27-09-2023 | 09:13

أسامة حدّاد يجعل من القتيل شبحاً لقاتله

في روايته "برج الصفوة"، الصادرة في الجزائر عن دار "ومضة"، اختار الشاعر والروائي المصري أسامة حداد أن يبدأ بمقطع شعري من ديوانه اللافت "أن تكون شبحاً"، في نص تتجول فيه أشباح القتلى جنباً إلى جنب القاتل
أسامة حدّاد يجعل من القتيل شبحاً لقاتله
Smaller Bigger


في روايته "برج الصفوة"، الصادرة في الجزائر عن دار "ومضة"، اختار الشاعر والروائي المصري أسامة حداد أن يبدأ بمقطع شعري من ديوانه اللافت "أن تكون شبحاً"، في نص تتجول فيه أشباح القتلى جنباً إلى جنب القاتل، ويحيون معاً في برج يحمل خصائص غرائبية، شأن العالم الذي يقدّمه حداد في روايته المبنية بالأساس على استنفاد طاقات الخيال، وتفعيل حيل السرد وألعابه التقنية المتعدّدة.

وهذان المنحيان، "الخيال الغرائبي" و "ألعاب السرد"، هما موضع الجدارة الحقيقية في الرواية هنا.

 

ألعاب السرد

تبدأ ألعاب السرد من كسر أفق التوقّع لدى المتلقّي الذي يجد نفسه أمام رواية يصدّرها الكاتب بعتبة نصّية من المنتج الإبداعي للكاتب ذاته، فثمة نصّ شعري يضعه الكاتب بين يدي روايته "عندما تكون شبحاً/ تغدو كل هذه الأشياء لا لزوم لها/ ويكون من العبث البحث عن قارة غارقة / في كوكب بعيد/ أو ارتياد أماكن محدّدة، وأيضاً/ فالمفاجآت غير واردة/ والأشياء جميعها عادية/ وأنت تنظر إليك من بعيد".

 

فيظن المتلقّي بأنّه سيجد نفسه أمام لغة شعرية تنزع إلى المجاز، وتعطّل آلية السرد وتناميها؛ لكنه سرعان ما يجد نفسه أمام لغة سردية تتجّه رأساً إلى غاياتها، وإن يظلّ التحليق الأسطوري حاضراً في بنيتها الكلية "من قبيل أسطرة شخصية القاتل": "عاش أربعين سنة يتجول من دون أن يعرف مدينة ينتسب إليها، أو قرية نبت من شجرة تقف على حدودها،..." (ص 10).

 

وتتعزز ألعاب السرد من خلال أنماط كسر الإيهام التي تزخر بها الرواية، والتي تزيح الحاجز الوهمي بين النص والمتلقّي، وتشركه في لعبة القتل الدائرة من خلال حكاية الرجل الذي أولى على نفسه قتل مئة من الأنفس، وفي كل مرّة يتبع شبح القتيل قاتله حتى أنّهم يتعايشون معاً على طريقة القاتل والشبح، وهي فكرة مضادة للسردية المألوفة التي ينتقم فيها الشبح من قاتله، هنا يطارده ليحيا في ظلّه، بل مقدّماً له العون أحياناً في مقاتل قادمة!. وهنا أيضاً تتحقق الجدارة الثانية المختصة بتفعيل إمكانات الخيال واستنفادها على آخرها.

 
 
 

تتنوع تقنيات السرد وألعابه المراوغة، حيث التماهي بين الكاتب والسارد الرئيس للنص، وكسر المسافة بينهما: "الحكاية الرائجة كما وصلتني وطبقاً لما قصّه عليّ صاحبها، وقد دوّنتها بضمير الغائب، وأحاول نقلها بأمانة شديدة على الرغم من صعوبة ذلك"(ص 9).

 

فضلاً عن اللعب على فضاء الصفحة الورقية في استخدام العناوين الفرعية ذات الخط الثقيل (الحكاية الأولى/ الحكاية الثانية/ الحكاية الثالثة/ الحكايات الأخرى) وما تحويه من توظيف تكنيك تعدّد المنظورات السردية للحكاية، بحيث يمكنك لملمة بعض أطرافها في كل مرّة. فالحكاية، أو الحكايات هنا متشظية في جوهرها، ابنة لعالم نسبي مراوغ، وليس يقينياً على الإطلاق.

 
نزعة واقعية

يضيف الكاتب طرفاً جديداً يبدأه بنزعة واقعية، وسرد يتسمّ بنزعة خبرية محضة، تقريرية الطابع: "نعيم سعد عبدالله وشهرته سعد. في الخمسين. عاد من الخليج بعد عشرين سنة، عمل كاتب حسابات لفترة. وقضى سنوات في مطبعة،..." (ص 59)؛ ثم سرعان ما تحلّق الحكاية صوب فضاءات أخرى.

 

وصولاً إلى النهاية التي جاءت مشغولة باللعب التقني. ثمة إحالة دالة إلى رواية "ميتتان لرجل واحد" لجورج أمادو دالّة، المعبّر عن الروح البرازيلية الحقّة، وروايته الإشكالية التي تبرز تشظي الهوية الفردية وتمزّق الإنسان الفرد الذي يحيا حياتين متباعدتين، وعند موته يكتشف أمرهما.

 

وتأتي النهاية في "برج الصفوة" ذكية ومتسقة مع منطق السرد المنفتح على عشرات التأويلات. وما بين النزعة الدرامية للعمل في المفتتح الروائي، والمختتم السردي، ثمة تنويعات على جدل الشبح والواقع، أو بالأحرى، وهذا جوهر الدلالة الكلية للعمل، بين مخاضات الواقع الشبحي بضغوطه ومساراته الحادة وقسوته اللانهائية.

 

تتواتر عشرات الحكايات عن منشأ القاتل وأشباحه ( عصابته)، في نص سردي محكم، يخلو من الترهلات والزوائد الفنية، ربما احتاج عنواناً أكثر جمالية، ونفاذاً إلى سيكولوجية المتلقّي.

 

توظيف الخيال الشعبي

كيف تنشأ الحكاية، وكيف تلعب الخيالات الشعبية دوراً في تعدّدها، وكيف توظف لتعزيز فكرة الخوف، العدو الأول للإنسان، هذا أحد الأسئلة الجمالية التي سعت الرواية صوب معاينتها، من خلال تضفير الخيال الشعبي في النص على نحو متناغم مع بنية السرد.

ثمة طموح تقني في الرواية، ووعي بكيفية خلق عالم بعيداً من مدونة القصّ الجاهزة. وهذا أيضاً مما يُحسب للرواية وكاتبها.

 

بعد ثمانية دواوين شعرية، من بينها: "ألعاب صغيرة"، و "شرور عادية"، و "أن تكون شبحاً"، و "العشوائي"، و "متاح للمشاهدة"، وغيرها، يضع أسامة حداد قدماً راسخة في عالم السرد عبر روايتيه "حقل البيتزا"، و "برج الصفوة".

 

وتتسع مساحات اللعب التقني في روايته الثانية، ويبدو التجريب نزوعاً جمالياً في التعبير الفني عن عالم يصنعه بدأب، وتبدو الكابوسية تصوراً فكرياً لرؤية عالم شبحي مسكون بالقسوة، ومثقل بها.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.