30-08-2023 | 13:24

الإنسان المعاصر كما يراه كيران سيتيا... بين الوحدة وغياب المعنى

نعيش اليوم في ظلّ وباء عالمي وبطالة كبيرة، وسط كارثة التغيير المناخي وصعود الفاشية الجديدة، والمصائب التي ستصيب الفقراء والضعفاء والمقموعين.
الإنسان المعاصر كما يراه كيران سيتيا... بين الوحدة وغياب المعنى
Smaller Bigger
 
نعيش اليوم في ظلّ وباء عالمي وبطالة كبيرة، وسط كارثة التغيير المناخي وصعود الفاشية الجديدة، والمصائب التي ستصيب الفقراء والضعفاء والمقموعين. 
زد على ذلك، أنّ الإنسان المعاصر يواجه أزمات وجودية تتمثل في معاناته من الهشاشة والوحدة والحزن والفشل والظلم. 
فهل في وسع الفلسفة أن تطرح حلولاً أو تصورات تُخرجه من أزماته وتجعله يتصالح مع واقعه ويطمئن إلى مستقبله ومستقبل الأجيال الآتية؟
 
في كتابه "الحياة صعبة، وصايا الفلسفة لإيجاد طريقنا" (ترجمة مالك سلمان، دار الساقي 2023)، يجد المفكر كيران سيتيا، أنّ الفلسفة أداة طيّعة تساعد في التعاطي مع محن الحياة ونوائبها. 
ومع اعتقاده أن لا علاج للوضع الإنساني، يعتقد أنّ الفلاسفة، مثل أفلاطون أو أرسطو أو الرواقيين، قدّموا التوجيهات وشكّلوا النظريات التي يمكن أن نهتدي بها كي نعيش في هذا العالم كما هو وبأفضل الطرق الممكنة.
 
وإذا كانت الفلسفة لا تعد بالحياة المثالية، ففي مقدورها أن تساعدنا في التخفيف من وزر معاناتنا.
 
تناول المؤلف هشاشة الأجساد التي تشكّل جزءاً من الوضع الإنساني، فرأى أنّ الإعاقة الجسدية لا تشكّل بذاتها عائقاً أمام العيش الرغيد والتمتع بحياة كالتي يعيشها الآخرون.
وإذا كان التعرّض للإعاقة لا يخلو من المعاناة الشديدة، فإنّ الحياة مع الإعاقة قد تبدو أقل سوداوية مما نتوقع، بل يمكن لهذه المعاناة أن تشكّل مصدراً للتضامن بين البشر.
 
إزاء "الوحدة"، ميّز سيتيا بين الآلام المتأتية من العزلة الاجتماعية وكون المرء بمفرده. فيمكن للمرء أن يكون بمفرده من دون أن يشعر بالوحدة، ويمكن أن يشعر بالوحدة بين حشد من الناس.
 
لم يكن الألم الناجم عن الوحدة شيئاً غريباً قبل سنة 1800، وهي وجدت عند أرسطو: "لن يختار أحد العيش لولا وجود الأصدقاء"، ونجدها أيضاً في أواسط القرن الثامن عشر عند الفيلسوف ديفيد هيوم الذي رأى أنّ "العزلة التامّة هي أشدّ عقوبة يمكن أن تنزل بنا"، وأنّ كل إنسان مهما أوتي من ثروة سيبقى "بائساً إلى أن يجد شخصاً واحداً على الأقل يشاركه سعادته".
 
ولكن خلال القرنين الماضيين عملت الإيديولوجيا الفردانية التملّكية التي تصوّرنا بصفتنا ذرات إجتماعية على تمزيق المجتمع الغربي تمزيقاً شبه كامل.
وتبعاً لدراسة حقّقت شهرة واسعة سنة 2016، كان الأميركيون يفتقدون شخصاً يتحدثون إليه عن "المسائل المهمّة" في العام 2014 بنسبة ثلاثة أضعاف مما كان عليه الأمر سنة 1985. فهل ثمة علاقة بين الفردانية وصعود اقتصاد السوق وبين الصداقة الحميمة؟ وهل من المبكر القول إنّ وسائط التواصل الاجتماعي تدمّر قدرتنا على التواصل الحقيقي مع بعضنا بعضاً؟
 
يؤكّد المؤلف أهمية الصداقة، فالأشخاص الذين يتمتعون بروابط إجتماعية قليلة معرّضون للموت أكثر بمرتين أو ثلاث من الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات أوسع. 
 
في هذا السياق، ركّز سارتر وهيغل على دور الصداقة الاساسي في حياتنا. من جهته، رأى هيغل أننا لا يمكن أن نعي أنفسنا بشكل كامل إلاّ عبر الإدراك المتبادل، بينما رأى سارتر أنّ كلاً منا يحقّق نفسه في حضور الآخر، إذ ثمة حاجة ميتافيزيقية لبعضنا الآخر، ولا يمكن أن نوجد بصفتنا كائنات واعية إلاّ من خلال علاقتنا مع الآخرين. ففي الصداقة يعترف كلّ منا بالآخر، يستمع إليه ويمدّ معه جسراً من التواصل الحميم.
 
 
 
 
 
الحزن والفشل والظلم
تتفق المدارس الفلسفية التي أنتجتها اليونان القديمة على أنّ الحزن ليس شيئاً جيداً، وأنّ ثمة أشكالاً للحزن تتداخل بطرق متباينة. مثلاً، هناك الحزن على موت قريب أو صديق، وهناك الحزن العلائقي أي الحزن على موت العلاقة مع الطرف الآخر. لكنّ الفلسفة توصي باتقان الحزن، وترى أنّ الطريقة المثلى للتعامل معه تقوم على تغيير العلاقة به دون الاعتراف بنهايتها، واعتبار الألم الذي يستجلبه الحزن جزءاً من الحياة السوية.
 
أما بالنسبة إلى الفشل، فيرى المؤلف من منظور فلسفي، أنّ المشاريع المهمّة المحبطة جزء من حياتنا التي هي مجموعة من النجاحات والعثرات الصغيرة. 
ثمة غنى لا متناهٍ يطفح به العيش، وإن لم يكن بمقدورنا استئصال الفشل في جميع أشكاله، ولكن من الممكن تهميشه ومنعه من الهيمنة، بالعمل والعمل والعمل، فيه وحده سرّ نجاحنا.
 
وفي رأي سيتيا، ليس بمقدورنا أن نعيش حيواتنا بشكل جيد من دون الاهتمام بالآخرين، لأنّ المصلحة الذاتية والأخلاق متساوقتان، فما الذي يعنيه العيش الهنئ في وقت يطغى فيه القمع والتمييز والحروب؟ 
قال أفلاطون إننا لا نستطيع أن نظلم الآخرين إن كنا عادلين، وقال كانط بعده بألفي سنة، إننا عاجزون عن التحرّر من دون الالتزام الأخلاقي والتعاطي مع الآخرين بوصفهم غايات لا وسائل، ولذلك فإنّ إلحاق الأذى بالآخرين، أو المشاركة فيه من أجل المنفعة الشخصية هو ظلم صارخ. 
 
إزاء هذا الظلم قد تكون جهودنا ضئيلة، ولكن ذلك يجب ألاّ يقودنا إلى الانسحاب والاستسلام، فربما لا يغيّر احتجاج ما العالم، لكنه سوف يسهم في التغيير. فهل ننساق إلى العبث وفقدان الامل؟ 
 
يتساءل المؤلف من منا لم يشعر بعبثية الأشياء فيما هو يفكر في وجوده الصغير والتافه وسط هذا الفضاء الشاسع والزمن اللامتناهي؟ 
لكنه يرى أنّ وسط هذا العبث سوف نكتشف معنى الحياة، فالقول إنّ الحياة لها معنى يعني أنّها ليست عبثية. وهنا يسأل الفلاسفة عن المتطلبات اللازمة للمرء كي يعيش "حياة ذات معنى". 
غياب المعنى أقلق الوجوديين الأوائل من أمثال كيركيغارد، وإذا كانت الأديان لا تقدّم معنى للحياة، إلاّ أنّها تؤصّل القناعة بوجود هذا المعنى بغض النظر عن غموضه. 
لكنّ المؤلف يرى أنّه لن يكون هناك معنى للوجود الإنساني في حال توزيع أشيائه بطريقة ظالمة، فمعنى الحياة يكمن في تقدّمنا الأبدي نحو تحقيق العدالة في هذا العالم. إلاّ أنّه في الوقت نفسه، يعبّر عن تشاؤمه في ما يخصّ التغيّر المناخي وما يشكّله من خطر على معنى الحياة وما يؤدي إليه من انهيار إجتماعي.
 
المستقبل يبدو غامضاً، في رأي المؤلف، إلاّ أنّه يبقى الأمل في بناء عالم آخر. غير أنّ الأمل يستدعي العمل، والفعل مستحيل من دون الأمل، والحياة الانسانية ليست عبثية ما دام هناك متسع كاف للأمل.
 
نرى أخيراً أنّ الكتاب يشكّل إضافة فعلية إلى المكتبة الثقافية العربية، بما أضاء عليه من أسئلة فلسفية طاولت البيئة والاجتماع والاقتصاد والسياسة والفكر، وتناولت أزمات الإنسان المعاصر الوجودية في العمق طارحةً تصورات وأفكاراً فلسفية، فيما هي تثير في الوقت نفسه رؤى وتأملات في مستقبل لا يزال يتشكّل من دون هوادة.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية