يوسف زيدان يكتب سيرة روائية لابن النّفيس... الطبيب والفيلسوف
تكمل رواية "الورّاق: أمالي العلاء" (دار الشروق القاهرة / 2023)، ما يمكن اعتباره ثلاثية روائية، بدأها يوسف زيدان بـ"فردقان: اعتقال الشيخ الرئيس" (2018)، ثم "حاكم: جنون ابن الهيثم" (2021).
وتتضمن الروايات الثلاث سير ثلاثة من كبار المساهمين المسلمين في نهضة أوروبا، بما قدموه من إنجازات مهمة في "العلوم الحقيقية"، بتعبير أحد هؤلاء الثلاثة وهو ابن الهيثم (965 – 1040م) خلال الفترة التي عاشوا فيها بين القرنين العاشر والثالث عشر الميلاديين، على الرغم من الاضطرابات السياسية والفكرية التي أحاطت بكل منهم، بسبب ما شغلوه من مواقع تتماس على نحو أو آخر مع السلطة الحاكمة.
والاثنان الآخران، إضافة إلى ابن الهيثم، أول من وضع أساس علم البصريات؛ هما ابن سينا (980 – 1037 م) صاحب كتاب "القانون" الذي ظل المرجع الرئيس في الطب لسبعة قرون، وابن النفيس (1213 – 1288) مكتشف الدورة الدموية الصغرى.
وعرف الثلاثة بموسوعية معارفهم وتعدد اهتماماتهم العلمية والفلسفية. أيضًا يمكن ملاحظة أن الروايتين الثانية والثالثة تتضمنان سيرة للقاهرة (التي تمر الآن بمنعطف يشكل خطرًا على تراثها المعماري في سياق مشاريع تطويرها) منذ إنشائها على يد الفاطميين مرورًا بالحكم الأيوبي وصولًا إلى خضوعها لحكم المماليك لتنتهي في عهد الناصر محمد بن قلاوون.
تبدأ رواية "الوراق: أمالي العلاء"، من الأيام الأخيرة في حياة ابن النفيس، وتنتهي باليوم الأخير في حياة ساردها، وبين البدء والختام نحو أربعين عاماً، بالإضافة إلى زمن يمتد لعشرات من السنين يجري استدعاؤه بالتذكر، الذي يمزج الخاص بالعام، سواء من جانب الورّاق، أو من جانب ابن النفيس المعروف أيضًا بـ"العلاء".
التّشكيك في اللقب
الرواية (286 صفحة من القطع الوسط) جاءت في ثلاثة أقسام، يستعرض الأول الأربعين عامًا الأولى من حياة الورَّاق المعروف باسم "سفير بن عبد الله القليوبي"، وهو شخصية متخيَّلة، يجعلها زيدان موازية تقريبًا في الأهمية الفنية لشخصية "العلاء"، فلولاه ما وصلتنا سيرة هذا العالِم الجليل، والتي يتشكل منها معظم متن هذه الرواية التاريخية. وزيدان الباحث البارز في مجال المخطوطات، يُنسب إليه أنه أعاد اكتشاف ابن النفيس وتراثه ونال عن ذلك جوائز عدة. والطريف أنه في هذا السياق شكّك في أن أَبا الحسن علاء الدين عَلي بن الحزْم الْخَالِدِي اَلْمَخْزُومِيَّ اَلْقُرَشِيِّ اَلدِّمَشْقِيِّ، كان يدعى في زمنه بابن النفيس!
ومن هنا فإن اللقب الذي يعتمده زيدان لهذا العلّامة في روايته هو "العلاء"، وينسب إليه من خلال الوراق الذي يتولى السرد بضمير المتكلم أنه قرأ كل ما كتبه ابن سينا؛ "ووجده أبرع في الطب منه في الحكمة والفلسفة".
كما يرى أن إبداعه بلغ غايته في كتابه "القانون في الطب"، ولاحظ السارد الذي اعتاد منذ طفولته التكتم بشأن أفكاره وحقيقة نسبه خوفًا من الاصطدام بالسلطة المملوكية، أن ابن سينا كتب "حي بن يقظان"، وكتب ابن النفيس على النسق ذاته "فاضل بن ناطق"، والعملان جاءا في قالب قصصي رمزي لعرض أفكار فلسفية، على نسق ذي أصل يوناني. واستهوت الاثنان (ومعهما ثالثهما ابن الهيثم) الطب وعلوم اللغة والدين.
وتحسم الرواية زمن دخول "العلاء" إلى مصر بتأكيد أنه كان في الخامسة والعشرين من عمره عندما قرر مغادرة الشام إلى البلد الذي سيقضي فيه باقي عمره. وللتدليل إلى شغفه بالعلوم القائمة على براهين حسية، حتى وهو في شيخوخته، تخبرنا رواية زيدان أن "العلاء" كان في السابعة والسبعين من عمره حينما ذهب إلى الفيوم ليعاين بنفسه الصحراء "التي تحتوي بقايا عظام الحيتان الكبار ويقال إنها كانت في الأزمنة السحيقة قاع بحر... وهذا أمر عجيب سمعتُ به وكان لا بد من معاينته بنفسي حتى يمكن أن أقبله"، بحسب ما أملاه على "سفيرٍ" الورّاق.
القاهرة بعد دمشق
كانت القاهرة عندما دخلها "العلاء" مدينة مزدحمة، بعدما التحمت بالفسطاط التي نشأت عقب الفتح الإسلامي مباشرة وقام فيها جامع باسم فاتح مصر عمرو بن العاص. وعندما دخل "العلاء" هذا الجامع للمرة الأولى منذ وصوله إلى القاهرة من دمشق حيث ولد ونشأ، وجد الناس ينشدون داخله أشعار سلطان العاشقين عمر ابن الفارض "من دون آلات الموسيقى، تأدبًا، وفي الباحات كانوا ينشدونها على صوت الدفوف ذات الشخاليل". ولاحظ "العلاء" كذلك أن المصريين، خصوصًا في القاهرة، "أميل إلى الأريحية والمرح من أهل الشام الذين تغلب عليهم الجدية". ومع الوقت بات يؤمن بأن "قول الأشعرية بالكسب، والمعتزلة بالاختيار، والجبرية بالقهر، كلها زخارف أقوال سرعان ما تنزاح إذا سطع نور الحقيقة وأشرق به القلب".
عن عمر ناهز الـ80 عاماً، وتحديدًا في يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 1288م، فارق "العلاء" الحياة وقد أوقف معظم داره، وكتبه وكل ما له على المستشفى المنصوري في القاهرة، وخصص جزءًا من داره لـ"سفير الوراق" ليعيش فيه ويعمل. عاش "العلاء" إذًا ثمانين عامًا، عاصر خلالها – بحسب ما ورد على ظهر الغلاف - من أهوال الأحوال والأحداث الجسام، قدرًا هائلًا: الحروب الصليبية والحملة السابعة المريعة على دمياط وشمال مصر، غزو المغول وسقوط بغداد على يد هولاكو، صراعات السلطة بين الجيل الأخير من الأيوبيين والجيل الأول من الحكام المماليك، ثورة حصن الدين ثعلب، المصادمات الشديدة بين أقطاي وأيبك وقطز وبيبرس وقلاوون.
وكان العلاء قريبًا من ذلك كله، فقد كان الطبيب الخاص للظاهر بيبرس، ورئيس أطباء مصر والشام.
ومع اضطراب أحوال زمانه، لم يتوقف يومًا عن التأليف في الطب والفكر وعلوم عصره، وترك لنا من بعده آلاف الصفحات. فكيف عاش ابن النفيس وما الذي أملاه من وقائع حياته على «الورَّاق» الذي يصغره بأربعين عامًا، وعاش أربعين عامًا بعده؟ هذا ما تحكيه هذه الرواية.
يسمعُ ويُملي
الجزء الأول عنوانه "اليوم الفارق"، والمقصود ذلك اليوم الذي التقى فيه السارد الوراق بالمسرود عنه العلاء. الجزء الثاني يبدأ من الصفحة 140 وعنوانه "أيام الإملاء". وتلك الأيام كانت من ضمن شهر واحد أمضاه "سفير" الوراق في صحبة "العلاء".
كان يقرأ عليه "كتاب الموسيقى الكبير" للسرخسي، ويكتب ما يمليه من سيرته. في مستهل هذا الجزء "يبدأ نص ما أملاه الفقير المتطبب علي بن أبي الحرم القرشي المولود سنة 607 هـ سنة الصلح بين جيش الملك العادل الأيوبي وجيش الفرنج في عكا استعدادًا لاستعادة القدس ومعاودة السيطرة على سواحل الشام".
ومما أملاه: "عاهدتُ نفسي أمام الله بألا أطمع في شيء ليس بيدي مهما كان فاسترحت بذلك من ذلك الداء ومن ذاك العناء". من مشايخه في دمشق شيخ الطب في الديار الشامية رضي الدين بن حيدرة الرحبي الكحّال؛ "وقد أدركناه (يقصد نفسه وأخاه التوأم الذي لم يعمر طويلًا) بعدما نيَّف عمره على الثمانين سنة، ومات بعدما قارب المئة. دروسه كانت في داره التي أوقفها على البيمارستان النوري". ومن أساتذته أيضًا "الشيخ محيي الدين بن عربي الملقب عند مريديه بالشيخ الأكبر". ومما أدركه بخبرة السنين أن "معظم كلام الفلاسفة والأصوليين عن الذات الإلهية، هو تخبط معبر عنه بزخرف المفردات".
"الوراق" قال له "العلاء" إنه يعلم ما جرى بينه وبين طليقته "شهد" ابنة "فلتة الوراق"، كما يعلم أن اسمه الحقيقي ليس "سفير"، وأنه من الصعيد وأبوه كان أبرز الثوار في وجه الموجة الأولى من الحكام المماليك.
لكنه لم يخبره كيف عرف ذلك وهو من الأسرار التي كان "الوراق" حريصًا أشد الحرص على ألا يعرفها أحد كي لا يبطش به المماليك. وقال له ناصحًا: "ابحث عن معنى لوجودك حتى يكون لوجودك معنى".
كان أبوه فارسًا رفيع المكانة، وواحدًا من خواص المقربين لدى الثائر المغدور به "حصن الدين ثعلب"، وقد كبرا معًا في منفلوط (أسيوط) وكانا أبناء عمومة ينتميان إلى قبيلة الجعافرة (أحفاد جعفر بن أبي طالب) المستقرين في صعيد مصر منذ مئات السنين. كما كانا رفقاء فروسية وفنون قتال، وقاتلا معًا ضد الفرنج في المنصورة وفارسكور. فلما أعلن الأمير ثعلب بالصعيد دعوته للعصيان وعدم الاستسلام لحكم المماليك أحاط المصير المشؤوم بكليهما.
أما العمل في مجال الوراقة فقد تعلمه "سفير" من خاله حميد الذي كان يعيش معه في قليوب (شمال القاهرة) بعد مقتل أبيه. كانت لـ"سفير" أيضًا أسئلته الوجودية من مثل: ما الداعي لتعذيب الخلق بالمكابدة في الدنيا، ثم تعذيب معظمهم بالنار في الآخرة؟ اسمه نصري بن قاسم بن عبد المجيد الجعفري الشريف.
خشي عليه خاله من احتمال أن يقتله المماليك فجعل اسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله. يقول: "عجيب حال الزمان. كان نسبي الشريف عزوة، فصار عورة لا بد من سترها عن الأعين". ص 69. بالغ في الاستتار فأطلق على نفسه اسم "سفير". لكنه بعد بلوغه الأربعين عرف أنه كان طوال الوقت معروفًا! تعلم من "العلاء" أن عمل الوراق يختلف عن عمل الخطاط. بدأ يتردد على القاهرة من بعد بلوغه الـ 16... "بسبب ذلك تزحزح السكون عن حياته وصارت الأوقات مليئة بالمشاهدات والفرح بالحرية مع بعض التوجس. القاهرة مبهجة ومقلقة ويقال إنها أكثر مدن العالم ازدحامًا".
يقول "الوراق" الذي يحتفظ بأفكاره المتشككة لنفسه "ماتت أمي وهي موقنة بأن مرضها كان رحمة من الله لغفران الذنوب، أي ذنوب تلك التي اقترفتها وهي التي كانت تحيا كالميتين". وحين تأمل مصير أبيه توصل إلى أن "كل الثورات تنتهي بالأبرياء إلى الهاوية" ص87. لكنه كالعادة سيلتزم بما ينأى به عن أي مشاكل مكررًا القول "ما لنا صالح"، وهو القول نفسه الذي واجهته به أمه وهو طفل عندما رأى خاله يخون زوجته مع جارية. ومع ذلك لا يستبعد أن يكون زيدان قد تعمد تمرير بعض أفكاره المثيرة للجدل من خلال هذه الشخصية التي نسجها خياله الخصب.
يوسف زيدان، صاحب روايتي "عزازيل"، و"النبطي"، كتب هذه الرواية بلغة تناسب العصر الذي تدور فيه أحداثها، ولا شك بأن خبرته الطويلة في مجال المخطوطات العائدة إلى زمن "العلاء" وتحقيقها، ساعدته في ذلك إلى حد كبير.
كما أنه كتبها لاستعادة ذكرى أحد أبرز العلماء المسلمين بعد مرور نحو سبعة قرون على رحيله، ليؤكد مجددًا أهمية التراث العلمي المحض للمسلمين في تاريخ الإنسانية، فضلًا عن عطائهم البارز في الفلسفة والإعلاء من قيمة العقل الإنساني ولا محدودية ما يستطيع الوصول إليه، في وقت يروج فيه اتهام الإسلام بمعاداة العقل، وبالتحريض على العنف. كما أن هذه الرواية تستعيد مهنة الوراقة التي اندثرت في ظل التطور التكنولوجي، لكنها حفظت لنا الكثير من عيون التراث الإنساني.
نبض