29-08-2023 | 12:58

قصص هاني منسي تتكئ على الموروث الديني والثقافي

يضع القاص المصري هاني منسي عنواناً لافتاً لمجموعته القصصية "سنكسار" (دار النسيم، القاهرة)، فتحيلك على التراث الديني القبطي، بما تعنيه مفردة "سنكسار" أي من يجمع سِيَر الرسل والقديسين مرتبةً بحسب الشهور المصرية.
قصص هاني منسي تتكئ على الموروث الديني والثقافي
Smaller Bigger
يضع القاص المصري هاني منسي عنواناً لافتاً لمجموعته القصصية "سنكسار" (دار النسيم، القاهرة)، فتحيلك على التراث الديني القبطي، بما تعنيه مفردة "سنكسار" أي من يجمع سِيَر الرسل والقديسين مرتبةً بحسب الشهور المصرية. 
 
وتتسرّب رهانات من هذا التراث الديني إلى بعض قصص المجموعة كقصة "لا مؤاخذة"، التي تأخذنا إلى تراث المحبة القبطي الوافر عبر المعلم سمير الذي يقابل التأفف منه بالتجاهل، ويجابه الضغينة بالتسامح.
 
في "سنكسار"، ثمة وحدتان سرديتان مركزيتان (الذات الساردة، والبطل المساعد)، وكلاهما طامح في المضي في سلك الرهبنة، والتغلّب على الشهوات الأرضية.
 
تبدأ القصة بداية كلاسيكية تحيلك على الموروث الديني المستقر، وتتعامل معه بإجلال شديد، حتى يحدث ما يُسمّى بالتحوّل الدرامي، فالرفيق الذي يبيع القلائد يلمس عنق المرأة البضة، ويقترب من جسدها فتفور شهوته، التي ظنّ انّها في سبيلها للمحو، تغلبه طبيعته الأرضية، ولا يبقى أمامه سوى الاعتراف: "بعت قلادة واحدة فقط. أنا وقعت في الشهوة. طلبت مني أن تجرّب القلادة، لبّيت طلبها، طلبت مني ربطها خلف عنقها، شمطاء لكنها قوية. كشفت لي عن عنقها، ملمسها ناعم كالحرير، استقرّت الدلاية بين نهديها المكتنزين، اقتربت أكثر، لاصقت ظهرها بجسدي، اشتعل كالبركان". وحين يسعى السارد البطل إلى تخفيف مأساة رفيقه بأنّه امتلك شجاعة الاعتراف، كان يخفي أنّ إثمه كان أشدّ! 
 
وفي المختتم القصصي يُنهي الكاتب قصته وفق نمط السرد الإخباري. فقد زادت أعداد القلائد المباعة للنساء، وبما يترك فسحة أوسع للتأويل، وإكمال الفراغات النصية.
 
وفي "كرسي الاعتراف" التي يستهل بها القاص مجموعته، يبدو عنوانها حاملاً ظلالاً من الطقس الديني، يخرج منه الكاتب إلى معنى دنيوي مغاير، حيث يُعدّ كرسي الاعتراف هنا علامة على الرغبة في البوح والمراوغة في العنوان؛ فثمة صناديق معدّة للشكوى في الأماكن العامة لانتظار الحافلات، وثمة كرسيان معدّان، يشغلهما عضو اليمين، وعضو اليسار، وهي فكرة لامعة تشير إلى مأساة الإنسان الفرد في عالم موحش.
 
لكنّ النص به استطرادات في الحوارات الدرامية بين العجوز والشاب، وكان يمكن أن يكون أكثر إحكاماً من ذلك.
 
في "عمارة حسان"، تلوح شخصيتان مركزيتان في القصة المروية بضمير الغائب، حسان وزوجته فوزية، ويحمل العنوان ناتج الدلالة الكلية للسرد، فحسان القادم من فقر مدقع يصبح متحكماً في العقار، فمساعدوه مبدورون في المكان، "بلطجية" في ثياب آدمية يتناثرون في الشارع؛ لفرض الإتاوات على السيارات بحجة ركنها، والجراج صار مأوى حسان الذي ينتهي نهاية درامية متوقعة، حيث يلقى حتفه بجرعة مخدّر زائدة.  أما فوزية فلم ينج من لسانها السليط أحد، وفي المختتم ثمة توظيف لتكنيك المفاجأة، حيث اشترى حسان من قبل إحدى شقق العقار،  وصار من الملاّك. ويحتاج النص، شأن قصص أخرى، إلى التخلّص من بعض الارتباكات اللغوية والوعي باستخدام مساحات أوسع من اللعب التقني.
 
 
 
 الارتحال والغياب المرّ
وفي "تذكرة غياب"، يُعدّ أسامة كمال واجهة القص، وبطلها المركزي الذي يحرّك السرد في الحضور والغياب. بدءاً من المشهد المؤذن بالغرق الذي يتعرّض له في هجرته غير الشرعية، مع رفاق لا يعرفهم، ثم انتفاض أسامة القابض على الحياة، ونجاته. 
وتصير OK العلامة المسجّلة المتواترة في القصة والتي تنتهي بها حين يرتدي الأخ الأصغر لأسامة رداءً مكتوباً عليه ok يجعلك تمعن التأويل حول ما جرى لأسامة كمال. 
المختتم دال هنا، والتفاصيل الصغيرة صنعت المشهد القصصي برمته، فالأم تبكي دائماً، إذا قالوا ام أمجد تذكّرت على الفور الابن الأكبر (أسامة)، وإذا نادوها أم أسامة غرقت في الفقد والغياب.
 
وفي قصة "أم غايب"، التي تلعب هي الأخرى على تيمة الارتحال والغياب الممض المجهول، ثمة خطان زمنيان يتجادلان في القصة، أحدهما يشير إلى خط القص الرئيسي حيث النقطة الزمنية التي تبدأ عندها القصة، والممثلة لمشكلة السرد، وموضوعه، وتيمته المركزية، حيث الرغبة العارمة في الارتحال لدى فوزي، ومعاندة الأب والأم والأخت ماجدة.
 
 أما الخط القصصي الثاني فقد مثّل إطاراً للحكاية وهواجسها، ويتمثل في أسامة كمال المهاجر "ابن أم غايب"، والذي يعود بعد ثلاثين عاماً، وقد مات أبوه وماتت أمه التي نسجت البلدة حول حزنها الكثير من الحكايات.
 
وهنا يستهل الكاتب قصته بالحوار السردي الذي يضع متلقّيه في متن الحدث القصصي "مش هتسافر يعني مش هتسافر/ يا بوي الدنيا اتغيّرت. هسافر اجيب قرشين، وارجع اتجوز، وافتح مشروع/ مش كل اللي يسافر هيعمل زي أسامة كمال".
 
 وحينما يسأل فوزي عن أسامة كمال شقيقه أمير تكون الجملة الدالّة "قطعت سيرته، وقد بدت العامية هنا دالّة في الحوارات القصصية.
 
 
 
 البيئة المحلية
يبني هاني منسي قصته (صيفة) على مفردة مركزية من البيئة المحلية (صيفة) حيث الطماطم التي يتركها صاحبها في الحقل فتكون مغنماً للجميع، حيث تكلفة النقل والجمع أعلى من ثمنها. وقد بدا توظيف البيئة المحلية هنا جيداً، والفكرة جديرة بالالتقاط، ولكن ثمة مجانية في الاستخدام اللغوي: "اتذكّر حال ابي المزارع البسيط وهو يجتهد بكل حماس ليأتي لنا بالخير..."، حيث ثمة إنشاء أشبه بموضوعات التعبير ويجب على الكاتب الالتفات إلى هذه المجانية.
 
في قصة "الأرق"، هناك ثلاث وحدات أساسية: الشابان والعجوز الشاذ المولع بالمفاتيح، وغلق الباب دائماً من قِبل العجوز يمثل جوهر الفعل السردي الذي يوظّفه الكاتب في خلق المفارقة القصصية.
 
وفي "عيون الليل"، تتواتر أجيال متعددة في مساحة كمية محدّدة، ولذا نرى هنا قفزات زمنية مختلفة، فضلاً عن الإحالة على اضطراب الزهايمر الذي يفقد فيه الإنسان الفرد وجوده الأصيل، من خلال الأستاذ وجدي المولع للنباتات، وهنا أيضاً نرى توظيفاً للأغنية الشعبية المعبّرة عن الفضاء المكاني، وهناك أيضاً ما يُعرف بأغاني الحصاد، في موسم جني القطن.
 
يختتم القاص مجموعته بقصته "يكاد يكون قتيلاً"، وتتسرّب فيه بعض من فضاءات العالم الذي يقدّمه الكاتب "عالم التدريس في التربية والتعليم"، مدرّس شاب شغوف وطموح يستكين إلى مدرسته الفنية إرضاءً لوالده الذي طلب منه بقاءه إلى جواره. ثم تلميذ يشتبك مع مدرّسه، ويصفعه صفعة مدوّية في الشارع يذوب صاحبها بعدها كالملح.
 
عالم المثقفين
تحوي المجموعة تنويعات متعدّدة فضلاً عمّا تقدّم من بينها الإحالة على عالم المثقفين والكتّاب، في قصتي "سيّد حلمي يكتب" و"شاهد على قبر فارغ" وهما من أفضل قصص المجموعة، بخاصة "سيّد حلمي يكتب"، حيث هوس التحقق والطموح الذي تخلقه الكتابة... فثمة كاتب شاب يتنقل في الأوتوبيسات ليصل إلى ندوة يقرأ فيها قصته بعد إهانته من قِبل عضو هيئة الكتّاب، وحين يفقد حقيبته التي نسيها  مع راكب نائم في الأوتوبيس المزدحم عن آخره، يكتب القصة من جديد أثناء الندوة، وحين يتطلّع ومعه زوجته إلى قراءتها يجد الكاتب المتسلّط يناديه طالباً منه التصوير، ولا شيء غير ذلك. 
إنّ رصد الانفعالات النفسية، وتأثيرها في تحولات القص من أهم ما يميّز هذه القصة.
وفي "شاهد على قبر فارغ"، يوظف الكاتب تكنيك الرسائل (عزيزي مدحت)، ويستحضر فضاءات التكنو سرد من خلال استدعاء خاصّية Only me.
ويكشف بعضاً من عالم الثقافة، والجوائز، حيث الكتاب الخالي من الكلمات والاحتفاء المبالغ به، ومساءلة جانب من الواقع الثقافي بنعومة، ومن دون صراخ.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.