24-08-2023 | 17:44

أدب القارة السمراء في ميزان النقد

في كتاب "أصوات من أفريقيا: نافذة على إبداع القارة السمراء"، أول ما قد يُلاحظه القارئ أنّ الترجمة العربية لا تتضمن أي إشارة إلى أسماء "مؤلفيه"، ولا لغته، ولا سنة نشر طبعته الأصلية.
أدب القارة السمراء في ميزان النقد
Smaller Bigger
في كتاب "أصوات من أفريقيا: نافذة على إبداع القارة السمراء"، أول ما قد يُلاحظه القارئ أنّ الترجمة العربية لا تتضمن أي إشارة إلى أسماء "مؤلفيه"، ولا لغته، ولا سنة نشر طبعته الأصلية. 

هذه "الترجمة" تولاّها نصر عبد الرحمن، وأصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي اكتفت بإشارة على غلافها تفيد بأنّ العمل من تأليف "مجموعة من المبدعين الأفارقة". 

ولكن سرعان ما سنجد إشارة أخرى تفيد أنّ "الدراسات النقدية التي يتضمنها هذا الكتاب وضعها المترجم". وهكذا يصبح فعل الترجمة هنا قاصراً على نصوص شعرية وسردية، نقلها نصر عبد الرحمن إلى العربية. 

وهذا بالضبط ما تقصده الإشارة إلى أننا بصدد عمل من تأليف مجموعة من المبدعين الأفارقة! ومع ذلك تظلّ "الدراسات" التي "وضعها" المترجم محل تساؤل بشأن ما إذا كانت مؤلفة بالكامل، أم أنّها تتكئ على ترجمتها "بتصرّف" من أصل غير عربي، خصوصاً مع خلو الكتاب من قائمة بمراجعه. 

والسؤال هنا يكتسب شرعيته كذلك من خلو السيرة الذاتية للمترجم من أي عمل نقدي من تأليفه. فإنتاجه كمؤلف قاصر على مجموعتين قصصيتين وثلاث روايات. وفوق ذلك فإنّ له ترجمات منشورة لأربعة أعمال أدبية. 

ومع ذلك، فإننا بصدد كتاب مهمّ؛ خصوصاً أنّ المكتبة العربية تفتقر إلى أعمال تلقي الضوء على "الأدب الأفريقي"، الذي يرى نصر عبد الرحمن في مقدمة ترجمته إلى أنّه مصطلح يشير إلى إبداعات أبناء القارة السمراء في المنطقة الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى. 
 
 
 
اهتمام ملحوظ
يعكس هذا الكتاب جانباً من اهتمام ملحوظ من دور النشر المصرية، حكومية وخاصة، في الوقت الراهن، بترجمة ما تيَّسر لها من الأدب الأفريقي إلى اللغة العربية، بحيث تتجاوز قدر الإمكان الأسماء المعروفة إلى أسماء أخرى جديرة بأن يتعرّف إليها القارئ العربي. 

أما الكتب التي تتناول هذا الأدب نقدياً، فمن أحدثها "أساليب السرد في الرواية الأفريقية" (المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة) للناقد محمد السيد إسماعيل، ويتناول ست روايات لكتّاب بارزين من نيجيريا وجنوب أفريقيا، معتمداً على ترجماتها من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ومستفيداً من مراجع شتى لا تربطها علاقة مباشرة بموضوع الكتاب، باستثناء كتاب "الأدب الأفريقي" للناقد علي شلش. 
كتاب شلش صدر ضمن سلسلة "عالم المعرفة" في عام 1993، ويعدّ واحداً من كتب عربية قليلة جداً تماست مع أدب أفريقيا، رجع إليها إسماعيل في الجانبين النظري والتطبيقي لدراسته، ومنها "في الشعر الأفريقي المعاصر: جيل الرواد نموذجاً" لحسن الغرفي، "الشعر الأفريقي المعاصر – مختارات ودراسات" لكاميليا صبحي وآخرين، و"قراءة الأدب عبر الثقافات" لماري تريز عبد المسيح. 
وهناك أيضاً كتاب "دراسة في الأدب الأفريقي الحديث" للشاعر والديبلوماسي لورنس كورباندي كوديس، الذي صدر حديثاً في طبعة عربية جديدة عن الدار المصرية - اللبنانية في القاهرة.

ويأتي في هذا السياق - على سبيل ضرب المثل - تخصيص المركز القومي المصري للترجمة مسابقة "كشّاف المترجمين" لتشجيع ترجمة الأدب الأفريقي، وتخصيص حيّز للأدب الأفريقي من جانب دار "العربي" ضمن مشروعها للترجمة من لغات شتى إلى اللغة العربية والذي يحمل عنوان "كتب مختلفة". 

تجارب متعددة
بالعودة إلى كتاب نصر عبد الرحمن، فإنّه كما ورد في التعريف به من جانب الناشر، يلقي الضوء على بعض ملامح الأدب الأفريقي ورواده في مراحل مختلفة، كما يُبرز أهمية الشعر الشفاهي باعتباره أحد أهم روافد الإبداع الأفريقي وما يمنحه من سمات تفرّده عالمياً. 
وهو يهتم كذلك برصد التغيّرات السياسية والاجتماعية بين الماضي والحاضر، ومدى انعكاسها على الواقع الأدبي في اللحظة الراهنة، ويكشف عن تأثير الغرب الثقافي في إبداع القارة السمراء؛ سواء في الماضي أو في الحاضر، ويشير إلى دور المؤسسات الثقافية الأميركية والأوروبية في دعم أو توجيه المبدعين من الأجيال الجديدة، وانعكاس هذا على طريقة تناولهم للقضايا المختلفة. 

ويقول المترجم: "أعتقد أنّ أهم ما يركّز عليه هذا الكتاب هو تقديم تجارب متعددة لأبرز المبدعين والمبدعات في القارة السمراء في اللحظة الراهنة، للوقوف على مدى تطور الأدب الأفريقي ومواكبته للمشهد الإبداعي العالمي واستشراف مستقبله. 
القسم الأول، أو ما يمكن اعتباره القسم الأول، جاء تحت عنوان "صوت المرأة الأفريقية"، ويستهله عبد الرحمن بملاحظة أنّ حجم المشاركة النسائية في المشهد الإبداعي الأفريقي كبير، لكنه يركّز هنا على إبداع شاعرات من دول تقع جنوبي الصحراء الكبرى، "تجمعهن قواسم مشتركة أبرزها أنّهن حصلن على تعليم غربي، ووصلن إلى المرحلة الجامعية، كما تواصلن مع الثقافة الغربية؛ سواء بالهجرة أو الإقامة لفترات طويلة نسبياً في دول غربية، بخاصة انكلترا وفرنسا والبرتغال والولايات المتحدة، أو بانتماء أحد الأبوين إلى إحدى دول الغرب". 

ويلاحظ عبد الرحمن أنّ شاعرات غانا ونيجيريا هن الأكثر هجرة، وشاعرات جنوب أفريقيا هن الأقل هجرة. ويتطرّق عبد الرحمن، في موضع آخر من كتابه إلى "قصائد من نيجيريا"، ملاحظًا أنّ هذا البلد هو أكثر دول أفريقيا ارتباطاً بالغرب ثقافياً... "وعندما هاجم نغوغي واثيليغو كتابة الأعمال الإبداعية الأفريقية باللغة الانكليزية، تصدّى له عدد من شعراء وكتّاب نيجيريا، وعلى رأسهم آتشيبي، الملقّب في الغرب بعميد الأدب الأفريقي" (ص 122).    
 
 
 
شكسبير الصومال! 
وبصرف النطر عمّا إذا كانت الصومال تُعتبر ضمن النطاق الجغرافي الذي حدّده عبد الرحمن باعتباره منتج الأدب الأفريقي، فإننا نجد أنّه خصّص فصلاً في كتابه لإنتاج الشاعر الصومالي حمد حضراوي (1943 – 2022)، واصفاً إيّاه بأنّه "شكسبير الصومال"، ومعتبراً أنّ "شعره رغيف خبز في بلد ضربته المجاعات، وملجأ في مدن مزّقتها طلقات الرصاص، وصوت عاقل يدعو للسلام في أرض يتنازع عليها أمراء الحرب" ص 199.
 
وحضراوي المولود في إقليم برعو في شمال الصومال، أقام لسنوات عدة من صباه في مدينة عدن في اليمن، وهاجر عام 1991 إلى انكلترا، ماراً بإثيوبيا "هرباً من الاضطهاد والتداعيات السياسية الخطيرة في الصومال"، لكنه عاد إلى بلاده مجدداً عام 1999. 
يجيد العربية والإنكليزية، لكنه يكتب باللغة الصومالية... "استفاد من تجارب الشعراء الشفاهيين، وبرع في المزج بين الإنسان والطبيعة والحيوانات البرية وحيوانات الرعي، كما برع في تقديم تفاصيل الحياة اليومية، معتمداً على الموسيقى القوية والإيقاع السريع". وربما كان من الأوقع تشبيه حضراوي بالشاعر المصري أحمد فؤاد نجم. فهو شكَّل مع المغنية "مغول"، ثنائياً؛ قدّم عشرات الأغاني المناهضة للرئيس الصومالي الأسبق سياد بري، وهو ما يشبه ما قدّمه نجم مع المغني الكفيف إمام عيسى، من أغنيات مناهضة لنظام الحكم في مصر، خصوصاً في سبعينات القرن الماضي.    
 
 


   
من السرد الأفريقي
ومن الشعر الذي قدّم له عبد الرحمن نماذج من بلدان أفريقية عدة، ينتقل إلى السرد، مستشهداً كذلك بنماذج راسخة وأخرى لا يعرف القارئ العربي عنها الكثير. 

وهو على أية حال ختم كتابه بفصل عن الروائية والقاصة النيجيرية تشيماندا نغوزي أديتشي (1977)، باعتبارها "واحدة من أهم الأدباء الذين يكتبون بالإنكليزية في أفريقيا" ص211. ويضيف عبد الرحمن أنّ تشيماماندا تتمتع بموهبة أدبية جعلتها في صدارة المشهد الإبداعي العالمي في وقت مبكر من عمرها"، مشيراً إلى أنّ لديها قدراً كبيراً من الإصرار والمثابرة، جعلها من الأسماء الكبيرة على الساحة الدولية في مجال الدفاع عن حقوق المرأة". وقد قال عنها تشينوا أتشيبي: "إنّ لها حكمة القصاصين القدماء العظام". 
 
 
 
وهي تعيش حالياً بين الولايات المتحدة الأميركية ونيجيريا، حيث تقوم بتدريس الكتابة الإبداعية. وفي روايتها "أميركانا"، الصادرة عام 2013، تجربتها في الهجرة والإقامة في أميركا. ويشير عنوان الرواية إلى الاسم الذي يطلقه النيجيريون على النيجيري بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية. وترصد الرواية مدى تغلغل التمييز العنصري في الثقافة الأميركية، التي وصلت إلى درجة استعلاء المهاجرين الأقدم على المهاجرين الجدد.

وأخيراً، فإننا عربياً لا نزال لا نعرف الكثير عن الأدب الأفريقي، ومن ثم نأمل أن يتصل الجهد المبذول في السنوات الأخيرة في ترجمة ذلك الأدب إلى اللغة العربية، وأن تتنامى الدراسات النقدية العربية التي تتناوله، بما أنّه الأقرب إلينا من أي أدب آخر.   
 
 
 
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة