتتم استعادتها في إطار الوقائع السوريالية الغرائبية، وبذلك، تجمع الرواية بين سوريالية الإطار وواقعية المحتوى. على أن هذه الاستعادة تتم من خلال شخصية أبراهام المحورية المتنقلة بين الأقمصة عبر القرون وقدرته الخارقة على تذكّر حيواته السابقة.

وعليه، نكون إزاء شكلين روائيين يجتمعان في رواية واحدة؛ رواية الشخصية التي تتمحور حولها أحداث معيّنة، والرواية التاريخية التي تستعيد أحداثًا من التاريخين القديم والمعاصر من خلال هذه الشخصية وتعالقاتها الروائية. وهذا الأخير هو الطاغي على الرواية، وأكاد أقول إن كريدية تتخذ من الأول ذريعة للثاني، وتتعدّى اصطناع شخصية روائية تدور حولها أحداثٌ معيّنة إلى استحضار وقائع متفرقة من مرحلة تاريخية طويلة، في محاولة منها لإثبات أن التاريخ يعيد نفسه، وأن الاستنقاع والجمود اللذين يعيشهما العالم العربي في هذه اللحظة التاريخية ما هما إلّا استعادة متأخرة لذلك التاريخ.

 
 

 رواية الشخصية

في الشكل الأول، تطرح الرواية سؤال الأقلية اليهودية في العالم العربي، من خلال شخصية اليهودي اللبناني أبراهام عزرا دافيد المولود في وادي أبو جميل لأبٍ ساعاتي يناوئ الكيان الصهيوني ويعتبر أن نشوءه يتعارض مع الفكرة اليهودية وأمٍّ خيّاطة تختلط بحكم عملها بأهمّ سيدات المجتمع.

يحاول الوالدان تجنيب أولادهما ترددات ما يحصل في المنطقة. وعلى الرغم من ذلك،  يكون على أبراهام أن يعاني التباس الهوية منذ نعومة أظفاره، ففي وسط معادٍ لليهود ولا يميز بين اليهود والصهاينة، وتهتف فيه التظاهرات المؤيدة لجمال عبد الناصر بالموت لليهود، يُضطرّ إلى إخفاء هويته الدينية ويتنكّر بهوية أخرى ويكبّل نفسه بالأقنعة والكذب والتقية كي يبقى، ويعبر عن هذا الالتباس بالقول: "أخفينا ديننا عن الجميع في لبنان، وكتبنا أسماءنا بالعربية، خفت كثيرًا في طفولتي وأصبحت جبانًا في  موطن ما عاد يميّز بين الصهيونية والدين" (ص 24). 

ويقمع داخله تطلّعه إلى أن يتمتع بحق المواطنة في دولة تحترم مواطنيها، ويعبّر عن ذلك بالقول: "كان بودّي أن أعيش في وطني كجزء من نسيجه، لا مقنّعًا أو متنكّرًا في المنطقة الشرقية التي انتقلنا إليها. [...] أريد أن أكون مجرّد مواطن في دولة تحفظ أمني وكرامتي، وأحترم أنظمتها" (ص 29).

غير أن رياح السياسة في لبنان والعالم العربي لم تكن لتجري بما تشتهي سفينته، فيضطر إلى ممارسة التخفّي والتنكّر والكذب والتقنّع والتقية كي يبقى على قيد الحياة. ولعله من المفيد الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الكاتبة، من حيث تقصد أو لا تقصد، تطرح طريقة تعامل الأنظمة العربية مع الأقلية اليهودية في بلادها بعد قيام الكيان الصهيوني، ما أدى إلى إفراغها من هذا المكوّن بدفع أفراده إلى الالتحاق بالكيان المصطنع أو بالتيه تحت كل سماء.

 

القمع والحرية

 وإذا كان افتقار الشخصية اليهودية في فضاء معادٍ إلى الحرية الدينية واضطرارها إلى ممارسة آليات الدفاع المذكورة أعلاه، جعلها تتردّى في حالة من الخوف وعدم الاستقرار والقلق الدائم على المصير، فإنه حين يتاح لها الانتقال إلى فضاء آخر تنصرف إلى ممارسة حريتها بالطريقة التي تحلو لها.

لذلك، حين ينتقل أبراهام إلى فرنسا لمتابعة دراساته الجامعية والعليا، يعيش الحرية، على طريقته، فيتمتع بما يتيحه الفضاء الجديد من حرية جنسية، ويمارس الحرية بالانخراط في علاقات متعددة وارتكاب الكثير من الخيانات، وكأنه يلجأ إلى حرية الجسد في فرنسا تعويضًا عن القمع العقلي والنفسي الذي عرفه لبنان في مرحلتي الصبا والشباب.

والمفارق أن هذه الوقائع الروائية يستعيدها الراوي في وفاته، وهو في الحالة البرزخية، فلا هو حيٌّ فيعود ولا هو ميت فيرتاح. وكأني بالكاتبة أرادت أن تقول، من خلال هذه الوضعية، أن اليهودي في العالم المرجعي للرواية لا يستطيع أن يقدم روايته على قيد الحياة، ولا بد له من الموت كي يتمتع بحق الروي.

 

 

رواية التاريخ

  في الشكل الثاني، نتعرف إلى الشخصية في حيواتها السابقة، من خلال شهادتها على التاريخ وانخراطها في بعض أحداثه، ما يجعل من الخاص الشخصي إطارًا لاستعادة العامّ التاريخي، فالوقائع الروائية المنسوبة للشخصية في الحيوات المختلفة  غير مقصودة لذاتها بل لما تتيحه من استعادة لوقائع أخرى، وهي وقائع تستعيدها الشخصية الراوية غالبًا بشكل غير مباشر، من خلال حوارتها مع المرايا والكاتبة البريطانية أغاثا كريستي وصديقه المهندس المعماري نبيل، ونادرًا بشكل مباشر من خلال تقنية التذكّر، ما يجعل الحوار إطارًا للسرد.

ففي الوقائع الخاصة/ العامة، المستعادة من التاريخ القديم: تَحَدُّر الشخصية المحورية من قبيلة عبس وقرابتها من عنترة، معاصرتها الحروب القبلية المختلفة، التحاقها بجيوش الفتح العربي، ومشاركتها في حروب الردة على الإسلام.

وفي الوقائع المستعادة من التاريخ المعاصر: معاصرته الانقلابات العسكرية في القرن العشرين التي جعلت من العالم العربي "جزيرة العسكر"، على ما ورد في النص. وهو ما أسس لأنظمة الاستبداد، وجعل هذا العالم يترنّح بين رئيس مستبد أو داهية أو ثعلب أو دكتاتور أو "قوي". ولا يجد القارئ كبير عناء حتى يرى أشباح حافظ أسد ومعمّر القذافي وصدام حسين وغيرهم، تطلّ برؤوسها من ثنايا المادّة المسرودة في إطار حواري.

  ومن خلال هذه المادة، تطالعنا الأعطاب البنيوية التي عاناها العالم العربي عبر التاريخ، بدءًا من التعصب القبلي، مرورًا بالصراع على السلطة والاستبداد السياسي والحروب الأهلية واستنقاع التاريخ وجمود الواقع، وصولًا إلى التخلّف العلمي وعدم القدرة على مواكبة العصر. وما كانت لينة كريدية لتستعيد هذه الأعطاب وتطرح تلك الأسئلة في "العرجون اللّجين"، في هذه اللحظة التاريخية، لو لم يكن الجسد العربي لا يزال يعانيها.

فالكاتبة كأنها تريد القول إن الزمن العربي يدور في حلقة مفرغة منذ أيام عنترة العبسي، وإننا لا نزال نعيش الجاهلية ولو بأشكال جديدة.

  وعودٌ على بدء، "العرجون اللّجين" رواية قصيرة لتاريخ طويل، رواية فرد لجماعة، غنية بالإحالات الميثولوجية والأسطورية، مكتنزة بالوقائع التاريخية، مصوغة بلغة رشيقة، وسرد طلي، ما يوازي بين المتعة الناجمة عن خطابها والفائدة المرجوّة من حكايتها، ويجعلها جديرة بالقراءة.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية